نجحت الحكومة الاسرائيلية، حيث أخفقت القيادة السياسية الفلسطينية، في التعامل مع تفجيرات نيويورك وواشنطن، يوم 11 سبتمبرالماضي ففي الوقت الذي توفر فيه للقيادة الاخيرة سانحة ذهبية لارغام الادارة الأمريكية على التدخل، والضغط الجاد على اسرائيل من أجل أن تفي بتعهداتها في اتفاق أوسلو الذي رعته الادارة الأمريكية، ونص على اقامة دولة فلسطينية، فوق الضفة الغربية، وقطاع غزة، وعاصمتها القدس في 4/5/1999، وماطلت اسرائيل، وراوغت، فيما تخلت الادارة الأمريكية عن دورها الراعي لهذا الاتفاق. بدلا من أن تتصلب سلطة الحكم الذاتي، وتصر على ضرورة أن تتحرك الادارة الأمريكية سريعا للقيام بدور الراعي فإن تلك السلطة عمدت الى التراخي، فضلا عن اعمال تزييف العواطف، ابتداء من نقل دم رئيس السلطة، متبرعا به لضحايا 11 سبتمبر من الأمريكيين، الى اجبار طلبة مدارس مناطق الحكم الذاتي على الوقوف دقيقة، حدادا على أولئك الضحايا. فيما عمد شارون الى تصعيد اعمال القتل في أوساط الفلسطينيين في مناطق الحكم الذاتي، مستغلا التهاء الرأي العام العالمي بما يجري فوق الأراضي الافغانية، ومحاولا ـ في الوقت نفسه ـ تصوير الشعب الفلسطيني ومقاوميه وكأنهم مرادف للقاعدة وطالبان فيما شبه شارون حكومته وجرائمها ضد الشعب الفلسطيني بالادارة الأمريكية. وماتقترفه ضد الشعب الأفغاني. المنعطف الجاد أما النقلة الأكبر في مسلسل الجرائم الاسرائيلية، فبدأت يوم 3 ديسمبر الجاري، حيث عمدت اسرائيل الى قصف مروحيات الرئيس الفلسطيني، ياسر عرفات، ومن حول مقاره وقد شبه مسئول اسرائيلي هذا القصف باطلاق النار على ساقي عرفات، دون رأسه، بهدف شل حركته، دون قتله على ان الهدف الاسرائيلي أبعد من مجرد شل حركة عرفات إذ يهدف ذلك القصف الى تصعيد معدل ابتزاز عرفات الى الحد الأقصى، بما يرغمه على التوقيع على أي شروط لشارون وربما لتوفير ذريعة قوية لعرفات حتى يبدو قبول عرفات لتلك الشروط، اضطراريا، بل قد يكون تصعيد القصف، وتدمير مروحيات عرفات ومهابطها، فضلا عن تجريف مطار غزة، بهدف ابقاء عرفات حبيس مقره، والكف عن التنقل بين هذه العاصمة وتلك دون أن ينفي هذا وذاك أن من أهداف تصعيد القصف الحاق مزيد من المهانة بعرفات، بمايمهد لاحلال خليفة له، تدعمه اسرائيل بانفراجة في الضائقة المعيشية التي تخنق الفلسطينيين في مناطق الحكم الذاتي، فترفع اسرائيل الحصار من حول المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وتعيد العمال الفلسطينيين الى أعمالهم في سوق العمل الفلسطينية، وتجري تحركات عسكرية، في اطار اعادة الانتشار بل ربما ـ فوق كل هذا وذاك ـ كانت هذه الهجمات غير المسبوقة، على مدى أربعة عشر شهرا ونصف من اندلاع انتفاضة الأقصى والاستقلال تبغى نقل عرفات إلى غزة، مخفورا برعاية الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة، حيث يرغم على القبول بقطاع غزة وحسب دولة فلسطينية، بعد افراغه من المستوطنات، وسلخ الضفة، نهائيا، قبل شقها الى نصفين، شمالي وجنوبي، يترأس كل منهما ضابط في فلسطين، أو بالحاق الضفة بالمملكة الأردنية الهاشمية، من جديد. تناقضات لم يخل قصف مروحيات الرئيس عرفات، ومهابطها، وماتلا هذا القصف وتداعياته من مفارقات وتناقضات. فبينما يزعم مبررو أداء السلطة الفلسطينية بأن اقدام أجهزة أمن السلطة على اعتقال عشرات المفاوضين الوطنيين من شتى الفصائل الفلسطينية يأتي تحت بند السياسة الوطنية العليا فيما دأب عرفات، منذ3 سبتمبر الجاري، على التمني بأن تعطيه اسرائيل والولايات المتحدة مزيدا من الوقت لاعتقال بقية المطلوبين، والمتهمين في اعداد تلك العمليات الاستشهادية. المفارقة الآخرى تمثلت في قصف الطائرات اف 16 والأباتشي الأمريكية في مناطق الحكم الذاتي بآخر ما انتجته الترسانة العسكرية الأمريكية بينما استمرأت سلطة الحكم الذاتي ـ ومعها بعض الانظمة العربية ـ على مناشدة الادارة الأمريكية، بالذات، بالتدخل، والضغط على اسرائيل ناهيك عن ان هذه الادارة دأبت على مناشدة الفلسطينيين ضبط النفس، بعد كل اعتداء عسكري اسرائيلي شرس ضدهم، بينما كانت الادارة نفسها تسارع الى ادانة أي رد فعل مسلح فلسطيني على أي من هذه الاعتداءات! أما ثالثة الأثافي فتتمثل في التناقض الرئيسي الثالث، حيث تلح كل من الادارة الأمريكية وحكومة اسرائيل على عرفات أن يستخدم أجهزة آمنة في قمع واعتقال رجال المقاومة الوطنية في فصائل فلسطينية شتى، ومع ذلك فإن اسرائيل تخص بضرباتها العسكرية الشرسة مقار أجهزة أمن الحكم الذاتي فكيف تعمل اسرائيل على اضعاف أجهزة أمن الحكم الذاتي، بينما تطلب اسرائيل من هذه الأجهزة أن تمارس قمع الوطنيين الفلسطينيين، بكفاءة أعلى؟! والعمل؟ لا شك في أن ارتفاع معدلات الخسائر البشرية والمادية الفلسطينية انما يعود الى هشاشة شروط النصر، وفي مقدمتها غياب الدعم العربي، الذي يجب ان يتحول الى مشاركة فاعلة في الكفاح الوطني الفلسطيني، في مواجهة الصهيونية وكيانها، فضلا عن الامبريالية الأمريكية، ومثل تلك المشاركة ليست مناً من الدول العربية، أو مجرد نخوة العربي في نجدة أخيه، بل أساسا لأن فلسطين قضية عربية، وهي ليست الا رأس جسر في سبيل اقامة اسرائيل من النيل الى الفرات ، أي أن مشاركة الدول العربية الشعب الفلسطيني في تصديه للعدوان الصهيوني ـ الأمريكي يأتي في سياق الدفاع عن الأمن القومي لكل دولة عربية على حدة بما يجعل المشاركة العربية في هذا الكفاح ضمن الشروط الذاتية للنصر الفلسطيني. فضلا عن ضرورة التحرك السريع لتأسيس جبهة وطنية موحدة، تضع حدا للتعارض البين بين الخطاب الميداني والخطاب السياسي القيادي في مناطق الحكم الذاتي، ويضع حدا لاستئثار رجل واحد بالقرار السياسي الفلسطيني، وتقدم قيادة جماعية في هذا الصدد فضلا عن توفير الشرط الضروري لبلورة استراتيجية طويلة النفس للمقاومة، بما يعكس ساعة بساعة استراتيجية تحدد طبيعة المرحلة التي تعيشها فلسطين وشعبها، وبالتالي تحديد الهدف الاستراتيجي للكفاح الوطني الفلسطيني، فضلا عن تحديد أطراف معسكري الثورة والاعداء، فلا نعود نحتكم على عدو أمتنا الأول الامبريالية الأمريكية ، ولا نتسول حلا لدى شارون أو أمثاله من الصهاينة، ولا نعاتب عدونا الصهيوني على حرمان عمالنا من العمل في سوقه، والجبهة القيادية الجماعية، والاستراتيجية مؤهلة لكل المتعاونين مع العدو والفاسدين من داخل السلطة، وخارجها. وبعد، فإن جذر الخطايا في تعاملنا مع قضية فلسطين يكمن في حرمان من عمقها العربي، فضلا عن الاحتكام الى أس البلاء الامبريالية الأمريكية والأهم أن عرفات يقف، اليوم، امام الامتحان الأخير، فإما أن ينحاز الى شعبه، فيقبل التحدي الصهيوني ـ الأمريكي، واما أن يرضخ للاملاءات الأمريكية ـ الصهيونية، أما ان يتمسك بقضيتنا الوطنية، واما أن يحرص على حياته، ومقعد الحكم من تحته. بقلم: عبدالقادر ياسين ـ كاتب فلسطيني