وضعت الجامعة العربية نفسها أمام امتحان من نوع جديد بعقدها مؤتمر «حوار الحضارات تواصل لا صراع» أواخر نوفمبر الماضي، وذلك في وقت تطرح فيه العديد من الأسئلة والرهانات والشكوك في وقت واحد حول ما إذا كان أمينها العام الجديد عمرو موسى سينجح في توجهاته الهادفة لنقل الجامعة إلى مستوى جديد من العمل العربي المشترك يتخلص قدر الإمكان من عوائق النظام الذي حكمها منذ إنشائها. ويتمثل الامتحان الجديد في أن الجامعة اختارت هذه المرة أن تعمل مع شريحة من الفعاليات خارج إطار الصفة الرسمية بل انطلاقا من موقعهم في الساحة الثقافية والفكرية الأمر الذي يطرح تساؤلات حول قدرة هؤلاء أيضاً على ترجمة الأفكار والمشاريع التي خرج بها مؤتمر حوار الحضارات لمواجهة الهجمة الغربية التي طالت العرب والمسلمين، ثقافياً ودينياً وفكرياً وتاريخاً وحاضراً.. وربما مستقبلاً. وفي ضوء الالتزامات الضخمة التي تتطلبها مواجهة هذه الهجمة يكون بديهياً القول أن الجامعة والمثقفين المشاركين في مؤتمرها قد كلفوا أنفسهم بمهمة صعبة، يزيد صعوبتها تلك الأليات التي يتطلبها «حوار الحضارات» من الجانب العربي والتي لم تخف عليهم قبل أن يقبلوا التكليف. ويقول الدكتور عبدالملك المنصور «اليمن» عن هذه النقطة: «من الواضح أن من غير الممكن تنفيذ مشروع ضخم من قبيل الحوار الحضاري يتطلب مدخلات «مالية بشرية» كبيرة لمدى زمني طويل وعبر مساحة جغرافية بحجم الكرة الأرضية، دون وجود ترتيب تنظيمي يتولى الاشراف على مهام التحضير والتمويل والتنظيم ووضع السياسات والخطط والبرامج واقتراح الوسائل والأساليب المناسبة.. وبالمثل لا بد من ايجاد ترتيبات تنظيمية مناسبة للحوار الداخلي أي الحوار بين الانساق الفرعية للثقافات والحضارا». والواقع أن الافكار التي يطرحها المثقفون العرب على مختلف توجهاتهم كلها تصب في النهاية في خانة الضغط باتجاه توفير تلك الامكانات التنظيمية والمالية كما أن الحد الأدنى المشترك الذي خرج به المؤتمر يلح في مختلف بنوده الثمانية عشر على هذه المسألة، بدءاً بالجائزة السنوية المخصصة للاسهام في حوار الحضارات مروراً بانشاء شبكات Networking للمفكرين والمثقفين العرب والأجانب في دول العالم. وانتهاء بإعداد جيل من الدعاة القادرين على الدعوة إلى الفهم الصحيح للدين الاسلامي بمفاهيمه السمحة وبصندوق لدعم المبادرة الثقافية العربية وبغض النظر عن التأييد أوالنقد الذي قد تلقاه تلك البنود ـ المشاريع. فان ثمة إجماعاً على ضرورة الاسراع في إجراءات عملية توخيا لحد أدنى من المعالجة السليمة.. خاصة وان مختلف المقترحات تتجه نحو الأمم الأخرى وخاصة الغرب. وبهذا الصدد يقول المنجي بوسنينه المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم إن دقة المرحلة التي نمر بها جميعا لم تعد تتطلب مجرد الإدانة والتنديد وطرح التطورات الحالمة والأفكار الطوبابوية فالحوار الحقيقي الذي ينتظرنا بات ضرورة حقيقية في هذه المرحلة ويتطلب منا ـ دولا ومنظمات ـ اعداد خطة عمل لمشروع حضاري جديد لما بعد 11 سبتمبر 2001 يقوم على أساس دعم الحوار الحضاري ونشر قيم التسامح والاخاء ومقاومة الجهل والامية وإزالة أسباب الصراع وإن المشروع الحضاري ينبغي أن يأخذ في الاعتبار الجوانب الثقافية والإعلامية مثل تطوير الحوار مع الغرب وإقامة المهرجانات الثقافية والعناية بالترجمة والمعلوماتية والتعريف بكنوز الثقافة العربية مع الاهتمام باقامة المشروعات الاعلامية بجميع أشكالها ووسائلها، ودعوة الكفاءات العربية في الخارج للاسهام في هذا المشروع من خلال اقامة لوبي ثقافي عربي في أماكن وجودهم. من جهته يركز الدكتور حسن حنفي،أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، على تبادل الأساتذة والباحثين والطلاب