صعدت إسرائيل خلال الأيام القليلة الماضية من عدوانها الهمجي والسافر ضد الفلسطينيين، بحيث طال هذا العدوان غالبية المنشآت الحيوية في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، كما طال المقار الرئاسية للرئيس عرفات والمطار الذي تقلع منه الطائرات وحتى طائراته لم تسلم من هذا العدوان، كما لم تتردد القوات الصهيونية في إقتحام مناطق الحكم الذاتي غير عابئة بأية مناشدات دولية أو اعتراضات عربية على هذا الاقتحام الذي يخالف كل ما تم الاتفاق عليه بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، هذا التصعيد الإسرائيلي للعدوان طرح العديد من التساؤلات على الساحة السياسية العربية والدولية حول الموقف الأمريكي من هذا العدوان والخلط المتعمد من الإدارة الأمريكية الحالية بين المقاومة والإرهاب، وإمكانية أن تكون هناك مواقف أوروبية أكثر استقلالية تجاه التطورات الأخيرة، وما الذي يمكن أن يقدمه العرب للفلسطينيين في الظروف الحالية من دعم مالي وسياسي، وإمكانية أن تؤدي الاعتداءات الإسرائيلية إلى نشوب حرب إقليمية شاملة، وحقيقة استثمار إسرائيل للأحداث التي وقعت في الولايات المتحدة في شهر سبتمبر الماضي لتأليب واشنطن ضد العرب والفلسطينيين.. «الملف» التقى د. عماد جاد الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ومحسن عوض الخبير في الشئون الفلسطينية لالقاء الضوء على تطورات الأوضاع في المنطقة والاجابة عن هذه التساؤلات. مقاومة مشروعة بداية يرى د. عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن استثمار إسرائيل للحرب الأمريكية ضد الإرهاب لتأليب الولايات المتحدة ضد الفلسطينيين والعرب كان في أعقاب التفجيرات التي وقعت في نيويورك واشنطن مباشرة حيث نشطت الآلة الإعلامية الصهيونية وقتها وعملت على الربط بين الإرهاب والعرب، إلا أن الدبلوماسية العربية تحركت وقتها وإتخذت بعض المواقف الإيجابية بإتجاه تصحيح هذه الصورة بأن أوضحت للجانب الأمريكي أن هناك فرقا بين ما يحدث في الأراضي المحتلة من مقاومة مشروعه يقوم بها شعب محتل ضد آلة عسكرية غاشمة تحتل الأرض بالقوة، وبين ما حدث عندهم من اعتداء على مباني تجارية وأزهاق لأرواح المدنيين الأبرياء، وقد ساعدت الإجراءات التي إتخذتها السلطة الفلسطينية وقتها ومنها قيام الرئيس عرفات بالتبرع بالدم لضحايا الهجمات على أن يتحسن الموقف الأمريكي تجاه القضايا العربية المطروحة وبالفعل خرجت بعض التصريحات عن مسئولين في الإدارة الأمريكية حول حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، إلا أن التفجيرات التي حدثت خلال الأيام القليلة الماضية داخل العمق الإسرائيلي هي التي كان لها وقعها السيئ للغاية على الموقف الأمريكي والذي تحول بمجرد حدوثها إلى النقيض وقيل أن الإدارة الأمريكية أعطت شارون بعدها الضوء الأخضر للقيام بأي عمليات عسكرية ضد المدنيين الفلسطينيين بحجة حماية مواطنيه ووجدنا التصريحات الأمريكية المتعددة التي تبرر استمرار شارون في اعتداءاته ضد الفلسطينيين، كما قامت الولايات المتحدة بتجميد أرصدة بعض المنظمات الإسلامية العاملة لديها بحجة مساعدتها لمنظمات مثل حماس والجهاد واللتين أصبحتا منظمات إرهابية وفقا للتصنيف الذي وضعته الإدارة الأمريكية والذي ساندته وكانت وراءه الدولة الصهيونية. وهكذا وبدلا - يضيف د. عماد جاد - من أن يجني العرب والفلسطينيون ثمار عملهم في بداية أزمة 11 سبتمبر وموقفهم من الحرب الأمريكية ضد الإرهاب بالحصول على مقابل مجز فيما يتعلق بتحركات أمريكية إيجابية على صعيد حل الصراع العربي الإسرائيلي وهو ما كانت تشير كل الدلائل إلى حدوثه، أدت العمليات الأخيرة التي تمت داخل الأراضي الإسرائيلية إلى حدوث هياج إسرائيلي أمريكي ونسف للعمل العربي الذي تم خلال الفترة الماضية وصار الفلسطينيون الإرهابيون الذين يجب ملاحقتهم وصارت كل فصائل المقاومة الفلسطينية هي منظمات إرهابية يحق لشارون ملاحقة زعمائها وكذلك الولايات المتحدة، وبالتالي صار العرب في موقف دفاعي لا يحسدون عليه، وهذا ليس فقط لأن التفجيرات التي قامت بها المقاومة الفلسطينية قد جاءت في وقت غير مناسب، ولكن لأن الإدارة الأمريكية ظهرت وكأنها كانت في إنتظار هذه الفرصة لكي تقلب الطاولة وتنقلب على العرب والفلسطينيين. وحول ما يمكن أن يقدمه العرب للفلسطينيين في الظروف الحالية من دعم مالي وسياسي يقول د. عماد جاد: لابد أن يدافع العرب وبقوة عن عرفات وعن السلطة الفلسطينية ضد محاولات شارون إضعافها وتفكيكها، وفي الوقت نفسه يحاولون ترشيد السلوك السياسي لعرفات والسلطة الوطنية، بالعمل على منعها من الاستمرار في سياسة الاعتقالات التي يقوم بها ضد فصائل المقاومة الفلسطينية، فضلا عن الاستمرار في تقديم المساعدات المالية للشعب الفلسطيني وبما يساعده على احتمال الأوضاع المعيشية السيئة التي تواجههم الآن . وفيما يتعلق بإمكانية أن تؤدي الإجراءات المتعسفة التي تقوم بها السلطة الوطنية ضد فصائل المقاومة إلى مواجهة بين الطرفين يعتقد د. جاد أن الواضح من أداء فصائل المقاومة خلال الأيام الماضية أنهم يقدرون الموقف الذي فيه الرئيس عرفات ويعرفون لماذا هو يتصرف بهذا الشكل، ومن هنا فهم يتجابون معه ولديهم حرص شديد على ضرورة أن تستمر الوحدة الوطنية الفلسطينية، وألا تتدهور الأمور وتصل إلى حد المواجهة، وهو ما يؤكد وجود درجة عالية من الوعي والحرص المتبادل بين الطرفين على المصلحة الفلسطينية العليا. ولا يعول د. عماد كثيرا على الموقف الأوروبي حيث يري أن الأوروبيين دائما يشتغلون تحت عباءة الأمريكان ولذلك يجب ألا نراهن على موقف أوروبي مغاير للموقف الأمريكي بصورة جذرية، هم قد يختلفون معهم في بعض الأمور البسيطة، أما السياسة العامة للمنطقة، فالأمريكيون هم الذين يرسمونها والأوروبيون ما عليهم إلا التنفيذ، الأوروبيون يدركون تماما أن منطقة الشرق الأوسط منطقة نفوذ أمريكي ولن يحاولوا الخروج على الإطار المرسوم لهم للتعامل مع قضايا هذه المنطقة، بمعنى أنه لو قال الأمريكان لا لموضوع ما يتعلق بقضية الصراع العربي الإسرائيلي فلن يستطيع الأوروبيون أن يقولوا بعكس ذلك . ومن جانبه يرى محسن عوض الخبير في الشئون الفلسطينية أن أحداث سبتمبر جاءت على هوى شارون تماما، فقد وجد فيها فرصة ذهبية للاستمرار في مخططه السافر ضد الفلسطينيين، فشارون الذي جاء بخطة المائة يوم والتي عدلت إلى خطة جهنم وكلها خطط أمنية ودون أن يكون له برنامج سياسي استغل التطورات الأخيرة وحرب الولايات المتحدة الأمريكية ضد الإرهاب لكي يوقع أكثر وأكثر بين واشنطن والعرب حيث ركزت الآلة الاعلامية الصهيونية التي تقف وراءها إسرائيل على الربط بين الإرهاب والعرب وحتى نجحت في أن تجعل الولايات المتحدة تدرج منظمات المقاومة الفلسطينية مثل حماس والجهاد على قائمة المنظمات الإرهابية في العالم والتي يحقق للولايات المتحدة ملاحقة ومطاردة أفرادها في أي مكان في العالم. ويتفق محسن عوض مع د. عماد جاد في أنه لايجب أن نعول كثيرا على الموقف الأوروبي والذي لم يتغير منذ فترة طويلة وهو الموقف المؤيد على طول الخط للسياسات الأمريكية والتي هي في النهاية تصب في المصلحة الإسرائيلية ودون أي اعتبار للمصالح العربية والفلسطينية، اللهم إلا بعض التحركات الدبلوماسية وإرسال المبعوثين دون أن تكون هناك أية مواقف إيجابية فاعلة بإتجاه حل هذا الصراع المزمن، وذلك على الرغم من حجم المصالح الكبير الذي يربط العرب بأوروبا ولذلك فلا أصل في موقف أوروبي يحدث توازنا في مواجهة الموقف الأمريكي لأنه ببساطة شديدة الموقف الأوروبي مجرد تابع للموقف الأمريكي. ويطالب محسن عوض الدول العربية ألا تظل تتعامل القضية الفلسطينية على أساس أنها طرف محايد، بل يجب أن يكون التعامل على أساس أنهم طرف فاعل في هذا الصراع وحتى تشعر القوي الدولية بأنه لابد من تحرك حتى لا تتدهور الأمور وتضيع المصالح الكبيرة مع الجانب العربي. يجب أن يكون هناك موقف عربي متماسك وقوي ومساند للموقف الفلسطيني على طول الخط لأنه إذا لم يشعر العالم أننا متمسكون بحقوقنا المشروعة فلن يتحركون بإتجاه وحصولنا على هذه الحقوق. ويرى عوض أن التصعيد الإسرائيلي للعدوان دائما يكون مرهونا بالسياسات الداخلية لإسرائيل من جهة وبحاسابات التنسيق مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، وعموما لقد وصلت الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين إلى مرحلة خطيرة فهم دخلوا المدن التي تحت السيطرة الفلسطينية، كما فرضوا على الرئيس عرفات بعض الإجراءات التي لا تليق ودمروا مطاراته ومنشآت سلطته الوطنية الحيوية، من كل هذا يتضح أن إسرائيل سوف تمضى قدما في إتجاه التصعيد وتدهور الأوضاع، وأعتقد أنها تريد بذلك أن تنقل المعركة وبمرور الوقت من معركة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلى معركة فلسطينية/ فلسطينية ضد السلطة الوطنية، وهو ما لن تستطيع النجاح فيه لأن الفصائل الفلسطينية أظهرت خلال الفترة الماضية قدرا كبيرا من التلاحم، وإن كان هذا لايمنع من مطالبة الرئيس عرفات بألا يستمر في القبض على قيادات المقاومة وأن يفرج عن الذين تم القبض عليهم لأن حق المقاومة مشروع وكفلته القوانين الدولية ، والأوروبيون أنفسهم مازالوا حتى الآن يتباهون بمقاومتهم للنازيين في فترة سابقة. القاهرة ـ مكتب «البيان»: