منذ هجوم الحادي عشر من سبتمبر على المركز التجاري في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن، ثارت أسئلة كثيرة من بينها تساؤل عن سبب الحرص الأمريكي على الموقف الايراني المطلوب لدعم الحملة الأمريكية ضد الارهاب؟ وما هي الأبعاد الاستراتيجية والمصالح الأمريكية من وراء ذلك؟ وما هي الوسائل والأساليب التي مارستها وتمارسها أمريكا في سبيل الحصول على الدعم الايراني؟ وما هو التحرك الدبلوماسي الايراني لاحتواء التصرفات الأمريكية؟ التقرير التالي يستعرض هذه النقاط: أولاً: الموقف الإيراني من حادثة التفجيرات ودلالات ذلك الموقف فور وقوع حادث التفجيرات الإرهابية على واشنطن ونيويورك أدانت إيران هذه الأعمال الإرهابية مثل باقي الدول العربية والإسلامية التي سارعت بإدانة الإرهاب، وتواصلت في إيران حملة التنديد بالهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة، وسجل النائب الإصلاحي أحمد بورقاني باسم مجلس الشورى (البرلمان) تعازيه بضحايا الهجمات في مقر السفارة السويسرية في طهران والتي ترعى المصالح الأمريكية، فضلاً عن تجمعات الشباب الذين عبروا عن تعاطفهم مع الشعب الأمريكي في شكل مظاهرة هي الأولى من نوعها منذ عام 1979. وكان الرئيس الإيراني محمد خاتمي قد أدان هذا العمل الإرهابي حيث قال: «باسم شعب وحكومة الجمهورية الإسلامية أعلن تنديدي بالإرهاب وأعرب عن أسفي العميق وتعاطفي مع الشعب الأمريكي وإحساسي بألم المواطنين الأمريكيين ولاسيما عوائل الضحايا والقتلى جراء الاعتداءات المرفوضة التي طاولت مراكز عامة وراح ضحيتها مواطنون عزل». ولا شك أن هذا التنديد من جانب خاتمي يحمل كثيراً من الدلالات على الصعيد الإيراني الداخلي: 1ـ للمرة الأولى يصدر بيان رسمي في إيران من أعلى السلطات ويتحدث فيه رئيس الجمهورية باسم شعب وحكومة الجمهورية الإسلامية وفي هذا دلالة واضحة، إذ بدا خاتمي حريصًا على عدم إعلان موقف باسم حكومته فقط في ظل مشهد إيراني معروف بالتجاذبات وتعدد مراكز السلطة والقرار، فبتأكيد الحديث باسم الشعب والحكومة يعني قطع الطريق مسبقًا على أي جهة محلية تجتهد وتذهب بعيدًا في تحليلاتها وإعلانها مواقف لا تدرك خطورة المسألة وتجهل عمق استحقاقات الأمن القومي. 2ـ للمرة الأولى يصدر موقف إيراني عن حدث عالمي بهذه الأهمية على لسان رئيس الجمهورية وليس بياناً صادراً عن وزارة الخارجية، وفي هذا دلالة واضحة أيضا، لأن هذا الموقف جاء بعد جلسة طارئة للمجلس الأعلى للأمن القومي وحضره عدد من أعضائه الرئيسيين كوزراء الدفاع والداخلية والاستخبارات وقائد الجيش والقائد العام للحرس الثوري، وفي هذا دلالة واضحة أيضاً. 