بين الجامعات العربية والأوروبية للاحتكاك المتبادل والتعرف على المصادر والقيام بمشروعات بحثية مشتركة بين الجانبين حول نشأة الصور النمطية وكيفية التخلص منها وصياغة عدة مشاريع بحثية حول «حوار الحضارات» من باحثين عرب وأوروبيين لتبديد الصور المعادية للحضارة العربية الاسلامية وتقديم الصورة الصحيحة عنها والرد على مقولات الاستشراق التقليدي وعلوم الانثروبولوجيا الثقافية الغربية والكشف عن نشأة هذه الموضوعات باشتراك باحثين عرب وأوروبيين وتصحيح الأحكام الشائعة عن الحضارتين العربية والاسلامية، ونشر أعمالها باللغة العربية واللغات الأجنبية لعرض الصور الإسلامية الصحيحة على شبكة المعلومات لتكون متاحة للجميع في عصر ثورة الاتصالات. كما يشترك أغلب المفكرين في اقتراح زيارات متبادلة ومنسقة وفق خطة طويلة الأمد «إعلامية، سياحية، سياسية، رجال أعمال» وتوفير المعلومات المستجدة عن العالم العربي للصحافة الغربية باللغة الانجليزية «منشورات، دوريات، نشرات صحفية » وانشاء معهد لرصد الإعلام الغربي ومهمته رصد تغطية القضايا العربية والإسلامية في وسائل الإعلام الأمريكية وتحديد الردود السريعة وتوزيعها بشكل أعمدة في الصحف أو رسائل للمحرر أو الظهور على شاشات التلفزيون، كما يؤكدون على أهمية إنشاء مؤسسة فكرية جادة للتركيز على القضايا العربية والإعلامية للتصدي للمؤسسة الصهيونية النشيطة في واشنطن. وتقوية وتفعيل العلاقات الحكومية واللوبي العربيمع الكونجرس ومجلس الشيوخ والرئاسة الأمريكية بالتنسيق مع المنظمات العربية والإسلامية على الساحة الأمريكية. وإن الحوار الإعلامي يتطلب استثمار الوقت والجهد والمال والطاقة البشرية فيه وذلك لعمق تأثيره في تكوين العقل وصياغة الوجدان وإسهامه الرئيسي في تشكيل الرأي العام ومراعاة أن تكون السياسات الإعلامية قائمة على أساس، الحقيقة والمعلومة والحرية وأن تتسم لغة الخطاب السياسي الإعلامي الموجه للغرب، بالمصداقية والجرأة والشجاعة. تصورات محددة وتتوالى مشاريع الأفكار والمؤسسات والآليات غير أن أكثرها تواضعاً يتطلب إمكانيات ضخمة وتنسيقاً حكومياً ـ أهلياً وهو ما تتزايد متطلباته عندما يتعلق الأمر بمؤسسات اعلامية ضخمة مثلما الحال مع علي فخرو، رئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث، الذي يولي أهمية قصوى «لانشاء مؤسسة اعلامية غير حكومية في إحدى عواصم العالم الكبرى تبث في البداية بالانجليزية والفرنسية أو احداهما، وتشتمل على قناة فضائية واذاعة وصحيفة ومواقع على شبكة الإنترنت ». ونظرا للتكلفة العالية التي يحتاجها هذا المشروع يقترح فخرو أن يكون بالاشتراك بين الحكومات 40% والقطاع الخاص 60% بهدف رفع طغيان الجانب الرسمي على هذه المؤسسة. وهكذا نعود الى حلقات اشكالية العمل العربي المشترك من بدايتها: ففي مثل هذه التصورات «الكونية » يبدو الحضور الرسمي أمراً لا مفر منه وفي الوقت نفسه فان تجارب المشاريع العربية السابقة لا تبشر كثيراً بالخير ولا تدعو الى التفاؤل. لكن ما تعرض له العالم العربي والإسلامي إثر 11 سبتمبر وتداعياتها وحرب أفغانستان وقضية الأفغان العرب والهجوم العنصري من قبل بعض الدوائر الغربية ضد الثقافة العربية. الإسلامية والتي طالت البرامج التعليمية وكل ما يشك الغرب أنه يشجع الإرهاب، ان كل تلك الصدمات تدفع الى الأمل وربما الوحيد في أن تكون هذه الصدمات قد نجحت أخيراً في استفزاز العرب والمسلمين، كمجتمعات وكدول ومثقفين ومؤسسات وأفراد، لدفعهم هذه المرة نحو الإرتقاء الى مستوى التحديات التي باتت تمس الوجود والهوية والإنتماء، فالجميع فوق صفيح ساخن. وماذا يمكن أن ننتظر أكثر حتى نستشعر الخطر الذي بدا قريباً، وقريباً جداً من كل منا هذه المرة. الكويت ـ انور الياسين: