انتهت عاصفة المخاوف الأمنية الداخلية بعد تفجيرات 11 سبتمبر الماضي الأمريكية، على خير في لبنان، ورغم ان الرهانات تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات، السلبي منها كما الايجابي، فقد اثبت وزير الداخلية الشاب المحامي الياس المر قدرته على القيام بالواجب، والنهوض بحالة من التناغم في اداء مختلف القوى العسكرية والإدارات الأمنية، وفيما اتخذته من قرارات ضابطة، واجراءات ضاغطة باتجاه ترسيخ الأمن واشاعة الامان. وقد تطلب هذا منه البقاء على تشاور دائم مع أركان الحكم الرؤساء الثلاثة اميل لحود، نبيه بري، ورفيق الحريري، والقادة الامنيين، والمسئولين في مختلف الفاعليات التي تصب اعمالها ضمن صلاحياته كوزير للداخلية والشئون البلدية والقروية. لكن بقي الجانب الأمني الشغل الشاغل، والهم الاكبر، خاصة مع خروقات اطلت برأسها مؤخراً، وهي ذات دلالات تخريبية على المستويات الوطنية والطائفية والمذهبية وما شابه، مثل تفجير بعض المساجد والكنائس. وبفضل الجهود التي بذلت، يقول الوزير المر: «الأمن الداخلي في لبنان هو من أفضل المناخات الأمنية الموجودة في العالم فالأمن خط أحمر لن يسمح لأحد بتجاوزه والقوى والأجهزة العسكرية والأمنية ستضرب بقوة كل من تسوّل له نفسه محاولة العبث بالأمن وتعكير الهدوء والاستقرار». ويضيف: «لبنان ينعم بأمن مميز، ووضعه الأمني أكثر من جيد.. وكافة القوى الأمنية تتعاطى مع هذا الملف دون مزايدات سياسية مذهبية أو طائفية». لذلك، فانه في رأي الكثيرين، واجماعهم، ان وزارة الداخلية نجحت في الامتحان، وتمكنت من لجم عاصفة الاضطرابات الامنية التي سقط الرهان على هبوبها في مختلف المناطق اللبنانية، خاصة تلك التي تشكو حساسيات معينة «مثلا في المخيمات الفلسطينية ومحيطها»، وتعرف في القاموس اللبناني «بؤر التفجر والتفجير». فقد تشكّل «مجلس الأمن المركزي»، باجتماعاته المفتوحة، ومتابعاته، واتصالاته، صمام الامان للحيلولة دون غرق البلاد والعباد في الوحول الامنية، خاصة بعد تفجيرات 11 سبتمبر في أمريكا. وعلى مستوى المناطق تتم أيضاً، وباستمرار، اجتماعات دورية لمجالس الأمن الفرعية برئاسة المحافظين ومشاركة كبار الضباط والمسئولين المدنيين المعنيين بالشئون العامة. نصوص قانونية وأكد الوزير المر حرص مجلس الأمن المركزي على التذكير دائماً بالنصوص القانونية التي تحظّر قيام الأحزاب المنحلة والحركات غير المرخصة لها بالاجتماع والتظاهر والاضراب وتوجيه النشرات والخطابات، والمشاركة في أي نشاطات ذات طابع سياسي أو إعلامي أو استغلال أي مناسبة عامة أو خاصة لابراز تلك النشاطات والشعارات المرتبطة بها. كذلك فان قوى. الجيش والإدارات الأمنية المختلفة مكلفة بحكم صلاحياتها المستندة إلى النصوص القانونية، وإلى قرارات مجلس الوزراء، تطبيق القوانين وملاحقة مخالفيها، واحالتهم على القضاء المختص». ومن تلك النصوص القانونية الابرز، يلفت وزير الداخلية إلى ثلاثة نصوص وردت في المرسوم الرقم 2873 الصادر في 16 ديسمبر عام 1959، وهي: أولاً: حظر قيام الأحزاب المنحلة بأي شكل من اشكال الاجتماع والتظاهر.. والتحركات. ثانياً: حظر اقدام أي حركة غير مرخصة ولا تعترف بالنظام اللبناني أو بشرعيته وسلطاته ومؤسساته الدستورية. ثالثاً: ان قوى الجيش والإدارات الأمنية مكلفة بتطبيق تلك القوانين، وفقاً للاصول. يوضح الوزير المر ان مجلس الأمن المركزي لاحظ ان البلاد تشهد منذ سنوات عدة مناخاً من الاستقرار الأمني، الذي تتخلله حوادث متفرقة، تقوم القوى الأمنية بمعالجتها في حينه، كما تتابع التحريات عن الحوادث التي لا يتم الكشف عن مرتكبيها في لحظة حصولها. أسباب متفرقة وقال الوزير ان المجلس لاحظ ان تلك الحوادث بما فيها بعض التظاهرات العمالية والمهنية ونشاطات اخرى انما تقع لأسباب متفرقة، وضمن وتيرة غير مخططة باستثناء ما تقوم به مجموعات تابعة لحزب القوات اللبنانية المنحلة وللمجموعة العونية «انصار العماد ميشال عون» غير المرخصة. حيث ان هذه المجموعات، وعلى رغم وضعها غير القانوني، تقتنص كل مناسبة، عامة كانت أم خاصة، للقيام بتحركات، وتجاوزات، واهانة مقامات، وقطع طرق، واقفال جامعات، معتبرة ذلك من حقوقها، فيما هي تشيع، وفي كل مرة، اجواء من التوتر والعصبيات والاحتقان داخل البلاد في ظل اوضاع اقليمية حساسة وظروف اقتصادية ضاغطة. وأكد الوزير المر ان الادارات الأمنية الشرعية تقوم بواجباتها أمام كل حدث مشيرا ان الأمن الداخلي في لبنان من أفضل المناخات الموجودة في العالم. وأخيراً شدد الوزير على ان الأمن في لبنان خط أحمر لن يسمح لأحد بتجاوزه، وخصوصاً من خلال عمليات التخريب التي تستهدف الكنائس والجوامع لاشعال الفتنة بين الشعب اللبناني. جردة سنوية ومن خلال جردة سنوية لوزارة الداخلية اتضح انها انجزت خلال سنة حوالي 305 الاف معاملة، واوقفت أكثر من 25 ألفاً بتهم مختلفة «منها مخدرات وجرائم...»، وسجلت ما يزيد على 111 الف الية، واجرت انتخاب بلدية في 67 بلدة وقرية في المناطق الجنوبية المحررة. وضمن جردة الحساب هذه «تقرير تقدم الأعمال» وهو معلومات عن الانجازات، وكشف بما تحقق، وأبرزه: «عدد المعاملات الإدارية التي عولجت في الوزارة 304652 معاملة، عدد الموقوفين «مخدرات، جرائم وجنح مختلفة» 25270 موقوفاً، عدد عمليات الاطفاء والانقاذ من الدفاع المدني 21158 عملية، عدد مراكز الدفاع المدني الجديدة 34 مركزاً، عدد الفصائل والمفارز المستحدثة 29 «مكتب، مفرزة، سرية»، عدد الأبنية المستحدثة في قوى الأمن الداخلي 5 «مجمع، بناء، مأوى»، الرسوم المستوفاة من أجهزة الوزارة لمصلحة الخزينة 450 مليار ليرة، توزيع على البلديات والاتحادات البلدية من الصندوق البلدي المستقل 245 مليار ليرة، توزيع على القرى التي ليس فيها بلديات 16 مليار ليرة، مشاريع مع البنك الدولي 245 مليون دولار، توزيع بطاقات هوية 700 ألف بطاقة، عدد الآليات المسجلة 111622 آلية، اجراء انتخابات بلدية في 67 بلدة وقرية، اعطاء علم وخبر لـ 207 جمعيات و4 أحزاب و19 نقابة و20 جمعية وناد، 206968 بطاقة اقامة، 377900 جواز سفر، 439069 محضر ضبط، تطويع 17 ضابط اختصاص، تطويع 500 رتيب اختصاصي ومتمرن، تطويع 1635 دركياً، تعاقد مع 160 مدنياً، آليات جديدة لمختلف الإدارات 433، اضافة إلى توزيع 150 ألف منشور توعية. الأمن لسوانا ورغم هذه البيانات يستغرب المحافظ السابق هنري لحود تدافع المسئولين اللبنانيين لابراز الاستقرار في البلاد، واستتباب الأمن والأمان، وازدهار الحال وهدوء البال، في وقت تبدو فيه «الشمس طالعة والناس قاشعة»، فلا يختلف اثنان على تزايد الاغتيال، والسرقات، والانتحار، وتعاطي المخدرات، وتهريبها، وما