قبل احداث التفجيرات الأخيرة في حيفا والقدس استبشر الساسة العرب، وخصوصا الفلسطينيين خيرا وذلك لان أمريكا قد اعلنت عن برنامجها السياسي لحل قضية فلسطين على لسان الرئيس الأمريكي بوش في خطابه في الامم المتحدة والذي ذكر فيه اسم فلسطين عشر مرات لاول مرة، وذكر لاول مرة ايضا أن حل قضية فلسطين سيكون عبر دولة فلسطينية قابلة للحياة ومستقلة وعلى اساس قرارات الشرعية الدولية 242 و338 . وبالرغم من أن بوش كان جازما في خطابه تجاه مسائل عديدة والتلميحات التي حواها خطابه من انه لا يوجد تراجع في معالم السياسة الأمريكية وذلك أن بوش يريد القول للجميع ان أمريكا دولة فوق الضغوط، وان سياستها لا تتراجع بسبب الاحداث إلا أن الذي صدر عنه هو حقيقة تغيير في الموقف الأمريكي، فلاول مرة يصدر عن رئيس امريكي ذكر الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة وحسب القرارات الدولية. هذا الامر اشاع علامات الفرح عند الساسة العرب كما قلنا بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص، كما اشاع علامات الاضطراب والاستفزاز عند شارون والفئة الحاكمة في تل ابيب، وخصوصا بعد أن اكد باول وزير الخارجية الأمريكي خطاب بوش واظهر شارون وهو كاذب في كل ما اظهر انه مرتاح لخطاب الرئيس الأمريكي، مما دعا الصحافة الاسرائيلية ذاتها والزعماء المعتدلين في اسرائيل الاستهزاء بكلام شارون والكشف عن نواياه والتي هي ليست خافية على أحد وكانت ردة فعل شارون انه قرر الاستمرار في محاولاته تفجير الموقف السياسي فزاد من عمليات الاغتيال والمداهمة وقلع الاشجار وهدم البيوت حتى انه قتل خمسة اطفال دفعة واحدة لانه يعرف أن هذا الامر سيفجر الامور واصبح كالمجنون يبحث عن أية ردة فعل فلسطينية لتساهم معه في تفجير الموقف السياسي لانه يدرك جيدا أن الفلسطينيين قادرون على الرد واخذ ثأرهم مهما عظمت الصعوبات والمعوقات، وهذا ما اثبتوه لنا خلال الايام السابقة بل على مدار السنوات السابقة. وذهب شارون إلى واشنطن وكأنه كان يتوقع أن يكون زخم الرد الفلسطيني وهو في واشنطن، ذهب إلى بوش يحمل في جعبته العديد من التحليلات السياسية العربية والفلسطينية التي يتداولها الشارع الفلسطيني والعربي، والقائلة ان أمريكا قررت أن تبيع اسرائيل مكافأة لابن لادن، وقررت أن تستسلم تحت تهديد ابن لادن وايمن الظواهري وكأن شارون قد نجح إلى حد كبير باستفزاز الادارة الأمريكية التي تأبى وترفض دائما أن يكون تغيير مواقفها السياسية تحت ضغط العنف والارهاب. واصبحت الإدارة الأمريكية واقعة تحت تأثير فكر رجل مجنون لا يأبه بتدمير العالم مقابل تحقيق احلامه حتى لو كان ذلك عبر تحطيم أمريكا عن بكرة ابيها ونجح شارون في أن يكون ذكيا لاول مرة كيف لا ولقد استطاع قلب عقل الإدارة الأمريكية الممثلة بالرئيس بوش واستطاع أن يجعل من موقف بوش مساويا لموقفه، فقرر بوش ايصال الرسالة إلى كل العرب والمسلمين وخاصة الفلسطينيين انه لم ولن يهزم امام ما يصفه بالارهاب وانه لا يوجد أي تغيير في الموقف الأمريكي في الانحياز إلى اسرائيل بل أن الموقف سيكون منحازا اكثر من أي وقت مضى وحتى يكون الموقف واضحا وتكون الرسالة واضحة اعلن ذلك بوش على الملأ وأخذ يمارس ضغوطا لم يسبق لها مثيل على عرفات بل انه اقدم على خطوة لم يسبقه اليها أحد عندما جمد اموال جمعية خيرية بحجة انها ترسل الاموال إلى الايتام الفلسطينيين. وكان واضحا أن بوش قد اعطى الضوء الاخضر بتدمير طائرات عرفات ومراكز سلطته وجزء من مكتبه في رام الله، وان يحرث مدرج المطار في غزة، وكان صوت رامسفيلد ايضا الذي ندد بالرئيس الفلسطيني عرفات وهاجمه بشكل لم يسبقه أحد في الإدارة الأمريكية حينما قال ان عرفات رجل سييء وانه لم يقدم لشعبه أي شيء خلال السنوات الماضية وهو يعرف أن عرفات لم يرضخ للاملاءات الأمريكية والاسرائيلية طوال السنوات الماضية. لقد رضخ بوش لشارون متجاهلا مشاعر العالم الاسلامي التي ما زالت تتفاعل كل يوم وتصل إلى الحقد على أمريكا بشكل لم يمر في التاريخ، الامر الذي يهدد مصالح أمريكا في المنطقة والعالم الاسلامي حتى عند الدول الحليفة لامريكا من هذا العالم، فالاحتقان يزداد ومشاعر الغضب تزداد وشارون ماض في غيه، وكلما سمع أحدا من الساسة أو حتى المبعوث الأمريكي يقول عن أي حل قادم اقدم على تسخين الساحة في محاولة لاشعال المنطقة بصورة لم يسبق لها مثيل وواضح أن شارون يضع امامه مخططا لتصفية الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إلا أنه على ما يبدو ما زال هناك بعض المعوقات لتنفيذ ذلك الامر وقد اعلن قبل ايام قليلة رئيس وزراء تركيا أن شارون اخبره على الهاتف انه يريد قتل عرفات خلال الايام المقبلة. ويعتقد شارون انه اذا ما اقدم على قتل عرفات سيأتي بقيادة فلسطينية طيعة تتنازل له عن فلسطين كلها وعن القدس وعن اللاجئين وهكذا يخرج شارون بطلا من ابطال دولة اسرائيل إلا أن بعض الساسة حوله وخصوصا من حزب العمل الذي واضح انه اصبح عاجزا أو انه محب لتنفيذ سياسة شارون على الارض ولكن ضمن خطوط حمر متعلقة بعدم قتل عرفات في ظل الضبابية التي تحيط معرفة من هو القادم بعد عرفات، حيث أن كل مراكز الدراسات والاستخبارات الاسرائيلية تشير في تحليلاتها إلى انه لن يكون بعد عرفات أحد الزعماء الذين يراهنون عليه لان أي زعيم سيستلم بعد عرفات إن لم يرض عنه تنظيم فتح الذي يسيطر على كافة الاجهزة الفلسطينية إضافة إلى قوات الشرطة فانه سيقتل بدون تردد. ومن الواضح في هذا الصدد إلى أن الزعامات التي تراهن عليها اسرائيل لا تمتلك أي سيطرة ولو جزئية على تنظيم فتح، وهذا الامر يفهمه حزب العمل اكثر من شارون وعصابته، وعلى هذا الاساس فان قادة حزب العمل يقولون لشارون ان القادم خلف عرفات ستكون حركة حماس وتنظيم فتح بمتطرفيه هم البديل وسنقع في نفس الخطأ الذي وقعنا فيه بلبنان، حيث اخرجنا منظمة التحرير وكان البديل حزب الله صاحب الارض والذي كان مدعوما دعما شرعيا من منطلق انه حزب لبناني. اما الزعامات العربية فانهم ما زالوا ينبهون الإدارة الأمريكية التي يبدو انها لم تعد تطيق أن تسمع هذا الكلام المكرر وهو انه إن لم يكن هناك حل عادل وسريع لقضية فلسطين فان الارهاب سيعم العالم العربي والاسلامي ويهدد المصالح الأمريكية في كل العالم وهكذا ستكون أمريكا المساهمة في تفريخ ما تصفهم أمريكا ذاتها بالارهابيين والمتطرفين في العالمين العربي والاسلامي. وهنا نعود إلى معالجة قضية هل إن أمريكا غيرت موقفها حقيقة من قضية فلسطين فجأة بعد تفجيرات حيفا والقدس وبعد زيارة شارون لها؟ كمحلل سياسي اقول ان المعطيات لا تشير إلى ذلك بشكل مجرد، ولقد كتبت في تحليل سابق لي قبل ما يقارب الشهر أن القضية الفلسطينية على ابواب عهد جديد وان أمريكا قررت تغيير موقفها وذلك نتيجة التراكمات التي شهدتها المنطقة خلال ثلاثين عاما من الصراع العربي الاسرائيلي انطلاقا من حرب الكرامة وايلول الاسود بين الفلسطينيين والاردنيين وحرب 73 واجتياح لبنان عام 78 والاجتياح الاسرائيلي الشامل عام 82 ومجيء الثورة الايرانية عام 1979 / 80 والتي اعلن فيها الخميني انه سيتوجه بقواته للزحف نحو بيت المقدس الامر الذي ادى إلى استنفار العالم ضد الثورة الايرانية، ثم الاحداث التي ادت إلى مقتل الرئيس المصري أنور السادات بعد توقيعه لمعاهدة السلام مع اسرائيل وخروج الجماعات المتطرفة في مصر والتي هددت النظام المصري عدة مرات وقتلت العديد من شخصياته ثم مجيء حرب الخليج الثانية وتهديد الرئيس العراقي صدام حسين بحرق نصف اسرائيل وضربه لتل ابيب اثناء الحرب بالصواريخ ووضعه الكويت مقابل القدس، وخروج حركات اسلامية متطرفة في الجزائر كادت أن تصل إلى الحكم من خلال الانتخابات، الامر الذي دفع إلى انقلاب الجيش عليهم. وقد سمعت أحد زعماء الجبهة الاسلامية للانقاذ في الجزائر قبل الاحداث الساخنة التي حدثت في الجزائر وقتما كانت الجبهة الاسلامية غير محظورة حيث كانت تسيطر على 850 بلدية من خلال الانتخابات قال علي بلحاج بالحرف الواحد انهم بعد أن يستلموا الحكم في الجزائر سيتوجهون إلى تحرير فلسطين وهذا الهدف الذي اثار عليهم الدنيا وحصل لهم ما حصل ثم مجيء احداث 11 سبتمبر الأخيرة التي ارتبطت بقضية فلسطين بشكل مباشر كل هذه التراكمات وغيرها من الاحداث الساخنة الاخرى التي كانت بسبب القضية الفلسطينية. اما على الصعيد الفلسطيني ذاته فان الصراع الاسرائيلي الفلسطيني الذي تواصل عبر 34 عاما بشكل مسلح واحيانا بشكل سياسي سواء من خلال معارك عسكرية، وعمليات نوعية وانتفاضات متواصلة، ومآس لا حصر لها كل هذا صب في تركيبة معادلة سياسية لا يتجاهلها إلا من هو فاقد للبصر والبصيرة لهذا ما زلت عند قولي ارى والله اعلم أن الأمريكان لن يتجاهلوا كل هذه التراكمات حتى لو انهم قرروا أن يظهروا لنا وللعالم انهم لم يهزموا امام الارهاب، إلا أن القضية اصبحت من الخطورة بأنها لا تحتاج إلى زمن طويل من المناورة ولا بد أن الأمريكان يدركون جيدا أن مقتل الرئيس الفلسطيني عرفات على يد الارهابي شارون سيدخل المنطقة في اتون المجهول وستكون كل الاحتمالات مفتوحة، فعرفات قادر بشكل منفرد على السيطرة وضبط الاوضاع وعلى التفاوض مع كل الفصائل واقناعها بأي موقف سياسي يراه ضروريا للعمل الفلسطيني وللقضية الفلسطينية. وانا على يقين أن وجود عرفات سيبقي أي حل قادم مهما صعب قابلا للتنفيذ ولكن غياب عرفات سيفشل فيه أي حل قادم فهو اهم رمز فلسطيني، وهو جزء من المعادلة بل انه الرقم الصعب في المعادلة اما الزعيم الذي سيأتي خلفه فان توقيعه لن يكون إلا يمثله شخصيا امام كل الفصائل وأمام الشعب الفلسطيني. من هنا اعتقد أن ايام الحرب الاهلية بين السلطة والفصائل الفلسطينية قد ولت حتى لو اقدم عرفات على اعتقال اكثر قادة الفصائل مضطرا لذلك تحت وابل من الضغوط الأمريكية والدولية وتحت ضغط قصف شارون وتهديده بتدمير السلطة والشعب الفلسطيني، لان قادة الفصائل سواء الاسلامية أو الوطنية تدرك جيدا أن العالم بعد 11 سبتمبر قد تغير وان قادة العمل الاسلامي والحركات الاسلامية وخصوصا الجهادية اصبحوا منبوذين بل انهم مطلوبين ولا أحد يمكن أن يعطيهم الحصانة في هذه الظروف إلا بوجود عرفات والسلطة الفلسطينية فان قتل عرفات أو انتهت السلطة فلن يكون لهم حصانة وخصوصا اذا ما تمكنت اسرائيل من الوصول إلى بيوتهم، لهذا ارى أن قادة الفصائل الفلسطينية والاسلامية منها اصبحوا متفهمين لموقف عرفات والضغط الذي يتعرض اليه ويخافون على السلطة من الانهيار لان انهيار السلطة سيكون انهيارا لهم بالتأكيد وهذا لا يعني أن العمل المسلح الفلسطيني بغياب قادة العمل الاسلامي سيتوقف بل أن هناك قيادات ستخرج من تحت الارض لا تفهم معنى المفاوضات وستحول آلاف الشباب إلى قنابل موقوتة وسيكون لهذه القنابل اشعاعات تؤثر على العالم باسره. بقلم: مأمون التميمي ـ عضو المجلس المركزي الفلسطيني