تواجه الحكومة السورية الجديدة سلسلة من المهمات الكبيرة والملحة لاسيما في المجال الاقتصادي وفيما يتعلق بتسريع عملية الاصلاح والتطوير والتحديث وستشكل هذه الاستحقاقات اختباراً عملياً لمدى قدرة هذه الحكومة على تجاوز المعوقات التي برزت على امتداد العام الماضي، خاصة ما يتصل بايجاد الآليات والوسائل العملية القادرة على تنفيذ عشرات من القرارات والقوانين والتشريعات التي صدرت والتي يعني معظمها مجرد حبر على ورق. وتشير التوقعات الى ان الحكومة السورية الجديدة ستعطي الاولوية لاصلاح وتطوير القطاع الاقتصادي الذي يعاني من صعوبات كثيرة. لعل من أبرزها حالة الركود العام وتوقف العديد من الأنشطة الاستثمارية وغيرها. وتزداد أهمية هذا التوجه خلال الفترة المقبلة مع بروز مجموعة من المعطيات المحددة التي تؤكد بأن سوريا بحاجة إلى أساليب جديدة في الاداء الاقتصادي. فقد اختلفت الاراء الرسمية وشبه الرسمية حول تحديد معدل النمو الاقتصادي العام الذي تحقق العام الماضي حيث اشارت تقارير المكتب المركزي للاحصاء إلى ان المحصلة الواقعية والنهائية لهذا المعدل لم تتجاوز الـ 2.3 بالمئة في حين ان مصادر وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية تؤكد بأن نسبة النمو المتحققة بلغت 5 بالمئة العام الماضي. ويعكس هذا التباين في تقدير مستوى النمو حالة من التخبط الاقتصادي لابد من تجاوزها من خلال الاقتراب اكثر من المعطيات التي يفرزها الاقتصاد السوري وهو يواجه تحديات واستحقاقات على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة. ويأتي في مقدمتها مسألة الغاء الرسوم الجمركية بصورة نهائية على السلع والمنتجات الصناعية الوطنية المنشأ بين سوريا ولبنان بدءاً من مطلع العام المقبل وهو الأمر الذي ستكون له الكثير من الانعكاسات والتأثيرات على مجمل الاوضاع الاقتصادية في البلاد. كما ان سوريا ستواجه خلال الفترة المقبلة استحقاقاً أكثر أهمية يتمثل في التوقيع النهائي على اتفاقية الشراكة الاقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي سيما وان لبنان سيوقع على الاتفاقية في شهر فبراير المقبل وبالتالي فان الجانب السوري سيجد نفسه مضطراً إلى اختصار المفاوضات مع الجانب الأوروبي والتوقيع على اتفاقية الشراكة. وتؤكد المصادر ان التعاطي مع هذه التطورات والاستحقاقات يحتاج إلى ذهنية حكومية جديدة تكون قادرة على الانفتاح أكثر على روح العصر. مشيرة إلى ان السياسات الحمائية والتمسك بالرسوم والضرائب الجمركية كمصدر أساسي لموارد الخزينة العامة للدولة لم تعد تجدي نفعاً في هذا العصر وبالتالي فان هذا يشكل مهمة كبيرة أمام الحكومة السورية الجديدة وهي مدعوة إلى اتخاذ قرارات وخطوات تشريعية جزئية على هذا الصعيد. والانطباع السائد ان الحكومة السابقة التي أصدرت عشرات القوانين والقرارات والتشريعات الجديدة والمهمة لم تستطع ان تنفذ هذا الكم الكبير من التشريعات والقوانين وبالتالي فان الحكومة الجديدة ستجد نفسها في مواجهة كل الأسباب والمعوقات التي حالت دون التطبيق الأمثل للقرارات والتوجهات التي صدرت على امتداد العام الحالي والعام الماضي وهي بالتأكيد ستعمل بقوة على تذليل هذه المعوقات من أجل تسريع عملية الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي ونقل سوريا إلى مرحلة جديدة. وإلى جانب ذلك فان الحكومة السورية الجديدة