3ـ إصدار البيان الرسمي وموقف إيران الواضح لقيادة الحكم على لسان خاتمي كان رسالة واضحة لتضع حدًا لأي شخصية أو مسئول محلي في التصريح حول الحادث، وحتى إذا ما تم فإن ذلك يجب أن يكون ضمن المواقف الواضحة للنظام وليس في إطار الاجتهاد الشخصي. كما أن هذه الإدانة الإيرانية تحمل كثيراً من الدلالات على صعيد الرؤية السياسية الإيرانية في توجهاتها الانفتاحية خلال الأعوام الأخيرة أي في ظل رئاسة خاتمي مع الولايات المتحدة، وعند تحليل مفردات الموقف الإيراني الرسمي لمؤسسات ورموز الدولة مجتمعة وبعض جوانب التفاعل الشعبي مع التطورات يساعد على تحديد مقاربة تقويمية لخلفيات المواقف وأهداف الأداء وأفق الخيار الإيراني المستقبلي وذلك في ضوء ما يلي: (1) مسارعة خاتمي بالتنديد بالتفجيرات بعد ساعات من وقوعها أثار استحسان الولايات المتحدة. (2) إعلان المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي تنديده هو أيضا بالتفجيرات الإرهابية وضع حدا لتساؤلات دبلوماسية غربية عما إذا كان موقف خاتمي المذكور هو موقف الحكومة فقط والأوساط الإصلاحية، أم موقف النظام ككل. (3) لأول مرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية تم ما يمكن اعتباره أول اتصال بين مسئولين في البلدين من خلال رسالة المواساة الخطية التي وجهها عمدة طهران مرتضى الوبري ورئيس مجلس الشورى البلدي محمد عطريان إلى عمدة نيويورك، مع العلم بأن التشريعات الإيرانية تحظر اتصال المسئولين في إيران بمسئولين أمريكيين. (4) لأول مرة منذ الثورة أيضا لا يرفع شعار الموت لأمريكا في صلاة الجمعة المركزية في طهران وكان ذلك بتوصية من جهات عليا في قيادة النظام الإيراني. (5) وجه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لأول مرة رسالة رسمية إلى خاتمي أشار فيها بإيجابية إلى موقفه من التفجيرات وشدد على أهمية حوار الحضارات وعدم تحويل التفجيرات الإرهابية إلى إرهاب غربي يطاول الإسلام والعرب والمسلمين. وفي ضوء ذلك يمكن القول إن الموقف الإيراني من حادث التفجيرات ينبع من الرؤية والاستراتيجية الإيرانية لمستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة ولتطورات القرن الحادي والعشرين، بمعنى أن الأداء الإيراني يتفاعل مع الواقع والمستجدات ويتطور طبقا للتطورات بما يحافظ على الأمن القومي الإيراني ويحقق المصالح الإيرانية. ثانياً: الموقف الإيراني من الدعوة الأمريكية للتحالف الدولي ضد الإرهاب.: وفي هذا السياق أكد الرئيس الإيراني محمد خاتمي في رسالة وجهها إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، أن إيران تعتبر أن الأمم المتحدة التي تجمع كل الحكومات هي المكان المناسب لإيجاد السبل الملائمة والعادلة لاستئصال ظاهرة الإرهاب. وأكد أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تستند على ردود فعل متسرعة في تحذير ضمني موجه إلى الولايات المتحدة حول احتمال توجيه ضربات عسكرية انتقامية ضد أفغانستان. ومن ناحية أخرى أكد الرئيس الإيراني السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام وهي هيئة التحكيم الأعلى في النظام الإيراني ـ أن الجمهورية الإسلامية مستعدة للمشاركة في تحالف دولي لمحاربة الإرهاب ترعاه الأمم المتحدة وليس الولايات المتحدة. كما أجرى وزير الخارجية الإيراني الدكتور كمال خرازي محادثات هاتفية مع وزراء خارجية كندا وفرنسا وألمانيا تضمنت رسالة إيرانية لأمريكا فحواها أن إيران لا تعارض ضربات عسكرية محددة ضد المتورطين في أحداث التفجيرات بعد ثبوت تورطهم فعليا عن طريق الأدلة الدامغة على ذلك. كما رفضت إيران الفكرة الأمريكية بضربة عسكرية لأفغانستان ورفضت منح أي قواعد أمريكية لضرب أفغانستان من خلال الأراضي الإيرانية وقد جاءت هذه التحذيرات على لسان وزير الدفاع الإيراني علي شمخاني الذي أكد أن إيران سوف تسقط أي طائرة تخترق مجالها الجوي، مما يؤكد رفض إيران التعاون مع أي عمل عسكري ضد أفغانستان. وكان وزير الخارجية كمال خرازي قد حذر من قبل من أي هجمات أمريكية على أفغانستان، لأن ذلك سوف يتسبب في مقتل أبرياء ويخلف كارثة كبيرة. وهكذا يتضح أن إيران ترفض أي عمل عسكري ضد أفغانستان وتصر على أن أي حملة لمكافحة الإرهاب لا تكون بشكل منفرد من جانب الولايات المتحدة ولكن تحت مظلة الأمم المتحدة. ثالثًا: أسباب حرص الولايات المتحدة على الحصول على دعم وموافقة إيران (المصالح الاستراتيجية الأمريكية): تدرك إيران أنها أحد اللاعبين الرئيسيين في أي عمل قد تقدم عليه الولايات المتحدة نظرا إلى موقعها الاستراتيجي من الناحيتين الجيوبوليتيكية والجيوستراتيجية. خصوصا أنها تمتلك حدودا طويلة تمتد نحو 900 كيلو متر مع أفغانستان، مما يعطيها هامش مناورة كبيراً يضاف إلى امتلاكها نفوذا مهما لدى المعارضة الشمالية المناهضة لحركة طالبان وحدوداً مشتركة مع الدول المستقلة عن الاتحاد السوفييتي سابقا، ويؤكد هذا أهمية الموقف الإيراني للولايات المتحدة الأمريكية وحرص أمريكا موافقة الدعم الإيراني ولكن في نفس الاتجاه هناك مصالح استراتيجية متقاطعة مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية. فعلى الرغم من أن الأمن القومي الإيراني سيتعرض لتهديدات إذا أرادت الولايات المتحدة مد نفوذها العسكري إلى الحدود الشرقية والشمالية لإيران، إلا أن لدى طهران أوراقًا مهمة يمكن أن تلعب بها وتستطيع من خلالها إغراق القوات الأمريكية في المستنقع الأفغاني إذا قررت قيادتها الاحتفاظ بقوات في المنطقة ورسم نظام جديد لخريطة القوى الإقليمية بعد الانتهاء من مد حزام النار حول إيران من الجنوب والشرق والشمال وهذا الحزام سيطاول أيضا روسيا والصين وهما دولتان ناقمتان على التفرد الأمريكي في قضايا العالم، ولا شك أن إيران هي أصعب المحطات في التخطيط الأمريكي نظرا إلى حال القطيعة والعداوة بين البلدين منذ الثورة الإسلامية عام 1979، لكن القطيعة لم تمنع تبادل الرسائل بين الطرفين منذ أن تولى خاتمي رئاسة الحكم في إيران وانتهاج سياسة الحوار والانفتاح على الآخر ولكن بقدر محدود ووفقا لمقتضيات المصلحة الإيرانية. ولا شك في أن تقاطعا وتضاربا للمصالح الإيرانية والأمريكية في هذه الفترة الحساسة سيجر الطرفين إلى الوصول إلى الحد الأدنى من التفاهم منعا للتصادم، وأظهرت دوائر القرار الإيراني استعدادها لإيجاد قاعدة للحد الأدنى للتفاهم. ويطرح عدد من المحللين السياسيين مجموعة متشابكة من المصالح والحسابات الاستراتيجية الأمريكية التي دفعت الولايات المتحدة للسعي إلى إيران للحصول على دعمها وموافقتها على الهجمة الأمريكية على أفغانستان وهذه الأسباب هي: 1ـ السبب الأول نفطي ويتلخص في رغبة الشركات النفطية الأمريكية في دخول مضمار الطاقة في إيران وهو مضمار سيشهد نحو 20مليار دولار من الاستثمارات حتى نهاية هذا العقد، وليس بوسع الأمريكيين تركها للشركات الأوروبية بسهولة، فضلاً عن احتمالات ظهور أزمة في الطاقة خلال الأعوام المقبلة. 2ـ السبب الثاني هو أن الولايات المتحدة أدركت أنه ليس بوسعها الحفاظ على صيغة مستقرة للأمن في الخليج ما لم تشتبك في حوار مع إيران، ذلك أنه لا يمكن اعتبار إيران ـ إحدى القوى الإقليمية المؤثرة في ذلك الإقليم ـ وكأنها غير موجودة كما لا يمكن استعداؤها على نحو يجعلها في حالة استفزاز دائم. من جهة أخرى فإن الولايات المتحدة تحتاج أيضا إلى كل ما بوسعها أن تحصل عليه لمواصلة حصار العراق وبرنامجه المقلق لتطوير أسلحة الدمار الشامل. 3ـ السبب الثالث يرجع إلى رغبة واشنطن في دعم الاتجاهات الإصلاحية في إيران ليس لأنها تدعم الإصلاحيين ولكن لأنها ترى في اهتمامهم بإدخال قدر من الانفتاح إلى إيران إبعادا لاتجاهات أخرى متشددة قد تفضل ذات يوم أن تتبنى سياسات عسكرية مغامرة تهدد أمن الخليج الذي يعد أهم المناطق الاستراتيجية ذات الصلة بالمصالح الأمريكية في العالم. ولا شك أن هناك مصالح استراتيجية أمريكية تهدف إلى تحقيقها في ضوء منظومة المصالح الأمريكية في المنطقة والتي تدور في ثلاث دوائر رئيسية لتكريس الهيمنة الأمريكية في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز والنفط في بحر قزوين وتتمثل هذه المصالح والمكاسب الاستراتيجية في الآتي: أولا: مد النفوذ الاستراتيجي إلى المنطقة وملء فراغ القوة الناشئ فيها منذ عقد وما يليه من احتواء النفوذ الإيراني والروسي والصيني، وقد عبر عن هذه الغاية صراحة وزير الدفاع الأمريكي الأسبق كاسبرواينبرجر حينما قال: «إذا نجحت موسكو في السيطرة من جديد على منطقة بحر قزوين، فإن ذلك يشكل نصرا أكثر أهمية من النصر الذي حققه الغرب في توسيع حلف شمال الأطلسي في شرق أوروبا». وتحاول إدارة بوش حاليا إحياء الفكرة التي سبق وأن طرحها ستروب تاليوت نائب وزير الخارجية الأمريكي الأسبق والداعية إلى قيام منطقة أمنية تكون على علاقة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلف الأطلسي وتضم جمهوريات القوقاز بالإضافة إلى جمهوريات وسط آسيا وبحر قزوين، وتستهدف التحركات الأمريكية الحالية ما يلي: 1ـ مقاومة السياسة الروسية الداعية للإبقاء على منطقة آسيا الوسطى والقوقاز بوصفها منطقة عازلة استراتيجيا بينها وبين كل القوى الإقليمية والعالمية. 2ـ محاصرة واحتواء النفوذ الإيراني المتصاعد في تلك المنطقة التي تعاني من كم هائل من الأزمات والتوترات الداخلية على كل الصعد بحيث أدرجت من قبل فيما بات يوصف ب«قوس الأزمات في النظام العالمي» وإعادة الاستقرار إلى تلك المنطقة يمكن أن يكون هدفا محوريا للوقوف خلف الولايات المتحدة. 3ـ عزل الصين عن تلك المنطقة التي تتطلع إليها وإيجاد نقطة تماس عسكرية مع حدودها الغربية لأول مرة في تاريخها الحديث. ثانيا: الهيمنة على احتياطي الطاقة في منطقة بحر قزوين من أجل استكمال طوق السيطرة على مصادر الطاقة العالمية، وثمة تأكيدات بأن شعار مكافحة الإرهاب العالمي الذي ترفعه الولايات المتحدة لتبرير حملتها الحالية، يخفي في طياته رغبة للسيطرة على منابع النفط والغاز في تلك المنطقة، بعد أن فشلت كل الجهود الأمريكية السابقة في الوصول لتلك الغاية دبلوماسياً. ثالثًا: دعم الشراكة الاقتصادية مع تلك المنطقة التي تشكل مجالاً مثاليًا لربحية رأس المال الاستثماري، إذ إن الولايات المتحدة تسعى للاستحواذ على حصة كبيرة من عمليات إعادة تأهيل وبناء اقتصاديات تلك البلدان بعد استخراج الثروة النفطية وتصديرها إلى الأسواق العالمية. ولذلك فإن أهداف الحملة العسكرية الحالية انطلاقا من تلك المصالح والدوائر تتمثل في ثلاث مهمات رئيسية أولها: تغيير نظام الحكم في كابول وإزاحة طالبان نهائيا. وثانيها: إقامة حكومة مستقرة موالية للولايات المتحدة تعيد الاستقرار إلى البلاد بعد عقود من التمزق والحرب الأهلية. وثالثها: إقامة بنية أمنية وسياسية في المنطقة ترسي دعائم الوجود الأمريكي الدائم. رابعا: الوسائل الأمريكية للضغط على النظام الإيراني: في أعقاب الموقف الإيراني الواضح من الدعوة الأمريكية لإقامة تحالف دولي ضد الإرهاب، تعددت الأساليب والوسائل الأمريكية في محاولة ممارسة نوع من الضغوط على الحكومة الإيرانية حتى يمكن التوصل إلى حد أدنى من التفاهم بين واشنطن وطهران يتمثل هذا التفاهم في نقاط عدة أهمها عدم انخراط إيران في التحالف الأمريكي لكن مع وقوفها على الحياد وعدم وضع عراقيل أمام التحرك الأمريكي. وترى الولايات المتحدة أن حياد إيران قد يكون حيادًا إيجابيا خصوصا إذا حافظت على إبقاء حدودها مغلقة مع أفغانستان تحت عنوان عدم تدفق اللاجئين إليها. إذ إن إقفال الحدود سيعني أيضا منع تسلل مجموعات من طالبان أو من تنظيم القاعدة وتعارض إيران الولايات المتحدة في تحديد مفهوم الإرهاب، حيث تصر إيران على أن المقاومة الفلسطينية هي مقاومة ضد الاحتلال وذلك بخلاف الرأي الأمريكي الذي يصنف مجموعات من المقاومة اللبنانية والفلسطينية بأنها إرهابية لأنها تقاوم إسرائيل. التباعد الآخر الإيراني ـ الأمريكي القابل للاحتواء تمثل في تأكيد طهران أن مكافحة الإرهاب ينبغي أن تكون في إطار الأمم المتحدة وليست الولايات المتحدة على أن يطاول العقاب الإرهابيين وحدهم من دون المدنيين على قاعدة عدم الرد على الكارثة بكارثة مثلها أو أكبر منها. وفي ضوء اختلاف وجهات النظر الإيرانية والأمريكية سلكت الأخيرة عدة وسائل للضغط على إيران وتتمثل هذه الوسائل في الآتي: 1ـ أسلوب تكثيف الحملات الدبلوماسية من خلال الدول الصديقة لإيران وخاصة من جانب الدول الأوروبية وفي هذا السياق جاءت زيارة وزير الخارجية البريطاني جاك سترو لإيران والأولى من نوعها منذ عام1979 حيث التقى الوزير البريطاني مع نظيره الإيراني من أجل تقريب في وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة، كما جاءت زيارة وفد الترويكا الأوروبي لطهران وبحث مع الرئيس خاتمي وجهات النظر الإيرانية تجاه السلوك الأمريكي في حملته ضد الإرهاب وحملته العسكرية، ضد أفغانستان، فضلاً عن الزيارة التي يقوم بها المبعوث الخاص لرئيس الوزراء الياباني ماساهيكو كومورا وزير الخارجية الياباني الأسبق لإيران لإقناعها بالانضمام إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة بهدف الحصول على دعمها للضربة العسكرية الأمريكية المتوقعة لأفغانستان. 2ـ أسلوب الإغراءات الاقتصادية وهو ما ألمحت إليه بعض المصادر السياسية من أن واشنطن سوف تساعد إيران في حملتها من أجل بناء قوة اقتصادية قوية حتى تتغلب على أزمتها الحالية والمساهمة في بناء مشروعات مشتركة للنفط في منطقة أنابيب الغاز في آسيا الوسطى وخاصة مع أذربيجان وقيرغيزستان وتركمانستان. 3ـ أسلوب التهديد حيث كشفت بعض المصادر الدبلوماسية أن الإدارة الأمريكية أبلغت جهات أوروبية حليفة تربطها علاقات وثيقة مع إيران أنها تريد من السلطات الإيرانية أن تعتقل المتهم الهارب عماد مغنية وتقوم بتسليمه إلى السلطات الأمريكية تمهيدا لمحاكمته أو على الأقل تعترف بوجوده في الأراضي الإيرانية وتقدم معلومات عنه في مرحلة أولى ـ لأن المسئولين الأمريكيين يعتبرون أن مغنية متورط في مقتل أكثر من 300 مواطن أمريكي بينهم دبلوماسيون وعسكريون ومسئولون استخباراتيون. وتقول دبلوماسية إدارة بوش في هذا الصدد بأنها ليست راغبة في التسبب بأي إحراجات للرئيس الإيراني محمد خاتمي وليست راغبة في إثارة أزمة مع القيادات الإيرانية لكن الإدارة الأمريكية في الوقت نفسه غير قادرة على تجاهل عماد مغنية والدور الذي لعبه سابقا وهي التي أعلنت الحرب الطويل ضد الإرهاب والإرهابيين، ولاشك أن هذا يمثل تهديدا لإيران من خلال التلويح بقائمة الدول الراعية للإرهاب ومستقبل العلاقات مع واشنطن. 4ـ أسلوب الضغط المعنوي: وذلك من خلال اتهام واشنطن لطهران بضرورة تغيير أسلوبها في حوارها من أجل مكافحة الإرهاب حتى تكون جزءًا من العالم المتحضر والربط الأمريكي بين الإرهاب في كل من سوريا وإيران والعراق وفي ذلك محاولة أمريكية للضغط المعنوي على إيران. خامسا: التحركات الدبلوماسية الإيرانية لمواجهة الخطط الأمريكية: إزاء هذا الضغط الأمريكي بشتى الوسائل والأساليب اتخذت الدبلوماسية الإيرانية سياسة التوافق مع الدول العربية والإسلامية من أجل ممارسة نوع مضاد من الضغوط على الولايات المتحدة.. وفي هذا الصدد جاءت جولة وزير الخارجية الإيراني الدكتور كمال خرازي لكل من مصر وسوريا ولبنان وقد وضح أن هناك توافقاً مصرياً ـ إيرانياً، وسورياً ـ إيرانياً على أربع نقاط هي: التمييز بين الإرهاب والمقاومة، وعدم ربط الإرهاب بالعرب والمسلمين، وأن تكون العمليات ومكافحة الإرهاب في إطار الأمم المتحدة، والعمل على تفادي وقوع كارثة إنسانية في أفغانستان. هذا فضلاً عن الاتصالات والمباحثات الهاتفية التي تمت بين الرئيس خاتمي وكل من الرئيس مبارك والرئيس بشار الأسد وولي العهد السعودي الأمير عبد الله بشأن توحيد المواقف العربية والإسلامية ضد المواجهة الأمريكية في حملتها ضد الإرهاب وضد العرب والمسلمين في الدول الأوروبية، وقد جاءت التحركات الدبلوماسية