حين تصل الدبابات الإسرائيلية على بعد مئة وخمسين متراً من مقر الرئيس ياسر عرفات، فإن منع إنهيار السلطة وسحب الذرائع من شارون، والإستجابة لنداءات العالم، تصبح ضرورة ملحة، وكان خطاب الرئيس عرفات إستجابة لهذه الضرورة الملحة. كنت أتمنى أن يصدر هذا الخطاب في منعطفات سابقة وحين كان العالم كُله بجانبنا وكان شارون محشوراً في الزاوية يوجه الرسائل من تحت الطاولة ومن فوقها أيضاً متوسلاً وقف المواجهات. كانت هناك منعطفات حاسمة تطلبت حسم الأمور ووقف الفوضى والإنفلات التي كانت تهدد بالتحول إلى «صومال جديد» ومازالت ولو بدرجة أقل ما لم تستدرك الأمور بسرعة وحسم شديد دون أي تردّد. كان يمكن أن نسمع هذا الخطاب، بهذه العبارات القاطعات، حين اعلن أبو عمار وقف إطلاق النار من جانب واحد بعد عملية «الدولفنيريوم» في تل أبيب،بحضور المبعوثين الأوروبيين. لو فعل ذلك في حينه، لكان يمكن وقف شلال الدم الغزير الذي تدفق من دماء شبابنا بعد ذلك ولكان يمكن إغلاق ملف قتل المدنيين منذ ذلك التاريخ، ولكنا قد وفرنا على شعبنا المعاناة وإعادة الاحتلال الذي لم نشاهد إستشهاديين يوقفون دباباته بلحومهم، كما فعلنا في معركة الكرامة الخالدة «مارس 1968م»، وكما يفعلون في الحافلات المدنية ومطاعم البيتزا ومراقص تل أبيب، مما يفقدنا كل عطف في العالم نحن في أمس الحاجة إليه، لأننا الطرف الأضعف الذي يحتاج تدخل قوة الضمير العالمي، لكسر الاحتلال في موازين القوى على الأرض. لكن العالم كله كان سيقف معنا لو حطمنا دبابات الاحتلال على مشارف مدننا وقرانا ومخيماتنا،إذ لا أحد في عالم اليوم يؤيّد الإحتلال ،بأية صورة من الصور. وبعد الحادي عشر من سبتمبر اتضحت حقائق وأتت متغيرات. أولى هذه الحقائق أن قتل المدنيين إرهاب لا تسامح فيه، وكل من يقوم بذلك هو أسامة بن لادن صغير، قد يكبر في أي وقت من الأوقات. ولهذا قرر العالم أن لا تتكرر مأساة السماح لابن لادن أن يكبر ويشكل هذا الخطر ويقوم بقتل الآلاف، لو حسموا الأمور بعد نسف سفاراتهم في أفريقيا لما حدث ما حدث في مركز التجارة العالمي بعد ذلك بسنوات. والمتغير الثاني أن حلف محاربة الإرهاب يريد اجتثاث الجذور وتجفيف المستنقع ويريد العرب معه في الحرب وذلك مستحيل دون حل القضية الفلسطينية التي وصل التعاطف معها القمة في ذلك الآوان. كنت أتمنى لو قطف عرفات الثمار وضرب الحديد وهو ساخن وأعلن هذا الخطاب الذي سمعناه منذ أيام. لقد فقدنا الكثير حين بدأ مسلسل قتل المدنيين الإسرائيليين في العفولة وحيفا والقدس وأماكن أخرى. أمر ملفت للنظر أن ترى فجأة، هذه القدرة للقيام بكل هذه العمليات مرة واحدة وفي غضون أيام. ويذكرنا الأمر بسلسلة عمليات مماثلة وقعت أوائل عام في 1996م القدس وتل أبيب وعسقلان لإسقاط شيمون بيريز في إنتخابات ذلك العام وتبين حسب معلومات السلطة الفلسطينية الدقيقة أن قوى إقليمية كانت تقف وراء ذلك، أو تشجعه على أقل تقدير وتقدم له كل التمويل اللازم أضعافاً مضاعفة، واليوم فإن نفس تلك القوى معنية بإفشال خطة انتوني زيني وذلك ما كان. لقد وفرت تلكم العمليات المبررات لأرييل شارون ليقوم بهذا القتل والإجتياح دون إعتراض أحد في هذا العالم الذي كان يقف على رؤوس أصابعه حين تتوغل القوات الإسرائيلية مئة متر في أراضي السيادة الفلسطينية، لأول مرة منذ عام 1967م يجد رئيس وزراء في إسرائيل أن قوى العالم الرئيسية تؤيده في احتلال أراضي وإجتياح مناطق والسبب الوحيد لذلك أن العالم بأسره تقشعر منه الأبدان حين يرى سفك دماء مدنيين على شاشات الفضائيات. لقد تحدثت بذلك كله مع بعض الأخوة في حماس دون جدوى رغم أن الحقائق واضحة مثل قرص الشمس في عز الظهيرة، لكنه العناد والأيديولوجيا ورفض قراءة متغيرات العالم. ماذا عن آفاق المستقبل ؟ مازالت الاحتمالات مفتوحة، قد تتمكن السلطة من السيطرة على الموقف مما سيفتح المجال أمام عودة زيني وفتح الملف السياسي وذلك ما لا يريده شارون، وما لا تريده القوى الفلسطينية المتطرفة. وقد تنجح عملية عسكرية كبرى، يجري ترتيبها من الخارج على الأغلب، لأن قيادات «الداخل» من القوى الإسلامية يتفهم أغلبها ضرورات الموقف، وأياديهم في النار وليسوا في حالة إسترخاء في عواصم العرب والخارج، وإن حدث ذلك دون أن تكون واشنطن والإتحاد الأوروبي مقتنعين بأن السلطة الفلسطينية بذلت مئة في المئة من الجهد، فإن البنيان الوطني الذي أقمناه مدماكاً فوق مدماك سينهار تماماً وتعود عشرات السنين للوراء. كتب توفيق أبو بكر: