قبل ان تهوي سفينة اليمين الديني الأمريكي في عمق اللجة، قفز منها ربانها الأخرق، بات روبرتسون، زاعماً ان الرب قد أوحى إليه أمره بأن يقضي السنوات القليلة الباقية من عمره في اطار العمل الروحي بعيداً عن جدليات السياسة. وقال انه يكتفي قبل استقالته بما حققه من نجاح في مجال العمل السياسي، حيث تمكن من توصيل الجمهوريين إلى البيت الأبيض في أعقاب ثماني سنوات عجاف من حكم الديمقراطيين. توالي الاخفاقات لم يكن روبرتسون صادقاً في دعواه لأنه تخلى عن تنظيمه المتطرف المسمى بالتحالف النصراني بعد ان تتابعت اخفاقاته وانكمشت ميزانياته، وبعد ان طوق روبرتسون بعقد من الفضائح، كان آخرها انكشاف علاقته الاقتصادية المريبة بزعيم الارهابيين في ليبيريا تشارلز تايلور الذي قاد وما زال يقود المذابح التي أدت بنصف تعداد سكان ليبيريا لأن يكونوا إما في عداد القتلى أو المشردين. أبرم بات روبرتسون مع تشارلز تايلور عقداً يخول شركة «ذهب الحرية» التي يمتلكها روبرتسون حق التنقيب عن الذهب والمعادن النفيسة الأخرى في مساحة شاسعة في مجاهل ليبيريا، وبموجب شروط العقد نال تشارلز تايلور 10% من حق ملكية المشروع بالاضافة إلى امتيازات اخرى تتوالى بمجرد ان يبدأ المشروع في تحقيق الأرباح. وقد أثار انكشاف تلك الصفقة عاصفة نقد عنيفة وجهت ضد القس البروتستانتي الذي ما فتئ منذ 1977 يصب لعناته على المسيح الدجال، وينذر الناس بقرب ظهوره، وقد سأله البعض ان كان ثمة شبيه أقرب إلى ذلك الدجال من تشارلز تايلور الذي عقد معه تلك الصفقة وقد كان من سوء حظ روبرتسون انه أطلق عقب احداث 11 سبتمبر تصريحاً ملؤه الشماتة قال فيه ان تلك الأحداث كانت عقاباً إلهياً للمجتمع الامريكي بسبب تفشي الفاحشة فيه، وهنا اتسع المجال لمساءلة روبرتسون شعبياً ان كان يرى ثمة فرقاً بين أعمال الارهاب التي يدعمها في افريقياً وتلك التي أصابت أخيراً قلب المجتمع الأمريكي!! وفي الحقيقة فإن أعمال الارهاب التي يدعمها روبرتسون لا تقتصر على ميليشيات تشارلز تايلور المكونة من جنوده القُصّر الذين تتراوح أعمارهم ما بين الثامنة والثامنة عشرة والذين احترفوا القتل وبتر الأعضاء، ولعب الكرة برؤوس ضحاياهم، لا سيما إذا كانوا من المسلمين، وإنما تمتد مساندات روبرتسون لأكثر سفاحي منطقة البحيرات حيث امتيازاته التجارية الكثيرة، لا سيما في مجال تجارة الماس الكنغولي، وروبرتسون مسئول إلى حد كبير عن تسعير حرب منطقة البحيرات، وذلك ان أفضل وسيلة لنيل امتيازات استخراج الماس والتمكن من تهريبه هي اشعال حرب في المناطق المأهولة به ومساندة أقوى الميليشيات وعقد الصفقات معها، وهكذا كان يفعل. بدأ مشوار روبرتسون مع تجارة الماس منذ أيام الديكتاتور موبوتو سيسي سيكو وحينها أسس روبرتسون شركته المساماة بالشركة الأفريقية للتنمية، اتفاقاً مع موبوتو، وقام روبرتسون بالتوسط لموبوتو عند وزارة الخارجية الأمريكية حتى تمنحه «فيزا» لدخول الولايات المتحدة، إذ كانت وزارة الخارجية الأمريكية قد رفضت طلباً سابقاً لموبوتو لزيارة واشنطن، وتعمقت صداقة خاصة بين باترسون وموبوتو إلى الحد الذي مكن باترسون من استخدام الطائرة الرئاسية الزائيرية في سفرياته واستخدام يخت موبوتو في نزهاته وتناول الطعام معه في قصره الرئاسي، هذا بينما كانت وزارة الخارجية الأمريكية تشهر بموبوتو وتصفه بأنه أحد أسوأ منتهكي حقوق الانسان في ذلك الأوان! ومع ان روبرتسون رفض نصائح الكثيرين بتقليص أو اخفاء علاقاته بموبوتو إلا انه ما ان تدهورت صحة موبوتو وتدهورت أحوال دولته حتى سارع وساند عبر برنامجه التلفزيوني الشهير 700 قٌ قائد الثوار كابيلا، الماركسي الذي لا يخفي ماركسيته، قائلاً عنه انه عرف انه شخص يحب المسيح!! وما ان اختلف كابيلا مع حكام أوغندا وبورندي ورواندا حتى سارع روبرتسون بالتخلي عنه، ذلك ان كابيلا حاول في اخريات أيامه ان يوقف عمليات نهب ثروات بلاده بواسطة الشركات والجيوش الأجنبية التي تحتل الكونغو. امتزاج الزمني بالديني لا تعتري الشبهة أعمال روبرتسون التجارية من هذا الوجه فقط، وإنما أيضاً من خلال امتزاجها أحياناً بأعماله الدينية التي يعفيها القانون الأمريكي من الضرائب باعتبارها اعمالاً خيرية، لا تستهدف الربح المادي، ولكن ثبت بشكل قاطع ان معدات شبكته التلفازية التبشيرية استخدمت في سياق استخراج وترويج الماس الزائيري وتسويغ دفع أجور منخفضة للغاية للعمال الافارقة بمناجم الماس، وهو الأمر الذي دعا بعض منظمات المجتمع المدني الأمريكي لتحذير المواطنين الذين يتبرعون للحركة التبشيرية التي يقودها روبرتسون لأن يلاحقوا أموالهم حتى يتأكدوا انها لا تذهب في مساقات اعمال روبرتسون التجارية وثيقة الصلة بأعماله التبشيرية والسياسية. هذا وتقدر ثروة روبرتسون بنحو 140 مليون دولار، وهو يعيش بها عيشة بذخ مترف في فرجينيا على قمة تل ملحوظ ويستخدم طائرة خاصة، ويمتلك في أمريكا شركات شتى منها شركات فندقية واعلامية على رأسها قناة الأسرة وهي التي كانت مبدأ تضخم ثروته. لقد أنشأ تلك القناة في 1977 لاعادة بث روح الدين في الأسرة الأمريكية ـ كما قال ـ ولكنه ما ان أحس بأن تلك القناة بدأت تدر عائداً مادياً ضخماً حتى حول ملكيتها من المنظمة الدينية التي يرأسها إلى نفسه، بالاشتراك مع ابنه «تيم» ثم باعها حسب مؤشرات سوق الأسهم إلى شخص لا يؤمن بقيم الأسرة النصرانية من الأساس، وهو الملياردير اليهودي روبرت ميردوخ! هكذا تتسق تصرفات روبرتسون مع كل ما تحتمه مصالحه التجارية من اعتبارات ولا يبالي بأي اعتبارات أخرى مثالية أو أخلاقية تعترضه، وذلك مع انه ينصب من نفسه داعية المثل والأخلاق الأول في أمريكا، والداعية الأول لجلب الدين إلى مجال السياسة ليطهرها ويقودها، بل والداعية الأول إلى تغيير العالم كله، وحكمه مسيحياً ولو بالحديد والنار، وقد سبق لروبرتسون ان بشر في بداية الثمانينيات بأنه قد أوحى إليه بأن 1982 سيكون عام الحسم بالنسبة للعالم، اما ان يهتدي أو ينقرض وانه هو شخصياً صاحب تلك الرسالة السياسية المقدسة، ولما خابت نبوءته قام بترشيح نفسه لمنصب الرئيس الأمريكي عن الحزب الجمهوري، رافعاً نفس الشعارات عن الدمار أو الخلاص، وألف كتاباً قبل سنوات قلائل بعنوان «النظام العالمي الجديد» ذكر فيه ان نهاية العالم ستحل بمقدم 2007 وهو العام الموافق للذكرى الأربعين لاحتلال القدس والاربعمئة لتشييد مستعمرة جيمس تاون الأمريكية والذكرى السبعين لميلاده الشخصي السعيد. ثم ألف أخيراً رواية قال انه استلهم أحداثها من الانجيل وهي بعنوان «نهاية الزمن» تتحدث عن قيام البراكين والزلازل بتدمير كاليفورنيا، حتى تكون عبرة وتذكرة لبقية الولايات الأمريكية حتى تتوب وترجع إلى الهدى، ولكن الرئيس الأمريكي لا يقدم مع ذلك على فعل شيء ايجابي لهداية قومه ولا لحمايتهم من الكارثة، وإنما يستولي عليه اليأس ويحمل مسدسه في مشهد تلفزيوني صاخب ويوجهه إلى رأسه ويطلق رصاصة منه ينتحر بها، وعندما يخلو المجال للمسيح الدجال ليتآمر مع شخص من الشرق الأوسط ليمكنه من الوصول إلى منصب الرئيس الأمريكي ومن ثم إلى منصب المتحكم في مصائر العالم أجمع وينقل عاصمته من واشنطن إلى بغداد ولينشر الرعب على محيط كوني، إلى ان يرسل الرب طاعوناً يقضي على جميع من آمنوا به، ثم يبعث بجنرال أمريكي ليقوم بانقلاب عسكري يعيد به عهد السيد المسيح! هذه الأفكار القصصية لا تروى من قبيل الخرافات والأساطير ولا حكايات الانجيل وبشاراته وإنما هي جوهر الرسالة السياسية والدينية لبات روبرتسون واليمين الرئيسي الأمريكي، ولها مصدقون واتباع يعدون بعشرات الملايين في الولايات المتحدة الأمريكية، يعيشون في الهزيع الأول من القرن الحادي والعشرين، وقد ثابروا على دعم تلك الرسالة بمدخراتهم المالية التي أصبحت مصادر صرفها واستغلالها موضع شك كبير حتى هبطت ميزانية التحالف النصراني من 25 مليون دولار سنوياً إلى 3 ملايين دولار فقط لهذا العام. وربما كان ذلك هو العامل الذي عجل باستقالة روبرتسون من قيادة التحالف النصراني ذلك ان الرجل بعقليته الحسابية الباردة لم يكن يبالي بسجل الفضائح العاصف في مسيرته السياسية والدينية، لكن لما جاء العامل الضاغط متمثلاً في انخفاض حسابات التبرعات وجاءته الاستقالات تترى من القيادات الكبرى للتحالف بسبب اضطراره لتخفيض مرتباتهم الخرافية، أدرك ان منظمته ستتلاشى لا محالة ولكنه قرر مغادرتها قبل حدوث العطب النهائي. ان فيما جرى من تقويض لمسيرة بات روبرتسون وانطواء لاعلام حملته السياسية الصاخبة، الخير كل الخير للمجتمع الأمريكي، وللمجتمع الانساني قاطبة، فالرجل لم يكن يحمل وداً في قلبه للأمريكان ولا لغيرهم من البشر، وإنما كان يحلم بتدمير البشرية كلها بمعركة «أرمجدون» حتى ينصب نفسه حاكماً على النظام العالمي الديني الجديد الذي يتأسس على الانقاض، وفي ذلك السبيل لم يكن يبالي بأي اعتبارات «انسانية» تكبح مسعاه في جمع المال وتكديس الثروة، حتى ولو اقتضى ذلك ان يؤسس شراكاته مع الطغاة. بقلم: د. محمد وقيع الله