الإيرانية لتؤكد ضرورة الربط بين ما حدث في الولايات المتحدة وما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة من اعتداءات بالدبابات والقنابل والرصاص الحي وتدمير وتشتيت الأسر الفلسطينية على أيدي القوات الإسرائيلية. كما أجرى الدكتور كمال خرازي اتصالين هاتفيين مع وزير خارجية مصر أحمد ماهر ووزير خارجية سوريا فاروق الشرع استعرضت الاتصالات تطورات الوضع في المنطقة وضرورة التنسيق في المواقف العربية والإسلامية. وذكرت بعض المصادر السياسية أن إيران ستوفد إلى السعودية قريبا مسئولا كبيراً بالمجلس الأعلى للأمن القومي الايراني لإجراء محادثات تتناول المستجدات الدولية، وتأتي زيارة روحاني للسعودية في إطار تحرك سياسي إيراني مكثف باتجاه الدول العربية والإسلامية لتنسيق المواقف ومواجهة كل الاحتمالات وتداعيات الأزمة الناجمة عن تفجيرات واشنطن ونيويورك، وسيكون روحاني أبرز مسئول ترسله طهران إلى دولة عربية، علما بأن المجلس الأعلى للأمن القومي هو أعلى هيئة أمنية ـ سياسية في إيران ناهيك عن التحرك الإيراني عبر تعزيز التعاون العسكري مع روسيا ومن هنا تكتسب زيارة وزير الدفاع الإيراني الأدميرال علي شمخاني لروسيا أهمية خاصة، في اطار توقيع اتفاقية تعاون عسكري بين روسيا وإيران تتضمن تزويد طهران بأسلحة روسية أهمها صواريخ (س ـ 300) المماثلة للصواريخ الأمريكية (باتريوت) كما يتوقع أن يعزز الإيرانيون دفاعاتهم الجوية بشراء مضادات للطائرات من طراز (بوك ـ إم ـ 1) و(كور ـ إم ـ 2) وطائرات من طراز (سوخوي ـ 27). ويجمع المحللون السياسيون على هذه الزيارة تكتسب كذلك أهمية خاصة بسبب تقارب مواقف روسيا وإيران من الوضع في أفغانستان وكلاهما ينظر بارتياب إلى احتمال تنصيب الولايات المتحدة حكومة موالية لها في كابول وتخشى روسيا وإيران من أن يصبح الوجود العسكري الأمريكي الدائم في المنطقة عاملاً لكسر وتغيير المعادلات السياسية والاقتصادية الموجودة في جنوب القوقاز وفي حوض بحر قزوين، إضافة إلى أفغانستان ذاتها. ثانياً: تداعيات الأحداث 1ـ التحركات الدولية الأخيرة لمواجهة ظاهرة الإرهاب ثمة تغير ملموس في الأوضاع الدولية بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على أكبر وأخطر أحداث القرن الحادي والعشرين، ونعني بذلك الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها مدينتا واشنطن ونيويورك الأمريكيتان في الحادي عشر من شهر سبتمبر الماضي، والتي خلفت وراءها قرابة الأربعة آلاف قتيل. بيد أن هذا التغير، وإن شعر به المراقبون، فقد خالف أغلب توقعاتهم بشأن طبيعته.. فقد راهن هؤلاء على فتور ردات الفعل الأولية ـ الأمريكية والدولية ـ التي أعقبت الحادث مع مرور الوقت، إذ كان اللافت وقتها أن دول العالم، بما فيها تلك التي تطلق عليها الولايات المتحدة «الدول المارقة» ـ قد بادرت إلى إدانة الهجمات والإعلان عن استعدادها لتقديم يد العون لواشنطن في الرد عليها. ومع مرور ثلاثة أشهر بعد الحادث على الاكتمال، لم يطرأ تغير يذكر على هذا الإجماع أو على همة الولايات المتحدة. طهران ـ «البيان»: