اللعبة التي يخوضها شارون في هذه المرحلة الحساسة تعطي انطباعاً مبدئياً عن المستوى الصراعي وعلى مستوى الداخل الصهيوني، حيث اكدت الحالة ان قضية التوازنات في الحكومة الاسرائيلية التي ابتدأها شارون فور وصوله الى السلطة باتت غير فاعلة بل ترى حدودها خارج الخارطة السياسية في الكيان الصهيوني وتقذف سياستها التي من المفترض ان تكون متنوعة ليس الى ساحة الاخرين بل في وجوههم، مما يدفع باتجاه حرب شاملة ضد الفلسطينيين الذين لا يملكون من ادواتها سوى الوقوف بصدورهم امام آلة الحرب الصهيونية ذات النوعية العالية ومن الصناعة الامريكية المتطورة وبالمقابل تصبح الانتفاضة الفلسطينية امام مجموعة من الخيارات صار من ضمنها وفي ظل الواقع الحالي توقف الانتفاضة واستسلامها لدموية شارون وفرض سلامه وهو خيار يتمنى اي مواطن عربي الا يكون الوحيد وهذا الخيار سيضع العرب وجهاً لوجه امام الخيار الشيكسبيري «نكون او لا نكون». الهدف الشاروني ان التصعيد الشاروني في الاراضي الفلسطينية والتعدي على الحرمة السياسية لمقار السلطة الفلسطينية يضع اليسار الاسرائيلي امام الافتقار للخيار الذي ردده باستمرار رأس اليسار كما يدعي شيمون بيريز وهو خيار السلام ولكن وبتسارع شديد بات بيريز يؤيد العمليات الاجرامية بحق الشعب الفلسطيني وقد قال في اغتيال محمد ابو هنود احد قادة حركة حماس: «ان تصفية ابو هنود هي خطوة بارزة في الدفاع عن النفس» لذلك باتت اشكالية اليمين واليسار لا تشكل اي عائق امام التصرفات التي تقوم بها حكومة شارون بل صار السعي الكامل لهذه الحكومة تدمير كل شيء فلسطيني دون اي رادع حتى من الولايات المتحدة التي باتت تبارك اعمال شارون وتعتبرها دفاعاً عن النفس؟! والمفارقة اللامنطقية في رأي واشنطن ان القصف بالطائرات والدبابات وآلة الحرب المتطورة بات دفاعاً عن النفس مما دفع ببعض الوزراء في السلطة الفلسطينية الى المطالبة ـ على سبيل السخرية ـ من الولايات المتحدة بتزويدهم بأسلحة حديثة كطائرات (F16) للدفاع عن النفس؟ ومع كل الاحداث التي تشهدها المناطق الفلسطينية باختلاف تسميتها من (الف وباء وجيم) فإن المجتمع الدولي غير مكترث لما يحدث من تدمير وقتل في الاراضي الفلسطينية امام الهيمنة الصهيونية المسنودة بالهيمنة الامريكية التي ارسلت مبعوثيها الى المنطقة محملين بأفكار شارون الذي سارع لتقديم وفد عسكري كي يعطي انطباعاً عاماً لاية مفاوضات بأنها مفاوضات امنية. فمن المعروف ان الولايات المتحدة الامريكية قد ارسلت الى المنطقة الجنرال «انتوني زيني» و«وليام بيرينز» في محاولة منها لوضع يدها امام الرأي العام ووضع وجهها امام العرب الذين ساندوها في حملتها ضد الارهاب ولكن سرعان ما تكشفت الحقائق خاصة في الجدل العنيف الذي حصل بين شارون ووزير خارجيته بيريز حول رئاسة المفاوضات لكن شارون اصر على ان يرأس الوفد الجنرال الاحتياطي «مانير دجان» وفي اختيار الاخير حسب رؤية شارون اسباب كثيرة اولها ان الجنرال دجان من المتطرفين المتشددين والمشهورين بأعمالهم الدموية وبعدائهم للعرب فهو قد قاد عام 1970 عمليات ارهابية ومجازر بحق الفلسطينيين في قطاع غزة المتهمين بالتخطيط للعمليات في تلك