تركت الأحداث الأخيرة التي يمر بها العالم والمتمثلة في الهجمات على نيويورك وواشنطن ثم الرد العسكري الأمريكي ضد أفغانستان، بصمات واضحة على الاقتصاد العالمي الذي كان ينذر باحتمالات الدخول في مرحلة ركود قبل هذه الأحداث، وهي الاحتمالات التي تأكدت بعدها، ليمتد تأثير الركود إلى سائر أنحاء العالم، وكما نعلم فالاقتصاد الكويتي اقتصاد مفتوح، وبالتالي فهو ليس بمنأى عن هذه التطورات السلبية. وتتمثل أهم القطاعات التي تأثرت من جراء الحرب الأمريكية ضد أفغانستان في الآتي: أولا: النفط: يعد النفط من أكثر القطاعات المتأثرة بالضربة العسكرية لأفغانستان، وفيما كان من المتوقع أن تؤدي العمليات العسكرية إلى ارتفاع أسعار النفط إلا أن العامل النفسي لعب دورا عكسيا، إذ أن التطمينات التي حصل عليها المستهلكون من «أوبك» وتيقنهم من عدم قدرة المنظمة على المغامرة باتخاذ قرار بخفض الإنتاج، قد أدت إلى خفض الأسعار مدفوعة بقيام الدول الغربية باستعمال مخزونها الاستراتيجي قبيل الحرب، فضلا عن تأثيرات حالة الركود في الاقتصاد العالمي والتي ستقلل من الطلب على النفط، وهذا هو الحادث حاليا في الولايات المتحدة حيث أوضحت بيانات معهد البترول الأمريكي تراجع الطلب على المنتجات البترولية في شهر أغسطس الماضي، ومن المتوقع أن ينخفض نمو الطلب على مدار العام بنسبة 1%. ويفاقم من خسائر الدول المنتجة في أوبك أن هذه الدول تنتج عند سقوف منخفضة بالأساس بفعل جهود المنظمة خلال العامين الماضيين للحفاظ على الأسعار، وتجدر الإشارة إلى أن الكويت فقدت خلال عام 2001 نحو 13% من حصتها الإنتاجية بسبب تخفيضات الإنتاج للدفاع عن الأسعار وهو ما يرفع الخسارة الكلية في دخل النفط إلى 23.9%. وتبلغ حصة الكويت الحالية في أوبك نحو 1.861 مليون برميل يوميا ويفترض أن تكون الكويت قد حققت إيرادات نفطية عن شهر سبتمبر في حدود 369 مليون دينار وبالتالي يفترض أن تبلغ إيرادات الكويت النفطية لنصف سنة مالية نحو 2359 مليون دينار أو نحو 72.3% من جملة الإيرادات النفطية المقدرة في الموازنة الحالية والبالغة 3263 مليون دينار عند مستوى إنتاج نفطي يبلغ 2.14 مليون برميل يوميا وبسعر 15 دولارا للبرميل، ولكن حققت الكويت دخلا نفطيا افتراضيا بحدود 400 مليون دينار كويتي في شهر أغسطس الماضي وهو ما يعني أن دخلها الشهري قد انخفض في سبتمبر بحدود 7.75%، وهو الأمر الذي يؤدي إلى فقد نسبة كبيرة من دخل الكويت النفطي في نهاية السنة المالية الحالية. وفي هذا الإطار أيضا تخشى الكويت أن يؤدي خفض الإنتاج بسبب انخفاض الأسعار إلى تبديد الآمال في تحقيق فائض في ميزانية السنة المالية الحالية التي تنتهي في مارس المقبل. ثانيا: الاستثمارات الخارجية: أدى تراجع البورصات الأوروبية والأمريكية بين 14 ـ 16% خلال أسبوع واحد بعد الهجمات على الولايات المتحدة إلى تآكل الأصول المستثمرة في هذه البورصات، كما تأثرت أيضا الأصول المستثمرة في الودائع والسندات وصناديق الاستثمار بنسب مختلفة. ويقدر البعض نسبة خسائر المستثمرين الكويتيين في الخارج بما يزيد على 30% في المتوسط، وذلك لأن نسبة كبيرة من الأموال مستثمرة في شركات التكنولوجيا التي كانت الأكثر انخفاضا، وتجدر الإشارة إلى أن حجم الخسائر يعتمد على نوع القطاع المستثمر فيه الأموال، فالذين يستثمرون في الأسهم خسائرهم هي الأكبر ثم من استثمروا في بقية الأدوات المالية، وهذا الأمر أدى بالمستثمرين إلى التحول إلى مجالات أخرى مثل العقار وصناديق التحوط والصناديق المضمونة. وفيما يتعلق بالآثار على الاستثمارات في الداخل، فقد تراجعت البورصة الكويتية بنسبة 8% كما تراجعت الفائدة في البنوك إلى 3.5% تقريبا على الودائع، وهو ما يعني تراجع الأصول المالية المستثمرة في الداخل أيضا. وكان الرد العسكري الأمريكي قد أدى إلى هبوط مؤشر سوق الكويت للأوراق المالية في اليوم التالي للرد العسكري بمقدار 23.5% نقطة «1.46%» ليغلق على 1579نقطة من خلال تعاملات غلبت عليها عمليات البيع، ورغم ذلك قامت بعض المحافظ الاستثمارية بعمليات شراء على أسهم مستهدفة مستفيدة من تراجع أسعارها خصوصا تلك الأسهم التي تعتمد على الإيرادات التشغيلية في تحقيق الأرباح، وإن كان عدم وضوح الرؤية حتى الآن قد أدى إلى زيادة الخوف والقلق لدى المستثمرين المحليين. وفيما يذهب البعض للقول إن الملمح الإيجابي الوحيد فيما يتعلق بتأثيرات الأحداث الدولية الأخيرة هو احتمال عودة الاستثمارات الخارجية إلى الكويت، يرى آخرون أن هذا الأمر يتطلب بالأساس وجود مجالات استثمارية في القطاعات المختلفة قادرة على امتصاص فائض السيولة، كما يتطلب الأمر وجود مشروعات مطروحة في القطاع الخاص. ثالثا: قطاع التأمين: تكبدت صناعة التأمين العالمية خسائر ضخمة تمثل 10% من إجمالي عمليات شركات التأمين البالغة 1300 مليار دولار، ولقد أدت هذه الخسائر إلى تخفيض الشركات الكبرى لتغطيتها التأمينية الصغيرة وكذلك إلغاء بوالص التأمين لمنطقة الشرق الأوسط وزيادة مخاطر التأمين ضد مخاطر الحرب بعد بدء الرد العسكري الأمريكي في أفغانستان، كما زاد التأمين على أجسام الطائرات بنسبة 1000% في 19 منطقة في العالم، لتصبح 0.055% من قيمة الطائرة بدلا من 0.005%، وعلى الرغم من أن هذه الأسعار الجديدة اختيارية إلا أن الشركات تشترطها لكي تتمكن من دفع التعويضات ضد أخطار الحرب، وقد أدى ذلك لتوقف الشركات عن تسيير رحلاتها البحرية أو الجوية للمناطق التي زادت رسوم التأمين فيها لعدم قدرتها على سداد الزيادة في البوالص. وتجدر الإشارة إلى أن الكويت جاءت ضمن قائمة الدول التي تواجه مخاطر الحرب ومن ثم فرضت شركات التأمين زيادة في الرسوم على الناقلات الداخلة إلى المياه الإقليمية بنسبة 25%. وفيما يتعلق بشركات التأمين الكويتية فقد أعلنت هذه الشركات عن عدم وجود تأثيرات مباشرة عليها من الأحداث وذلك لأن استثماراتها تتركز في السوق المحلي، كما أن عملها يكاد ينحصر في كونه وسيطا بين الشركات العالمية للتأمين والجهات والمؤسسات المحلية وبالتالي فأي زيادة في الرسوم يتحملها العملاء بشكل مباشر، لكن هناك آثار غير مباشرة جاءت نتيجة