ستعطي الاولوية لمسألة مكافحة الفساد والقضاء على جميع أشكاله وصوره خاصة وان هذه القضية تشكل احدى الركائز الأساسية لبرنامج الاصلاح الوطني الشامل الذي طرحه الرئيس بشار الأسد لدى تسلمه مقاليد الحكم في سوريا. وتشير المصادر إلى ان هناك الكثير من الملفات والقضايا المتعلقة بالفساد معروضة حالياً أمام القضاء السوري بانتظار الفصل فيها باعتبار ان القضاء بات هو الجهة التي تبت في كل قضايا الفساد التي تكشفت على مستوى مؤسسات الدولة وكانت القرارات التي أصدرتها المحكمة الاقتصادية في دمشق بحق كل من نائب رئيس الوزراء السوري السابق سليم ياسين والدكتور مفيد عبدالكريم وزير النقل في حكومة الزعبي السابقة ورجل الأعمال السوري منير أبو خضور المقيم في اسبانيا والتي تضمنت السجن لكل واحد منهم لمدة 22 سنة ونصف ومن ثم تخفيض هذه المحكومية إلى عشر سنوات في ضوء احكام العفوين اللذين صدرا عن رئيس الجمهورية وتكليفهم بدفع غرامة قدرها 268 مليون دولار أمريكي و400 مليون ليرة سورية كتعويض لشركة الطيران السورية عن الخسائر التي لحقت بها من جراء التلاعب بصفقة طائرات ـ الايرباص ـ قد اثارت الكثير من اجواء الارتياح لدى مختلف الاوساط السورية التي وجدت في تلك القرارات مؤشراً ومهماً على جدية القيادة الجديدة في مكافحة الفساد من جذوره ومحاسبة المقصرين والمسيئين في مختلف مواقع المسئولية وبطبيعة الحال فان هذه الاجواء المشجعة ستعطي الحكومة السورية الجديدة قوة الدفع اللازمة من اجل مواصلة تطبيق اجراءات المحاسبة والتقصير وتوسيع حملة مكافحة الفساد لتطال كل المسيئين والمقصرين وتطبيق سيادة القانون وان يكون القانون فوق الجميع. كما ستواجه الحكومة السورية مهمة عاجلة وهي البدء في تنفيذ وتطبيق البرنامج الوطني لمكافحة البطالة بعد اقرار وتصديق البرنامج من قبل الجهات الوصائية والذي يرمي إلى توفير نحو 200 ألف فرصة عمل جديدة في سوريا على مدى السنوات الثلاث المقبلة وذلك بكلفة تصل إلى نحو 50 مليار ليرة سورية أي ما يعادل مليار دولار أمريكي وسيشكل هذا البرنامج من حيث التطبيق والواقعية مؤشراً بارزاً على مدى قدرة الحكومة الجديدة في التصدي لاخطر مشكلة اجتماعية واقتصادية وهي البطالة التي تزداد حدة مع تزايد عدد الاشخاص الذين يدخلون إلى سوق العمل كل عام. ويجمع المراقبون على ان كل هذه الاجراءات ستصب في نهاية المطاف ببوتقة تمتين الجبهة الداخلية السورية وبالتالي زيادة قدرة دمشق على مواجهة الاخطار والتهديدات الاقليمية والدولية الموجهة لها سواء من جانب إسرائيل أو ما يتصل بقضايا الإرهاب وتداعياته ولهذا السبب فان الرئيس بشار الأسد بادر إلى تحقيق التوازن الدقيق بين الوضعين الداخلي والخارجي إذ ان الأحداث والتطورات الخطيرة التي تجرى في المنطقة والتي وصلت إلى ذروتها من خلال العدوان الإسرائيلي المفتوح ضد الشعب الفلسطيني وكذلك الحملة الأمريكية لمحاربة الإرهاب وانشغال العالم كله بهذه القضية لم تمنع الرئيس الأسد من متابعة الوضع الداخلي والاشراف على اعادة ترتيبه بالصورة الامثل وذلك على الرغم من ان سوريا ودورها في الشرق الأوسط يفرضان عليها الانغماس ـ بصورة كلية ـ في كل ما يجرى على مستوى المنطقة والعالم لأن دمشق تعد مستهدفة من جانب إسرائيل والقوى الغربية الداعمة لها لاسيما خلال هذه المرحلة التي توصف بأنها حاسمة ودراماتيكية. دمشق ـ يوسف البجيرمي: