معظم الأدوات والمداخل القمعية التي تستخدمها حكومة آرييل شارون بهدف تصفية المقاومة الفلسطينية منذ الربيع الماضي، سبق للحكومة الاسرائيلية الماضية أن لاذت بها أو حتى ابتكرتها لإنهاء انتفاضة الأقصى فحكومة إيهود باراك ارتكبت كل ما يمكن تصوره من أنماط إرهاب الدولة ضد المنتفضين، في الضفة وغزة والقدس ومؤازريهم من عرب 48 خلف ما يسمى بالخط الأخضر. ومع ذلك، فقد يقع المتابع على ما يمكن اعتباره خلافا في التعامل مع السلطة الفلسطينية وزعيمها ياسر عرفات بين عهدي باراك وشارون، اللذين شهدا اندلاع انتفاضة الأقصى واستمراريتها بوتيرة متباينة من الشدة والرتابة والهدوء المؤقت ففي هذين العهدين نلمس معالجة متباينة لقضية علاقة السلطة بالمنتفضين ولكيفية تقدير دورها في السياق السياسي العام للمسار الفلسطيني للتسوية. لقد سعت حكومة باراك للتشهير بالسلطة وزعيمها اعلاميا وسياسيا، ومارست عليهما ضغوطا اقتصادية وعسكرية.. وحرضت عليهما الشريك الأمريكي بشكل مفضوح، وأوعزت بمثل ذلك بالنسبة للأصدقاء الأوروبيين، إلا أنها لم تنبذهما ولا هي استبعدتهما بالمطلق وكانت أبرز آيات هذه المقاربة أنه بينما كانت الاستعدادات النهائية للانتخابات الاسرائيلية العامة تجري على قدم وساق، انخرطت تلك الحكومة مع السلطة الفلسطينية في مفاوضات طابا ـ يناير 2001 ـ وقيل انها كانت جولة جادة وواعدة، وكان من المحتمل أن تثمر جديدا على مسار التسوية فيما لو أعيد انتخاب باراك! ومع قناعتنا بأن حرب الحكومات الاسرائيلية تعمل على النيل من كل فلسطيني بهدف املاء المفهوم الصهيوني للتسوية، إلا أن الشواهد توحي بأن السلطة الفلسطينية بالذات، الشريك على مسار التسوية منذ نشأتها في الضفة وغزة، باتت مقصودة في عهد شارون بجرعة زائدة من الضغوط في سياق هذه الحرب ففي هذا العهد، تمت ازالة أي انطباع بأن السلطة وزعيمها لا ينبغي اعتصارهما حتى النخاع ويبدو أن أمورا مثل كينونة هذه السلطة أو هيبتها أو مكانة زعيمها عرفات، لم تعد تعني شارون بشكل خاص فقد صارت مصادرة الرئيس الفلسطيني وضعضعة البنية التي يعتمد عليها في حركته وحمايته ـ المطار وطائراته والقوة 17 ـ مهمة معتادة ضمن أعمال الاعتداءات الاسرائيلية الروتينية. في البحث عن تعليل لفارق التعامل مع عرفات وسلطته بين حكومتي باراك وشارون، لنا أن نتوقف عند منهجية الحكومتين وتقديراتهما لدور عرفات، حكومة باراك كانت مشغولة بالضغط على الزعيم الفلسطيني وابتزازه، لاستثمار ذلك في جولات التفاوض العلني والسري التي لم تنقطع معه على حين أقلعت حكومة شارون عن هذه المنهجية المراوغة، وقبل أن يبلغ استخفافها بعرفات ودوره أوجه، باتهامه برعاية الارهاب وقصف مقراته وحراسه وقطع السبل على تحركاته، لم تؤمن هذه الحكومة بالتفاوض السياسي الجاد أو حتى الهزلي معه. كما أن شارون، كرئيس للحكومة الاسرائيلية، أشاح عن أي لقاء مع عرفات ولو على سبيل المجاملة وهو نصح محالفيه الأمريكيين والأوروبيين بهجر الرئيس الفلسطيني، باعتبار أن هذا الاسلوب يقلل من شرعيته ويسد المنافذ أمام دعوته المحمومة لتدويل القضية الفلسطينية وعندئذ سوف يسقط عرفات كثمرة ناضجة بين يدي المفاوض الاسرائيلي وحده. بهذه التصرفات، التي واكبها اللجوء للقوة العارية ضد كل البنى التحتية للسلطة الفلسطينية، قيادات وكوادر ناشطة ومؤسسات، كان شارون وما زال أقرب الى الأخذ بمدخل مؤداه التعامل المباشر مع الأرض الفلسطينية بصفتها جزءا من الداخل الاسرائيلي وأن هذه السلطة فقدت صدقيتها نظرا لتفريطها في اداء وظيفتها في التصور الاسرائيلي، ولا مكان لها بعد هذا الفشل. كأن باراك وجماعته سابقا لم يفقدوا، حتى لحظة حكمهم الأخيرة، الثقة في اعادة تطويع السلطة وزعيمها، وظلوا ينظرون اليهما كشريك تفاوضي راغب في الاضطلاع بالمهام الموكولة اليه، رغم أنه يعاني بعض الصعوبات التي يطرحها الداخل الفسطيني وتعقيداته وهذا هو المنظور الذي ما زال شيمون بيريز يأخذ به حتى الوقت الراهن، لكن شارون له رأي مغاير، هو أن عرفات لن ينصاع طوعا لمفهوم التسوية الاسرائيلي، وأنه غير راغب في تسهيل تطبيق هذا المفهوم حتى لو كان قادرا على ذلك. ولكن، ما هذه المهمة المنوطة بعرفات وسلطته واللذين يلقيان الاستحسان الاسرائيلي أو الغضب حسب نجاحهما أو فشلهما في الاضطلاع بها؟ لقد وقر في ذهن مهندسي صيغتي مدريد وأوسلو، أن السلطة الفلسطينية هي من أبرز آليات تمرير المفهوم الاسرائيلي ـ والأمريكي ـ لا ريب ـ للتسوية الفلسطينية أساسا والاقليمية بالتداعي، والذي يفهم من تسلسل الأحداث أن الطرفين الاسرائيلي والأمريكي يقيسان جدوى هذه السلطة وقيادتها، وفقا لدورها في التعاطي مع هذا المفهوم، ويعبران عن رضائهما أو غضبهما إزاء السلطة على هذا الاساس. ولأن هذين الطرفين يعلمان أية وظيفة ثقيلة أناطاها جدلا بالاطار السياسي الفلسطيني المستحدث بفعل صيغة أوسلو، وظيفة اعادة تشكيل الخطاب الفلسطيني والعربي تجاه أيلولة الصراع مع الصهيونية واسرائيل على نحو انقلابي، فقد أظهرا مطولا قدرا من التسامح معها، وتقبلا مماحكاتها الثورية أحيانا، لقد كانت تلك المماحكات ومظاهر التمنع بنظرهما، رجع صدى لماض لم يبرأ منه بعد كل رجال السلطة، وهو ما يتعين الاصطبار عليه وصولا الى مرحلة الشفاء الكامل منه. لقد ظل هذا المشهد قائما حتى صعد شارون ومحازبيه الارهابيين الاقحاح الى سدة الوزارة: اسرائيل التي تطمع في تحويل الفدائيين القدامى، وقياداتهم ممثلة اساسا في عرفات، الى توابع وعملاء داخل بيت الطاعة الاسرائيلي والسلطة المستجدة الطامحة في انتزاع ما يمكن انتزاعه من فكي الوحش الاسرائيلي ومسايرة القطب الأمريكي، تحت شعار خذ وطالب. والواقع أن كلا المنظورين الاسرائيلي والفلسطيني إنطويا على قدر معتبر من الخيال التاريخي والسياسي لكن أولهما، كان وما زال مغرقا في طوباوتية وسوء ظنه بالحركة الوطنية الفلسطينية إذ أن الحكومات الاسرائيلية، في عهد شارون بالذات، افترضت امكانية نقل الشطر الأعظم من هذه الحركة بقضه وقضيضة الى خندق العمالة والتذليل والاستسلام الكامل لإملاءات العدو هكذا دفعة واحدة وبالضربة القاضية. وبالمنطق ذاته، يثور التساؤل عن الأسباب التي حملت السياسة الفلسطينية، كما تم التعبير عنها في صيغة أوسلو، الى الاعتقاد بسذاجة الشريك الاسرائيلي لدرجة استدعاء الحركة الوطنية الفلسطينية الى بطنه وتقعيدها في الضفة وغزة، بدون قصقصة أظافرها وخلع أنيابها ووضعها تحت السيطرة على مدار الساعة، وتوظيفها لحرف خطاب التحرر الفلسطيني على نحو انقلابي؟ وفي تقديرنا أن قمة كامب ديفيد كانت بمثابة غرفة إفاقة لهذين المنظورين، فقد ثبت اثناءها أن السلطة وقيادتها عصية على التطويع الكامل للمفهوم الاسرائيلي للتسوية، كما ثبت أن الطرف الاسرائيلي لن يسمح بمرور فكرة السياسة الفلسطينية عن التحرير والدولة المستقلة بلا ثمن باهظ ومن هنا كان الصدام المروع الذي تلا القمة وما زال قائما حتى اليوم. الواقع أن اسرائيل تحت قيادة شارون أزاحت من أجندتها قضية تفهم موقف السلطة الحرج وهي عندما تحمل الآن على السلطة وقيادتها وبناها بكل القسوة والعنف الممكنين، إنما تستهدف الانتقام لما تعتبره خديعة لها إنها تذكر عرفات ومن والاه من العرب بأن عملية التسوية لا علاقة لها بسلام الشجعان، أو الأبعاد الحقوقية بل هي عملية منطلقها توازن القوى بين منتصر قوي ومهزوم ضعيف ويقدر شارون أن الظرفين الاقليمي والدولي أكثر استعدادا وجهوزية لهذا الفهم. ويبدو أن شارون بضرباته المتوالية ضد السلطة مع التركيز الملحوظ ضد رأسها، عرفات، يستلهم المقولة الأمريكية من ليس معنا فهو ضدنا. لكنه يتحرك بصفة خاصة محفوزا بالاعتقاد بأن السلطة الفلسطينية تستند في وجودها وزوالها الى الادارة الاسرائيلية أولا وأخيرا وهو اعتقاد خطير لا ينبغي التساهل بخصوصه، لا فلسطينيا ولا عربيا. الشأن القيادي الفلسطيني ليس قضية معلقة بقبول الطرف الاسرائيلي أو برفضه. لم يكن الأمر كذلك قبل أوسلو ونشوء السلطة الفلسطينية، ولا يتعين أن يكون كذلك في ظل مرحلة ما بعد أوسلو، ويبدو أن هذه الحقيقة تغيب عن المحاجاة الفلسطينية والعربية المضادة لنزوع شارون لتقويض هذه السلطة أو حتى لازاحة عرفات وحده! ففي هذه المحاجاة، يتذرع المدافعون عن وجود السلطة وعرفات بأنه لا مصلحة لاسرائيل في استئصالهما، لأن بديلهما هو إما صعود التيارات الراديكالية الاسلامية، إما تعميم حالة الفوضى في رحاب الأرض الفلسطينية المحتلة. مثل هذا الطرح لا يكفي لتقعيد مسألة السياسة والحكم في فلسطين على رأسها إذ كيف العمل والتصرف إذا ما رجح الاسرائيليون تحت حكم شارون أو غيره، بأن لهم مصلحة مؤكدة في تغييب عرفات وسلطته؟ الطرح الفلسطيني والعربي الأكثر حصافة، قانونيا وسياسيا، هو الذي يلتزم بمبدأ عدم اختصاص اسرائيل كسلطة احتلال، بتقرير مصير سيرورة الحكم والسياسة في فلسطين حاضرا ومستقبلا، وفي اطار هذا المبدأ الجامع، ينبغي التذكير بأن كينونة القيادة الفلسطينية وهياكلها ـ سواء تمثلت في السلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير الفلسطينية أو غيرهما ـ ترتبط ابتداء وانتهاء بحق تقرير المصير المعترف به للشعب الفلسطيني هذا الحق الذي يَجُب أي توجهات أو سياسيات مخالفة تبتدعها اسرائيل من عندياتها. على إنه كشرط ضروري لتعميم هذا المنظور أو الطرح الجذري، لابد أن تتحرك السلطة الفلسطينية وهاجسها أنها ليست من منتجات اسرائيل أو اتفاقات أوسلو بخاصة ولهذه السلطة وقيادتها أن يستأنسا بمعطيات أخرى، الى جانب قداسة الحق الفلسطيني في تقرير المصير مثل الانتخابات العامة التي شرعنت وجودهما في الأرض الفلسطينية المحتلة، والاعترافات العربية والدولية بهذه الشرعية هذا علاوة على الموقف الأممي القانوني الذي جعل الجمعية العامة للأمم المتحدة، هي الجهة الوحيدة صاحبة الصلاحية للحكم على ما اذا كان شعب ما غير مستقل يستحق التمتع بحق تقرير المصير ـ القرار رقم 1515 لعام 1960 ـ ولا حاجة بنا للاشارة الى أن الجمعية العامة اعترفت للفلسطينيين بهذا الحق، وأنها تعاملت مع منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بناء على هذا الاعتبار. في مواجهة منهج شارون الاستئصالي ضدها، ليس من المجدي للسلطة الفلسطينية، أن تعمل وتتحرك وكأنها رهينة، تنتظر شارات السماح بالوجود أو العدم من اسرائيل تحت قيادة شارون أو غيره فالتحرير من هذا التصور المقبض والاستعداد لتحديه وللاحتمالات المترتبة على هذا التحدي، من مقتضيات دحر المخطط الاسرائيلي الساعي لابتزازهما بالقوة الحمقاء، ولوضعها في موضع الاتهام ضد شعبها وتوظيفها لقمع قوى المقاومة فأي مستقبل لها إن هي كسبت الرضا الاسرائيلي المؤقت وخسرت قاعدتها الشعبية؟! بقلم: د. محمد خالد الأزعر ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة