السودان بعد الانقاذ اختلف وضعه وتعقدت علاقاته الاقليمية والدولية فهو مصنف امريكيا دولة راعية وداعمة للإرهاب، طبقت عليه عقوبات جماعية تم رفعها اخيراً وثنائية من قبل الولايات المتحدة مازالت سارية رغم التحسن النسبي في علاقاته مع دول الجوار والاتحاد الأوروبي، وفي هذا ما يؤكد ان الثقة بين الولايات المتحدة والنظام الحاكم في السودان مازالت مفقودة، موقف امريكا من النظام الحاكم في السودان لم يتغير وان تغيرت اساليبه وتكتيكاته. الإدارة الجديدة «إدارة بوش الابن» تسعى لايجاد معادلة متوازنة ترضي اللوبي النشط في الكونجرس والمنظمات غير الحكومية وهي القوى المتشددة والرافضة لاي حوار مع النظام السوداني، معادلة يتم بموجبها فتح فرص جديدة لمعالجة الأزمة السودانية سلميا، مع التركيز على احلال السلام في جنوب السودان بدوافع انسانية ـ التباين داخل الإدارة الامريكية والكونجرس اعطى اشارات متناقضة عمقت الفجوة الكبيرة اصلا بين النظام في السودان وامريكا. الاستاذ علي عثمان محمد طه النائب الاول لرئيس الجمهورية وصف الحوارات التي تقوم بها الإدارة بشأن السلام في السودان عن طريق المبعوث الامريكي بأنها تعبر عن تيارين مختلفين الأول يمر بالحوار والتفاوض والمنطق والثاني تستخدمه امريكا كورقة ضغط على الحكومة السودانية مشيراً إلى انه يتطور مع تطور الاحداث. والحكومة تضع لكل حوار مع أمريكا حسابات وذلك من منطق انهم لا يقدمون على شيء دون وضع ترتيبات منوهاً ان لامريكا مصالح ومخاوف وكذلك للسودان مصالح واشار النائب الاول لرئيس الجمهورية ان الحكومة تعد نفسها لأسوأ الافتراضات اذا املت عليهم عن طريق الضغط. تناقض التصريحات وكثرة ما ينشر في الوسائل الاعلامية من تهديدات مغلفة زاد من غموض الموقف الامريكي قبل وبعد احداث «سبتمبر الدامية» ففي الوقت الذي تحدثت فيه الفاينانشيال بوست عن اجازة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ لتشريع جديد لا يحظر الشركات النفطية العاملة في السودان من اسواق رأس المال الأمريكية، قبله بشهور اجاز مجلس النواب بأغلبية 422 صوتاً مقابل صوتين فقط «قانون سلام السودان» والقانون يقضي بحظر الشركات الاجنبية العاملة في مجال النفط في السودان مثل شركة تالسمان الكندية من استقطاب المال ومن ادراج اوراقها المالية في اسواق رأس المال بالولايات المتحدة. من اخطر ما صرح به ما جاء على لسان ثيموني كارفي وكارفي سفير سابق للولايات المتحدة في السودان عاش فيه وتعرف عن قرب على رموزه وقضاياها صرح ثيموني كارفي لمجلة فانيتي فير. بين الإدارة الامريكية في عهد الرئيس بوش الاب اضاعت منجماً من المعلومات برفضها قبول عرض سوداني كان من الممكن ان يجنب الولايات المتحدة خسائر كبيرة جراء الاعتداءات التي تعرضت لها لاحقاً بالرغم من نفي سوزان رايس لهذه المعلومة الا ان وسائل الاعلام في الولايات المتحدة قد اوردت في تقاريرها ان المرحلة المقبلة في الحملة العسكرية بعد افغانستان ستشمل دولاً اخرى لها علاقة باسامة بن لادن من بينها السودان واليمن والصومال واندونيسيا والفلبين وقبل ذلك العراق لاتهامه بتصنيع اسلحة كيمائية. فليب ريكر المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الامريكية نفي في تصريح له لجريدة «الايام» السودانية ما تردده وسائل الإعلام الامريكية عن قرب اتخاذ اجراءات عسكرية ضد السودان اذ قال: ان السودان تعاون معنا في حملتنا ضد الإرهاب وقام بتطبيق اجراءات القانون لمكافحة الإرهاب عبر تقاسم المعلومات الامنية وابداء الرغبة في التغيير ونحن نقيم كل ذلك في الوقت الراهن وهناك حوار ايجابي مشترك بيننا واضاف ان الولايات المتحدة كما اوضح الرئيس بوش ووزير الخارجية كولن باول تركز على انجاز المهمة التي بدأتها في افغانستان وهي مهمة لم تكتمل بعد. مسئول اخر هو اندرو ناتسيوس المبعوث الامريكي الخاص للشئون الانسانية في السودان ومدير المعونة الأمريكية حمل على حكومة السودان في مؤتمر صحفي اتهمها فيه بارتكاب المذابح وحرمان مواطنيها من الاغاثة. وجاء في المؤتمر مايلي: الحكومة السودانية تنتهك حقوق الانسان على نطاق واسع والمجاعة التي حلت بالسودان عام 1988 تماثل المجاعة التي حلت بروسيا وأوكرانيا في الثلاثينيات وبالصين في الخمسينيات وبكمبوديا في الستينيات خلال حكم الخمير الحمر وبكوريا الشمالية حديثاً وركز في حديثه على ان المجاعات التي حدثت في السودان كانت مفروضة فرضاً من جانب حكومة الخرطوم واشار ناتسيوس إلى حرمان الحكومة في السودان لمواطنيها من الاغاثة وبأنها لم تعمل على إزالة اثار الجفاف الخطيرة التي ضربت كردفان ودارفور وتلال البحر الاحمر بسبب معارضة هذه المناطق للحكومة وتعرض ناتسيوس في مؤتمره الى اتهام الحكومة بالضلوع في احداث المعاناة التي يرزح اقليم جبال النوبة تحت وطأتها والى علاقتها بالإرهاب وقصف المدنيين بالطائرات وختم حديثه بأن امريكا تحاول منع أي انتهاكات لحقوق الإنسان وانها تعرف جيداً المنافع التي تتمخض عن السلام وان من واجبهم ان يحثوا الاخرين على تحقيقه. امريكا وتعاظم دورها بعد الحرب الباردة في كتاب «الأنظمة الاقليمية بناء الأمن في عالم جديد» وهو الكتاب الذي اشرف على تحريره ديفيد ليك وباترك مورجان حديث عن الحرب الباردة واثرها المزدوج على الصراعات الاقليمية فهي من ناحية دولت النزاعات المحلية ومن ناحية ثانية فان النزاعات المحلية استوعبت في منافسات القوى العظمى فالدول الاقليمية المتنازعة طلبت المساعدة من القوى الخارجية، كل قوة عظمى اتجهت لمساعدة طرف من اطراف النزاع خوفاً من ان تحقق القوة العظمى المنافسة لها مكسباً سياسياً على حسابها عن طريق دعمها للطرف الاخر، هكذا اتسعت النزاعات من ناحية ومن ناحية ثانية فإن القوى العظمى لجمت النزاعات المحلية خوفاً من تفاقمها، كل قوة عظمى حاولت في مناطق نفوذها القيام بهذا الدور خوفاً من ان يؤدي النزاع المفتوح إلى فتح المجال لقوة عظمى اخرى منافسة للتدخل في مناطق نفوذها. بنهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية حدثت تحولات كبرى أبرزها على المستوى الدولي هيمنة قطب واحد هو الولايات المتحدة على العالم وتحركها دون عوائق تذكر على طول وعرض مسرح السياسة الدولي اضافة إلى تراجع دور الدولة القومية وتآكل سيادتها مع بروز تكتلات اقليمية ودول اقليمية كبرى لها دور اقليمي ومساهمة ما في معالجة الصراعات في محيطها الحيوي ـ دولة جنوب افريقيا في جنوب القارة نيجيريا في غرب افريقيا ـ سوريا في لبنان.. لذلك لم يكن غريباً ان تسعى دول جارة للسودان للتدخل فيه عبر مبادرة الايجاد «كينيا واريتريا ـ اثيوبيا ـ يوغندا» وهي مبادرة اقليمية مسنودة بدول شركاء الايجاد الاتحاد الأوروبي ـ امريكا ـ اليابان ـ كندا. والمبادرة المشتركة «مصر ـ ليبيا» والمشروع النيجيري للمساهمة في ايجاد حلول سلمية للمشكل السوداني، كل الدول التي شاركت لها حدود مشتركة ومصالح مشتركة وتتأثر سلباً وايجاباً بكل ما يحدث في السودان. في ظل النظام العالمي احادي القطبية للدولة الأولى مكانة ما في أي تحرك يحدث في أي بقعة في الدنيا الأمر الذي قاد بأن يتوقع بعض المحللين ان تتخذ السياسة الخارجية الأمريكية في العقد المقبل مساراً جديداً يقوم على تشجيع الانقسامات القومية لدى بعض الدول والتي ستسفر في النهاية عن تذويب حدود الدولة وتشكيل حدود اقليمية ودولية جديدة. دانفورث والأزمة السودانية السودان اليوم في حاجة إلى وقفة مع النفس ومراجعتها بعد ان تأكد للسلطة ومعارضيها ان العنف والمواجهات لم تحل الأزمة ولن تقود البلاد إلى الاستقرار السياسي والمجتمعي وان الأسلوب الامثل لمعالجة قضاياها ومشاكلها المستعصية هو الحوار الجاد والاحتكام الى العقل بدلاً من البندقية فالاخيرة مع فشلها في حسم القضية مدخل لفرض وصاية خارجية على السودان. رسالة دانفورث الأخيرة خطوة متقدمة لدور أمريكي ظاهره الحوار الهاديء مع الاطراف ومحاولة لجرها تدريجياً كي تكون طرفاً فيما هو قادم اما باطنه فالمشروع الامريكي اوامر مبطنة ومغلفة بأسئلة بسيطة تحمل بين طياتها استراتيجية خفية لاعادة صياغة السودان وتعديل حدوده الاقليمية بالصورة التي تتماشى مع النهج الامريكي وسياساته في القرن الافريقي وقلب القارة، امريكا بعد احداث 11 سبتمبر لها رؤية واضحة تجاه ما اسمته الدول الراعية والداعمة للإرهاب، حسب تعريف امريكا وتصنيفها أي دولة ذات مسحة اسلامية وان تدثرت بالاسلام كواجهة تخفي تحته كل ما هو مناقض له فهي في عرف الولايات المتحدة وسياساتها المعلنة معرفة ومثبتة في قائمة الاعداء. لأمريكا مصالح على امتداد الكرة الارضية خدمة لهذه المصالح الكثيرة والمتنوعة لهذه الدولة الاخطبوط اساليب مختلفة ومتجددة للتعامل مع الدول التي تسعى لعزلها او احتوائها وترويضها. البعض الآن يتحدث عن التدخل العسكري كما حدث في العراق ـ كوسوفو ـ يوغسلافيا ـ افغانستان التدخل العسكري اقرب للمعالجة الجراحية وهو الكرت الأخير هناك وسائل اخرى اعلامية ودبلوماسية واستخباراتية لها دورها في الحروب النفسية والحقيقية ـ الاعلام كمثال يستخدم اليوم بصورة مكثفة لاحداث هزة عنيفة في الدولة المستهدفة دون تحريك اي آلة عسكرية ـ ففي الاسابيع الاخيرة تطايرت في الفضاء تصريحات وتلميحات عن مشروع لضرب العراق والسودان والصومال واليمن دون ان تنسب لشخص بعينه في الإدارة الامريكية. مثل هذه التصريحات الهدف منها اثارة البلبلة واحداث انقسامات في الانظمة الحاكمة لاضعافها واحداث تيارات لها اراء متعارضة داخل هذه الأنظمة كي يتم ضربها في النهاية بأقل خسائر ممكنة، ما يحدث الآن في السودان فيه ما يؤكد هذه النظرية ـ الإعلام وهو سلاح ومجرب في معارك امريكا الباردة والساخنة بدأ يتحدث عن النظام في السودان بلغة فيها ما يفيد بأن شيئاً ما في طريقه الينا في السودان. تركيز دانفورث على جبال النوبة «الملاذات الامنة ـ الوقف لاطلاق النار في مناطق بعينها» مع استمرار المعارك في مناطق اخرى اضافة للحديث عن إدارة محايدة ووقف عمليات قصف المدنيين فيه الكثير من علامات الاستفهام. اسئلة دانفورث لها ما يبررها امريكيا فالإدارة عليها ضغوط مكثفة من الكونجرس واللوبي المكون من المنظمات الدينية والطوعية كي تمارس ضغطها على اطراف النزاع في السودان ودفعهم بكل الوسائل للعمل على ايقاف الحرب الاهلية، الحرب الاهلية توسعت جغرافيا بتمددها إلى مناطق اخرى في الشمال، فهي قد بدأت في الجنوب نعم والجنوب ساحتها الأولى اما الآن فقد تعددت الساحات وتنوعت بمعنى ان الحرب لن تتوقف بمجرد الحوار بين طرفين الحركة الشعبية والحكومة، فالحركة الشعبية لها رؤية مختلفة عما كان يتحدث عنه بعض ابناء الجنوب في الماضي فهي أي الحركة الشعبية تدعو في ادبياتها لسودان جديد يتساوى فيه الجميع دون تميز وهي أيضاً وان تشكلت اساساً من ابناء الجنوب خاصة قبيلة الدينكا لها روافد من الشمال «من منطقة جبال النوبة التي شكل ابناؤها القوة الضاربة الاساسية للجيش الشعبي». تركيز دانفورث المبعوث الامريكي على جبال النوبة له علاقة وثيقة بأطروحات السودان الجديد والمناطق المهمشة والدعوة للكونفدرالية، دولتان تتمدد احداهما دولة الجنوب شمالا إلى خط عرض 13 شمالا لتشمل المناطق المتحالفة مع الحركة الشعبية. لهذا المشروع فوائد لبعض الاطراف دون أي اعتبار لبقية الشعب السوداني الجالس على الرصيف متابعاً المسلسل الطويل والممل وهو في انتظار ان يحل له الغريب العقدة بأي وسيلة بحلها أو بقطعها بالسيف. كيف يستقيم الأمر ونحن كشعب نقف في انتظار ما تفعله امريكا، وامريكا في كل تاريخها لم تهتم الا بمصالحها وان تعارضت مع تطبيق الديمقراطية في البلد المعني، للمصالح الاولوية اما وسيلة امريكا للحفاظ على مصالحها هي التعامل مع الحكومات واهمال الشعوب والدليل على ذلك ان لها حلفاء واصدقاء لا علاقة لهم بهذا المصطلح ـ برويز مشرف قاد انقلابا عسكريا في باكستان ضد حكومة منتخبة وهو الان في مقدمة حلفاء الولايات المتحدة في آسيا والسبب معروف وهو تعقيدات الاوضاع في هذه المنطقة بعد احداث «سبتمبر التدخل العسكري في افغانستان». لهذا السبب لا يستبعد ان تتجه الولايات المتحدة إلى الحوار مع النظام الحاكم في السودان والوصول معه لمعادلة يتم بموجبها انهاء الحرب في الجنوب وادخال قدر ما من الاصلاحات التي تحسن وجه النظام شكلا مع تجريده تدريجياً من المسحة الإسلامية التي تحدثت عنها ادبياته ومؤسساته الإعلامية. ربما كان الهدف هو ترويض النظام وربط وجوده في السلطة ان اراد ان يستمر فيها بتخليه عن ثوابته ومشروعه الحضاري والاستعداد لمرحلة جديدة ومختلفة مرحلة لها نكهة جديدة وربما ثوابت جديدة لا علاقة لها بثوابت الماضي. الطرف الثاني المتأثر بالمشروع الجديد هو الحركة الشعبية وهي عضو مميز في التجمع الوطني الديمقراطي وحليف للمعارضة الشمالية التي اتفقت معها على أسس جديدة واضحة لحل الأزمة السودانية استناداً على مرجعية ملزمة لكل اطراف المعارضة بما فيها حزب الأمة، المرجعية هي قرارات مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية. الحركة الشعبية وهي التي طرحت شعار السودان الجديد. دخولها في الصفقة منفردة دون ان تشارك فيها فصائل التجمع الوطني يطعن في مصداقيتها ويؤكد اتهام البعض لها بأنها حركة جنوبية تسعى لتوسيع مصالح الجنوب على حساب الشمال، الكونفدرالية وادخال مناطق جبال النوبة والمناطق المهمشة الأخرى في المعادلة الجديدة حل جزئي للأزمة ولكنه على المدى البعيد تعقيد لها ودعوة مفتوحة لاستمرار الصراعات العنيفة بكل أشكالها وألوانها. بقلم: د. إبراهيم الأمين