إلى ذلك من مساويء يطول سردها. لكن لحود يشاء ان يتوقف عند ابراز بعضها معدّداً اياها، وموضحاً، بقوله: ـ صرف نظر الدولة عن قتلة القضاة اللبنانيين الأربعة بينما كانوا جالسين على منصة المحكمة يؤدون دورهم في احقاق الحق وتوزيع العدل بين الرعية. والقتلة حدد مكان اختبائهم الرئيس سليم الحص في احد المخيمات الفلسطينية القائمة على بعد مئات الامتار من مكان اقتراف الجريمة، الا ان الدولة، على ما يبدو، ممنوع عليها ولوج باب المخيم المذكور. وكان من نتيجة الاعتراف الرسمي باستقلالية الجزر الأمنية غير اللبنانية القيام أخيراً بالاعتداء على احد مواقع الجيش اللبناني خارج نطاق المخيم، بحماية مستمدة من حصانة غريبة يتعذر علينا ادراك مبرراتها واستمرارها، على الأقل في حقل الجريمة. فاذا ما اغتيل احد الرؤساء لاسمح الله، ولجأ القتلة إلى المخيم في ضيافة «ابو محجن»، فهل يحال دون الملاحقة؟ اهم من اغتيال أي مسئول في الدولة اغتيال القضاة الأربعة، لأن القضاء أساس ضمان حياة الشعب وحقوقه، وملاذ آماله. ولئن ادبرت الدولة عن اقدس واجباتها تجاه هذه الفاجعة التاريخية فلن نسكت من جهتنا حتى تمكين القضاء الجريح من احقاق نفسه ومعه ومن ورائه الشعب. ـ تكاثر الاغتيالات المقترفة بقصد السرقة على الارامل والعزل نتيجة استخفاف المجرمين بقدرات الدولة، اذ تطلع علينا الصحف يومياً تقريباً بمثل هذه الاخبار المقلقة التي من شأنها ان تزرع الرعب والذعر في نفوس المواطنين. ـ ازدياد هائل في عدد السيارات المسروقة الذي بلغ خلال العام الفائت نحو سبعة آلاف سيارة حسب احصاء مذاع لم يصدر في شأنه أي بلاغ تصديقاً أو نفياً رغم أهمية الموضوع ومدى مساهمته في فقدان الثقة بـ «دولة المؤسسات». ـ المجاعة تدق المزيد من الأبواب كل يوم في مواجهة المتطلبات العائلية الملحة. وقد تلجيء الحاجة الاوادم منهم إلى تجاوز النصوص القانونية والاعراف لاطعام ذويهم، وكذلك المجرمين إلى استغلال الأزمة الخانقة والتستر وراءه المزيد من الارتباكات. الرئيس عمر كرامي ذكر الكثير عن ضحايا المجاعة الآخذ عددهم في الارتفاع في جميع المناطق، كما ان جاك صراف خشي في مقابلة اذاعية الا يعود لنا في لبنان ارض نقف عليها بسبب اشتداد الأزمات الأمنية والاقتصادية والسياسية المتلاحقة. ـ تغييب الوزراء عن القرارات التي تتخذ باسمهم لمجرد توافق الرؤساء ومن وراءهم على الأمور المطروحة. وقد شهد هذا الواقع المخزي «شاهد من اهله» اخيراً عندما ثار عدد من الوزراء على الاصول التي اتبعت في تعيين عمداء الجامعة اللبنانية في معزل عنهم ونتيجة تعليمات معروفة المصدر والنتائج. ولم لا، ما دامت الأجهزة تعمل خارج علم مجلس الوزراء، وان ادى عملها إلى موجة الاعتقالات الكيفية الجماعية التي تعرض لها أكثر من مئتي شاب وشابة اهينوا وضربوا وهددوا على باب قصر العدل «بجرم» المطالبة باستعادة سيادة بلدهم وحريته. ولا يزال الناس يتذكرون «هجرة» رئيس الحكومة إلى معتكف سردينيا بعدما ثأر على تلك الاجراءات تفادياً للأسئلة المحرجة، كما ان تعليقات وزرائه في وسائل الاعلام قد تجاوزت في حدتها مواقف أبرز المعارضين وكأن كل وزير يطالب نفسه بالاستقالة ولكن بقاءه في جنة الحكم رهن بارادة أصحاب القرار. صحيح ان الاوضاع العامة مستقرة ولكن عند سوانا بيروت ـ رانيا يونس: