اجهاض الانتفاضة.. دفن أوسلو.. تدمير جهود التسوية.. تثبيت الاحتلال والاستيطان.. تقويض سلطة عرفات.. كل هذه الأهداف، وغيرها، تمثل - دون أي شك - بنوداً اساسية على اجندة شارون، لكن الأخطر من كل ذلك سعيه الدؤوب للدفع باتجاه اشعال نار حرب أهلية فلسطينية، تقود القضية الى منزلق خطير، يشدها الى الوراء عقودا تتجاوز أي حديث عن العودة الى المربع رقم واحد، لأن نجاح شارون في تحقيق هدفه يعني أن المؤشر سوف يبدأ عدا عكسيا دون الصفر! التصعيد المكثف للعدوان الصهيوني، واستهداف تجويع وتركيع وحصار الشعب الفلسطيني، ثم ضرب رموز السلطة الوطنية، ودفعها باتجاه الصدام مع فصائل المقاومة، وصولا الى حافة المواجهة، لا يحمل سوى معنى واحد: ان الهدف الحقيقي للتصعيد يصب - بالاساس - في خانة تجهيز المسرح لحرب أهلية فلسطينية! مثل هذا التوقع لا ينبع من رؤية متشائمة للواقع الفلسطيني، الذي تفتح التداعيات المتوالية الباب واسعا امام كل الاحتمالات، بما فيها سيناريو الحرب الاهلية بعد تصاعد الاحتكاكات بين السلطة وفصائل المقاومة، خاصة وان مصادر قريبة من الفريقين، أكدت ان تعدادا دقيقا للانصار والمحسوبين على كل فريق يجري حصره خلال الفترة الاخيرة، وفي ظل المستجدات السلبية التي تحكم العلاقات الفلسطينية/الفلسطينية، في ظل قبول السلطة الوطنية للمطالب الاسرائيلية/الأمريكية تحت ضغوط شديدة تتم ممارستها بدرجة عالية من التنسيق - الى حد التطابق - بين شارون وادارة بوش! فتيل الفتنة لعل هذه الضغوط تهدف - في مجملها - الى اشعال فتيل الفتنة في الصف الفلسطيني، من ناحية عبر الضغط المستمر على عرفات لقمع فصائل المقاومة الاسلامية - بل وعناصر فتح الراديكالية - واعتقال كوادرها من ناحية، وحرق عرفات جماهيريا وسياسيا من ناحية أخرى، لرفع الطرفين - اذا ما تم شق الصف بالفعل - الى الصدام أو الاحتكام للسلاح لحسم الخلاف حول أسلوب التحرك في ظل الواقع المأزوم، والعلاقات التي تعاني من الاحتقان الشديد ويأتي رفض اسرائيل لمبادرة أربع جماعات عسكرية فلسطينية بتعليق عملياتها داخل الأرض المحتلة منذ عام 48 - لمدة أسبوع - اذا وقفت آلة الحرب الصهيونية اعتداءاتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، ليؤكد تصميم الكيان الصهيوني ونيته المبيتة للدفع بالأمور الى أكثر الزوايا حدة، فتواصل تصعيد العدوان ليستمر الرد بالعمليات الاستشهادية من الجانب الفلسطيني، وتطالب ادارة بوش وشارون الضغوط على عرفات، لاعتقال قيادات الفصائل الفلسطينية التي ترد بالعدوان بالسلاح الى الحد الذي يعتبره تلك الفصائل تجاوزا للخطوط الحمراء من جانب عرفات، فلا يبقى الا المواجهة مع قوات أمن السلطة، وينقسم الشارع بين التأييد للفصائل، ومعارضة السلطة بقيادة عرفات، أو العكس بتأييد الاخيرة ومعارضة الفصائل، وفي الحالتين فإن النتيجة واحدة: نجاح مناورات شارون للدفع بالفلسطينيين الى مستنقع حرب أهلية! الرهان المزدوج ان شارون يراهن رهانا مزدوجا: من جانب يدفع عرفات - عبر دعم وضغط أمريكي متواصل ومتصاعد - إلى أن تدخل عمليات اعتقال الكوادر الفلسطينية - ومايصاحبها من اجراءات واحتكاكات - مرحلة نوعية جديدة تثمنها الفصائل - والمتعاطفين معها في الشارع، على انها محاولة تفكيك أو تدمير لهياكلها القيادية، وبنيتها النضالية، وعلى الجانب الآخر تكبيل يد عرفات وقدرته على التحرك للاستجابة للضغوط الصهيونية - الأمريكية عبر تدمير ذراعه الأمني من خلال استهداف مقارات وقوات الأمن والاستخبارات والقوة 17 وكوادر فتح ذاتها، وصولا الى التلويح بتهديد حياة عرفات، والحلقة الضيقة من القيادات اللصيقة به. هكذا تكون النتيجة العملية لهذا الرهان شل السلطة الوطنية، وضرب فاعلية الفصائل بيد فلسطينية لخلخلة الوضع الفلسطيني برمته، فيكون ذلك خميرة صراع هدفه ملء الفراغ الناشئ في حال نجاح رهان شارون، ويكون هذا الصراع على ثلاثة مستويات: الأول بين أجنحة السلطة وفصائل المقاومة الثاني بين أجنحة السلطة ذاتها، خاصة قياداتها الأمنية. الثالث بين فصائل المقاومة وفي كل الأحوال - طبقا للرهان الشاروني - فان الجماهير الفلسطينية في الشارع لن تقف موقف المتفرج مكتوف اليدين، لكنها سوف تكون جزءاً من وقود الصراع المحتمل عبر الانحياز لهذا الفريق أو ذاك! ومما يزيد من خطورة الموقف ان اعدادا من قوات الامن التابعة للسلطة الفلسطينية تدين بالولاء - في ذات الوقت - لفصائل المقاومة، ويدعم هذا الولاء المشوب بالحيرة والتذبذب تلك المشاعر الجارفة التي تجتاح الشارع الفلسطيني الى الحد الذي يهدد ماكانت تحظى به السلطة الوطنية بقيادة عرفات من درجة معقولة من التأييد الجماهيري. تشقق أم انشقاق؟ حتى الآن - على الأقل - فإن الوعي بابعاد مخطط شارون، والدور الأمريكي الداعم لهذا المخطط، يحمي - الى حد ما - الصف الفلسطيني من الانشقاق تماما، وان وقعت بعض التشققات بالفعل، لكن مع اصرار شارون على تصعيد عدوانه، بينما السلطة الفلسطينية، تحاول تنفيذ اجراءاتها الموجهة ضد النشطاء، وكوادر المقاومة، يحد من ثورة عرفات على تنفيذ هذه الاجراءات قصف شارون للمواقع الأمنية الفلسطينية واستهداف قوات عرفات! في الوقت الذي تنطلق فيه أصوات من واشنطن ترى ان رئيس السلطة فقد سلطاته على شعبه، ويكون رد عرفات طلب مزيد من الوقت وحرية الحركة! لاكمال تنفيذ قوائم الاعتقالات، ليتصاعد سيل الاتهامات الموجهة اليه من جانب فصائل المقاومة بأنه يقوم بدور الشرطي المنفذ للقرار الصهيوني الأمريكي الذي يستهدف وأد قوة شعبه على رد العدوان! وفي المحصلة الاخيرة، فإنه اذا كانت الفرصة متاحة امام اسرائيل للتخلص من عرفات والقضاء على السلطة الفلسطينية، فإن ذلك لن يكون بالضرورة في صورة تصفية جسدية، ولكن على حد قول رئيس الموساد السابق يكون بجعل عرفات يتبخر، بكل مايترتب على ذلك من تداعيات ربما كانت أخطر من اثار التصفية الجسدية. ومن الآن، وحتى يقرر شارون وادارة بوش الخطوة التالية بشأن عرفات، فإنه مستمر في كبح فصائل المقاومة لاظهار نتائج ملموسة - كما تطلب واشنطن وليس تل أبيب - وفي سبيل ذلك فإنه يواصل حملات الاعتقال الواسعة - وغير المسبوقة منذ العام 1996 - لكوادر حركية وعسكرية بارزة، وصولا الى حد وضع الشيخ أحمد ياسين تحت الاقامة الجبرية، وفرض حالة الطوارئ، ونشر قوات الأمن لتنفيذ اجراءات الطوارئ من حظر حيازة الاسلحة، ومنع التظاهر، واستخدام المساجد كمنتديات للدعاية السياسية.. الخ. واجراءات من هذا النوع قد تطلق شرارة الحرب الاهلية في موقع ما لتمتد كالنار في الهشيم، لقد خرج المئات من عناصر حماس الى الشوارع في مظاهرات غاضبة احتجاجا على قرار فرض الاقامة الجبرية على الشيخ أحمد ياسين، واطلاق بعض نشطاء حماس النار باتجاه عناصر الشرطة الفلسطينية، ألم تكن مثل هذه الواقعة مرشحة لتكون بداية منطقية لشق الصف الفلسطيني، وضرب الوحدة الوطنية اذا لم تتم السيطرة على الموقف في الوقت المناسب؟! بالطبع لا يمكن الرهان على تكرار السيطرة على موقف كهذا، دون أن تندلع شرارة تأتي على الأخضر واليابس، فدائما ماتندلع أخطر الحرائق من مستصغر الشرر! لمصلحة من؟ أن العديد من المراقبين يرى ان عرفات يعي تماما من واقع خبرته ان أي حرب أهلية فلسطينية سوف تصب في خانة المصلحة الاسرائيلية، وليس في مصلحة السلطة أو الشعب الفلسطيني، أو حتى أحد فصائله، لكن يد عرفات لم تعد ممسكة بالخيوط كما كان الأمر في السابق بالدرجة التي لا تجعل الأمور تنزلق وتخرج عن السيطرة، وهو بالضبط مايسعى شارون بكل قوة لأن تصل الأحداث المتصاعدة الى تلك النقطة الفاصلة، وخلق شرخ لا يلتئم بين السلطة الفلسطينية والفصائل التي تعتقل كوادرها، بل والجماهير التي اصبحت محاصرة بين العدوان الصهيوني الوحشي، وحالة الطوارئ المفروضة من جانب السلطة الوطنية! مماقد يؤدي الى انفجار غير محسوب، ومواجهة فلسطينية - فلسطينية يصعب بعدها ترميم الوحدة الوطنية، واذا كان عرفات وفصائل المقاومة قد حاولوا تفادي مثل هذا الخيار - حتى الآن على الأقل - فإن تصاعد الأحداث وانفلاتها قد يفتح الباب واسعا امام دفع الفلسطينيين الى مستنقع حرب أهلية لن يستفيد منها الا الكيان الصهيوني.. فهل تعي كل الأطراف على الساحة الفلسطينية خطورة الموقف؟ مطلوب فقط أن تمثل الوحدة الوطنية الفلسطينية خطا أحمر امام الجميع في السلطة والمقاومة والشارع. تلك خانة أساسية يعني تجاوزها انقلاب المشهد الفلسطيني الى تراجيديا غير مسبوقة، والتمسك بتلك الضمانة مسئولية مشتركة لا يمكن ان يتنصل أي طرف على الساحة الفلسطينية من تبعاتها، لأن الجميع - دون استثناء - سوف يدفعون ثمنا باهظا ربما كان أكبر وأخطر من كل التضحيات والدماء التي دفعها الفلسطينيون خلال عقود طويلة. بقلم : علاء عبدالوهاب ـ كاتب مصري