المرحلة. وعمل مستشاراً لمكافحة الارهاب في حكومة بنيامين نتانياهو، وثاني هذه الاسباب هو ان المبعوث الامريكي انتوني زيني جنرال حرب وكذلك دجان مما يجعل التفاهم بين الطرفين يسهل المهمة التي يريدها شارون، اما السبب الثالث فهو طبيعة المفاوضات بحيث تتحول من تنفيذ توصيات ميتشل وحل للقضية الفلسطينية الى اجتماعات امنية هدفها القضاء على الانتفاضة. ان شارون يرى ان اي مبعوث ومهما كانت جنسيته يجب عليه ان يلغي ما في جعبته وينهل من جعبة شارون الملينة بالدم فهو يرى ان مهة زيني هي اقناع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بالايفاء بالتزاماته ووقف الارهاب والتحريض.. حسب وصف شارون اضافة الى الايام السبعة الهادئة التي يحددها ويضيف اليها ستة اسابيع فترة تهدئة تبدأ متى يشاء وتنتهي متى يشاء وبهذا فهو يريد من المبعوث الامريكي ان يصبح وزيراً في حكومة اسرائيل المتطرفة ليتخلص منه ومن مهمته وهذا الاستنتاج اوردته صحيفة هآرتس العبرية حين قالت: «انه شارون يريد ادارة الخطوات الاسرائيلية بشكل يبعد المباحثات حول تجميد الاستيطان كما ورد في صيغة ميتشل وفي حالة كهذه فإن مهمة زيني تعتبر نمط ازعاج يجب التخلص منه بسلام». وفي الواقع ان شارون يبعد عن تفكيره اي بند من بنود خطة ميتشل بل يسعى بشكل حثيث الى تكريس الاستيطان والتوسع به لكي يلبي حاجة اليهود الذين يسعى لجلبهم الى فلسطين متحدياً كل الاعراف الدولية وقد قال في فترة وجود زيني في المنطقة: «اريد ان يأتي مليون يهودي من الارجنتين وفرنسا وجنوب افريقيا في العام 2002 للاقامة في اسرائيل» فالكيان الصهيوني يريد ان يتابع اعماله الاستيطانية ولا يكترث بالاعراف والمواثيق الدولية وحتى الامريكية وان كانت تؤيد مواقفه، والحكومة الاسرائيلية ترى ان المبعوث الامريكي لن يحقق اي تقدم كما عبر عن ذلك الوزير بلا حقيبة داني نافيه بالقول «اشكك كثيراً في فرص نجاح مهة الجنرال زيني واهم ما يمكننا القيام به هو ان نفسر للجنرال ان السلطة الفلسطينية اصبحت سلطة ارهابية وانه طبقاً للسياسة الامريكية لا يمكن اجراء مفاوضات سياسة مع ارهابيين»، ولعل هذا ما اقنع به الجنرال زيني حقيقة فها هو زيني يتكلم عن ارهاب فلسطيني وها هو مساعد وزير الخارجية الامريكي للشرق الاوسط «سارتر فيلين» يصف الانتفاضة بأنها عملية ارهاب منظم وها هي الولايات المتحدة تهدد السلطة الفلسطينية وتقدم مشروعاً للكونجرس يدعو الى قطع العلاقات معها ويطالب الرئيس عرفات بلائحة امنية اهم بنودها مطالبة السلطة الفلسطينية باعتقال ومحاكمة من تطالب بهم اسرائيل وتفكيك المنظمات الفلسطينية وكل ذلك بضغط من اسرائيل. المستقبل الى اين؟ ان من يرى السياسة الامريكية الحالية بالنسبة للقضية الفلسطينية يشعر بالاحباط الشديد خاصة بعد توقع الانفراج في هذه السياسة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر ووعود واشنطن بالدولة الفلسطينية ولكن سرعان ما انقلبت كل المفاهيم بعد زيارة شارون الى واشنطن وهنا تطرح مجموعة من التساؤلات اولها هل باتت الولايات المتحدة تنظر الى عرفات كما باتت تنظر اليه اسرائيل؟ بمعنى اوضح هل تريد المفاوضات من الجيل القادم وان كان ذلك فما سبب هذا التحول او لنقل الشدة فوق التشديد؟ ان الواقع الذي تحاول ادارة بوش ان تتناساه هو انتخابات نصف الولاية في نوفمبر 2002 وهي تريد المحافظة على اغلبية الجمهوريين في مجالس النواب واقامة توازن جديد بأغلبية في مجلس الشيوخ وبالمقابل لا تريد فتح باب العداء امام اليهود الناخبين في الولايات المتحدة فالرئيس الامريكي جورج بوش مازال يتذكر موقف اليهود منه في انتخابات الرئاسة ذلك الموقف الذي كاد ان يقضي على مستقبله الرئاسي، اذن ارضاء اللوبي الصهيوني بدأ يدخل في الحسابات الامريكية ولعل شارون قد ذكر بوش بهذا الموقف لذلك فالطرفان الامريكي والاسرائيلي يحاولان ان يضعا الرئيس الفلسطيني بين فكي الكماشة فاعتقال فعاليات الانتفاضة كما تريد واشنطن وتل ابيب سوف يجهض على الانتفاضة التي قدمت الارواح في سبيل التحرر من العدو الصهيوني وهذه المطالبة كما عبرت عنها احدى الصحف الغربية لا يمكن تنفيذها دون اتهام السلطة بالخيانة! وبالمقابل فتنفيذ هذه الاوامر سيشل حركة النضال الفلسطيني ويحطم اللحمة الوطنية التي تمتعت بها الانتفاضة منذ بدايتها مما يسهل القضاء عليها ويضرب صفوفها بعضهم ببعض وهذا ما تريده الصهيونية، اما الخيار الاسرائيلي الذي ينادي بالتعامل مع السلطة القادمة والشابة فهو ايضاً غير بريء حيث يعتقد ان غياب عرفات عن الساحة سيؤدي الى نوع من الفوضى مما يجعل الحكومة الاسرائيلية تنفذ ما تراه مناسباً من وجهة نظرها واكثر مما يمكن ان تعطيه اسرائيل في هذه الحالة دولة فلسطينية على الوضع القائم وبالطبع منزوعة السلاح. ان الكيان الصهيوني يسعى الى قمع الانتفاضة وارضاخ السلطة الفلسطينية الى الافكار الشارونية ومعها الحكومات العربية ومادام شلال الدم الفلسطيني اصبح ارهاباً برأي الادارة الامريكية فكيف يمكن للعرب ان يدعموا هذا النضال؟! وهم الذين دعموا بشكل ما حرب الولايات المتحدة التي اعلنتها ضد الارهاب بل ضد شخص واحد مازال متهماً، ولعل البعض قد نسي او تناسى ان الدفاع عن الوطن ومقاومة الاحتلال حق مشروع في جميع الاعراف الدولية والانسانية. والمستغرب ان الدعم العربي للشعب الفلسطيني في بداية الانتفاضة وان كان خجولاً لكنه ادى دوراً مهماً اما الان فلعله تحول الى الخوف والخشية من ان تتهم الولايات المتحدة البلاد العربية اذا ما دعمت الانتفاضة بدعمها للارهاب ما دامت الانتفاضة برأي واشنطن ارهاباً؟ ان الموقف العربي يجب ان يكون اكثر اجماعاً واجتماعاً في هذه المرحلة بالذات لان الواقع الدولي بعد الحادي عشر من سبتمبر قد تغير واصبح بامكان الولايات المتحدة ان تضرب ما تشاء من الدول بحجة الارهاب وكذلك يفعل الكيان الصهيوني، وفي هذا الواقع لا يمكن ان يقف العرب في وجه القوى المهيمنة بدون رأي موحد يشعر واشنطن بأن مصالحها الاقتصادية في الوطن العربي مهددة اذا بقيت على موقفها من الصراع العربي الصهيوني، وبذلك فالعرب شعوباً وحكاماً مازالوا مطالبين بدعم الانتفاضة دعماً سياسياً واقتصادياً كي لا يدخل الصراع العربي الصهيوني في النفق المظلم الذي دخله بعد نكبة 1948 وهزيمة 1967 ويعود الوطن العربي يبكي من جديد اندلساً جديدة ضائعة. بقلم: محمد أحمد يوسف ـ كاتب فلسطيني