منذ بداية الانتفاضة في 28 سبتمبر قبل الماضي وما صاحبها من عدوان اسرائيلي لم يتوقف ولو ليوم واحد اعتمدت السياسة العربية الرسمية وأحياناً الشعبية مبدأ «الولولة» أي النحيب والصراخ، فكلما ارتكب الاحتلال جريمة نسارع إلى مناشدة الولايات المتحدة وأوروبا وما يسمى بالمجتمع الدولي إلى التدخل وردع المحتل، وننسى دائماً ـ ويبدو ان آفة النسيان متحكمة فينا ـ ننسى ان جل هذا المجتمع خاصة أمريكا شريك أصيل في الجريمة الاسرائيلية التي بدأت في مايو 1948 ولم تتوقف حتى هذه اللحظة. أحياناً أتساءل بيني وبين نفسي عما يقوله دبلوماسيونا العرب لنظرائهم الأمريكيين في الجلسات المغلقة وكيف يرد هؤلاء عليهم؟ من قبيل التكرار القول ان احد الأسس الرئيسية التي تقوم عليها الثقافة الغربية خاصة في جانبها الأمريكي الراهن هو مبدأ احترام وعبادة بل وتقديس مبدأ القوة، وكثير من السياسيين هناك كتبوا في مذكراتهم مدى اعجابهم بالقوة الغاشمة الاسرائيلية وهي تفتك بالعرب في يونيو 1967 وفي تدمير المفاعل النووي العراقي عام 1981 واجتياح لبنان 1982 وتكسير عظام الفلسطينيين في الانتفاضة الأولى، ثم اشادتهم البارعة بالأباتشي وهي تنكل بالعزل الفلسطينيين هذه الأيام. وإذا أخذنا بالحسبان القواسم المشتركة العديدة التي تجمع بين اسرائيل والغرب باعتبار الأخير زرعاً شيطانياً تركه الأول في منطقتنا لضمان مصالحه وغرس بذور الفرقة بيننا، وإذا أدركنا التأثير المتنامي للصهيونية المسيحية في عقول الغربيين خاصة الأمريكيين لوصلنا إلى استنتاج بسيط لكنه مهم للغاية وهو ان الرهان على دور غربي أمريكي لاعادة حقوقنا هو أصعب من الرهان على دور للشيطان في ضمان الجنة. ليس معنى ذلك الدعوة إلى تجاهل دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والرأي العام العالمي، بل كل ذلك مطلوب وبشدة لشرح عدالة قضيتنا للآخرين، لكن الكارثة هي الرهان على هذا العنصر فقط. قديما قال العرب «ما حك جلدك مثل ظفرك، فتول أنت جميع أمرك» لكن مأساتنا اننا نسينا كل قيمنا ومبادئنا وجلسنا نفرك أيدينا في انتظار هبوط معجزة تعيد لنا حقوقنا السليبة. التصعيد الاسرائيلي لا يوقفه عقد المؤتمرات والبيانات الختامية سواء كانت قوية أم ضعيفة، كما لا يوقفه أيضاً ارسال الوفود لمناشدة الغرب وقف العدوان. البلطجة الاسرائيلية لا يوقفها سوى اعلان عربي بسيط يقول ان مصالح أمريكا والغرب في المنطقة ستكون مهددة إذا استمرت في دعم العدوان، وان العرب سيتعاملون مع كل العالم من الآن وصاعداً طبقاً لموقف كل دولة من اسرائيل. صحيح انه اعلان بسيط ويسهل قوله في أقل من دقيقة، لكن المشكلة انه يحتاج لمعجزة لكي يتحقق أو على الأقل لكي يجرؤ عربي ما على النطق به! عماد الدين حسين