لتراجع أعمال الشركات العالمية التي تتعامل معها الشركات المحلية حيث انخفضت احتياطياتها وضعفت ملاءتها وقامت بتخفيض التغطيات التي كانت توفرها، ولذا فقد اضطرت الشركات المحلية لتوسيع دائرة التعامل مع شركات جديدة للحفاظ على نسبة التغطية التي تتمتع بها وبالتالي زيادة الرسوم التي تسددها، وبخلاف هذا التأثير ـ على حد قول بعض الخبراء ـ فإن شركات التأمين المحلية لم تتأثر بشكل مباشر ولا حتى استثماراتها. هذا فيما يذهب البعض الآخر إلى ضرورة تدخل الدولة بسبب غياب أي دور لشركات التأمين المحلية في توفير التغطية حيث أنها مجرد وسيط يقوم بالتحصيل فقط، وبالتالي فيجب على الدولة توفير التغطية التي كان يفترض أن توفرها شركات التأمين المحلية، بل المساعدة في إعادة هيكلة قطاع التأمين بما يؤدي لقيام شركات التأمين بدورها الحقيقي في توفير الغطاء التأميني وتجاوز دور الوسيط. كما يستدعي الأمر زيادة دور شركات التأمين الوطنية والعربية وعدم الاعتماد على سوق بريطانيا والولايات المتحدة فقط، بل البحث عن أسواق أخرى بأسعار أرخص لتوفير التغطية التأمينية. رابعا: قطاع الطيران: يعتبر قطاع الطيران من أكثر القطاعات تضررا وقد زاد من الضغوط التي يتعرض لها قيام شركات التأمين التي تعرضت بدورها لخسائر ضخمة بتقليص التغطية التأمينية لشركات الطيران من 1.75 مليار دولار إلى 20 مليون دولار كحد أعلى، وهو الأمر الذي دفع بسلطات الطيران المدني في الولايات المتحدة وأوروبا إلى رفض السماح لأي شركة طيران بالهبوط في مطاراتها مالم توفر تغطية تأمينية تزيد على مليار دولار. وفي هذا الصدد، فقد بادرت الحكومة إلى توفير غطاء تأميني لمؤسسة الخطوط الجوية الكويتية بقيمة ملياري دولار وبما يمكنها من الاستمرار في تشغيل الرحلات إلى لندن وغيرها من المدن الأوروبية التي تشترط توفير غطاء تأميني لكل طائرة لا يقل عن مليار دولار. وتجدر الإشارة إلى أن مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية وغيرها من شركات الطيران الخليجية تواجه مشكلة زيادة أقساط التأمين السنوية والتي بدورها تؤدي إلى ارتفاع أسعار التذاكر، وبالتالي تراجع حركة السفر وزيادة المصاعب المالية لشركات الطيران. خامسا: قطاع الشحن البحري: تؤثر الأحداث الدولية الأخيرة في حركة النقل البحري بشكل عام وعلى دول الخليج بشكل خاص، حيث تؤدي إلى رفع قيمة الناقلات إلى المنطقة وزيادة أسعار الشحن وتقليل حركة السفن، كما ستقلل الحرب من حرية الملاحة وستجعل المنطقة غير مرغوب فيها من جانب شركات الشحن، ومن المتوقع أن يصل حجم الانخفاض المتوقع في حركة السفن إلى 3% عن الحجم في نهاية العام الماضي، هذا بالإضافة إلى تباطؤ حركة التجارة العالمية وهو الأمر الذي أدى إلى انخفاض معدل التشغيل وتوقف بعض السفن عن العمل والخروج من الخدمة. سادسا: قطاع الفنادق: لم يكن قطاع الفنادق بمنأى عن تأثير الأحداث التي يمر بها الاقتصاد العالمي بحيث انخفضت نسبة الإشغال في فنادق الكويت إلى أقل من 25%، وذلك على الرغم من أن شهري سبتمبر وأكتوبر يمثلان ذروة النشاط في الفنادق، وذلك بالمقارنة ب70% خلال هذه الفترة من العام الماضي، ويرجع ذلك إلى إلغاء حجوزات عديدة معظمها من أوروبا وأمريكا واليابان، وكذلك تأجيل عدد من الندوات والاجتماعات كانت مقررة في الفترة الحالية، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى انخفاض كبير في إيرادات الفنادق نظرا لاحتمالات استمرار الأزمة حتى نهاية العام على الأقل. سابعا: القطاع التجاري: على الرغم من تصريحات بعض التجار بأن المخزون السلعي المتوفر لديهم قد حد من رفع أسعار الكثير من المواد الغذائية والاستهلاكية في الوقت الراهن، فإن بعضهم ذهب إلى أن أسعار هذه المواد لن تبقى بمنأى عن تداعيات الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد أفغانستان وما أسفر عنها في مجال رفع أسعار التأمين وأجور الشحن عالميا بعدما أضيفت عليها أعباء مالية إضافية بدواعي أن المنطقة أصبحت من المناطق الخطرة. ويذهب آخرون إلى أن أسعار المستهلك الرئيسية المرشحة للارتفاع مستقبلا هي المرتبطة بالمواد الغذائية والأساسية والتي لا يمكن الاستغناء عنها أو تأجيل استخدامها، وذلك عكس الوضع الخاص بالسلع الكمالية أو الاستهلاكية الأخرى. في حين يذهب البعض إلى أن تراجع نسبة الواردات من شأنه إحداث توازن بين العرض والطلب وإبقاء الأسعار عند مستوياتها العادية. ثامنا: التأثير على الإنفاق والاستهلاك: نظرا لحالة القلق التي تعكسها التطورات الأمنية السلبية في أفغانستان، تأثر الاستهلاك بشكل عام سلبا لاسيما على السلع الكمالية، وهو الأمر الذي يؤثر سلبا بدوره على معدلات الإنفاق بشكل عام ومن ثم تضطر المؤسسات والشركات إلى تخفيض ميزانياتها المخصصة للخدمات في الأسواق، كما أن تخوف المستهلك من نتائج الهجمات العسكرية انعكس سلبا على توقعاته المستقبلية للإنفاق وهو ما أدى إلى انخفاض المؤشر العام للإنفاق خلال الفترة الحالية بنسبة بسيطة، وهو الأمر الذي انعكس أيضا بالسلب على أداء البورصة في الكويت. وتجدر الإشارة إلى أن مؤشر الإنفاق المحلي لدى المستهلك في الكويت قد انخفض بنسبة 1% مقارنة مع شهر أغسطس الماضي، وذلك على الرغم من أن شهر سبتمبر يعتبر بداية الموسم للكثير من الفعاليات والأنشطة التجارية التي ينتج عنها عادة نمو في معدلات الإنفاق وكذلك زيادة الطلب على الإعلان، ولذا فقد أصدرت بعض المؤسسات التجارية تعليماتها للكثير من وسائل الإعلام المحلية لوقف حملاتها الإعلانية عند بدء الهجمات العسكرية الأمريكية والبريطانية، وتعكس سياسة ترشيد الإنفاق وتقليص ميزانية الإعلانات حالة القلق والترقب التي يعيشها الأفراد. وبشكل عام فإن جزءاً كبيراً من التأثيرات السلبية التي تطال الاقتصاد الكويتي أو الخليجي أو العربي بوجه عام مردها الترقب لتطورات سلبية ينتظر أن يحملها المستقبل، وتحديدًا الخطوة التالية للولايات المتحدة بعد أفغانستان، وهي خطوة ترى الغالبية العظمى من المحللين أنها ستكون بإزاء منطقة الشرق الأوسط. الكويت ـ المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية :