من المؤكد ان قيام اسرائيل بتصعيد عدوانها على الشعب الفلسطيني عامة والسلطة الفلسطينية خاصة ستكون له الكثير من النتائج والانعكاسات الخطيرة جداً ليس على وضع الفلسطينيين فحسب ولكن على مجمل الاوضاع في منطقة الشرق الاوسط، ذلك ان هدف اسرائيل من وراء عدوانها الجديد على الشعب الفلسطيني هو اضعاف السلطة الوطنية في غزة ان لم يكن تدميرها وبالتالي فرض معادلات جديدة على قتال الفلسطينيين بحيث يتحول هذا النضال الى مجرد ردات فعل ودفاع عن النفس. ويؤكد المحللون السياسيون والعسكريون ان هذا العدوان الشامل والمفتوح الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني سيجعل من قضية النضال الوطني الفلسطيني مجرد حالة «ارهابية» تسعى اسرائيل الى التعامل معها على هذا الاساس وبالمحصلة فإن السلطة الفلسطينية ستجد نفسها في موقف صعب وحرج للغاية لاسيما اذا ما فقدت الخيارات والاوراق الضاغطة والمؤثرة سواء على الموقف الاسرائيلي او حتى الدور الامريكي فالواضح ان مرحلة جديدة قد بدأت الآن في المنطقة، ويبدو ان عنوانها الابرز هو تجريد السلطة الفلسطينية من كل عناصر القوة الذاتية ووضعها في اطار مهمش يمكن اسرائيل من فرض شروطها النهائية على ساحة الصراع. حرب اهلية ولا حاجة للتأكيد ان شارون ومن خلال هذا العدوان المتصاعد على الشعب الفلسطيني يسعى الى توفير العوامل والظروف المناسبة لدفع الفلسطينيين نحو الاقتتال الداخلي وقد بدأت بوادر هذه الحالة تلوح في الافق من خلال اجبار السلطة الفلسطينية على اتخاذ سلسلة من الاجراءات والتدابير ضد القوى والعناصر الاسلامية على الساحة الفلسطينية فعلى الرغم من ان اجهزة الامن الفلسطينية اقدمت على شن حملة اعتقالات واسعة في صفوف حركتي حماس والجهاد الاسلامي في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة إلا ان اسرائيل تمارس المزيد من الضغوط على السلطة لتوسيع نطاق هذه الحملة وربما الانتقال الى مرحلة المواجهة المباشرة مع هذه القوى الفلسطينية المقاومة لسياسة الاحتلال والعدوان وهناك خشية حقيقية من ان يتطور الموقف في الضفة الغربية وقطاع غزة الى مثل هذه المواجهة وتشارك الولايات المتحدة في تكثيف حركة الضغوط على السلطة الفلسطينية لتفجير الاوضاع سياسا وأمنيا في الضفة والقطاع واظهار الفلسطينيين وكأنهم غير قادرين على ضبط انفسهم الامر الذي سيخلق امام اسرائيل الاسباب الكافية لتصعيد حربها المفتوحة ضد الفلسطينيين ومن هنا التحذير العربي والدولي من خطورة ما يجري على هذا الصعيد فالرؤية العربية ـ الاسلامية تشير بوضوح الى ان اسرائيل تدفع بالامور نحو نقطة اللاعودة لان شارون لا يريد العودة الى مفاوضات السلام مهما كانت الاسباب والاعتبارات. وعليه فإن النتائج المفترضة قد تقود الى سلسلة من التفاعلات الدراماتيكية التي يمكن ان تفرز الكثير من التداعيات السلبية التي ستحمل في طياتها احتقانات واندفاعات في اتجاهات متعاكسة. الاستغلال الاسرائيلي والى جانب ذلك فإن اسرائيل تستغل الحرب الامريكية في افغانستان لممارسة المزيد من الضغوط على السلطة الفلسطينية من جهة ولتأليب الرأي العام الامريكي والدولي ضد الشعب الفلسطيني ونضاله المشروع بحيث يتم تصوير هذا النضال على انه شكل من اشكال الارهاب الامر الذي سيوفر لاسرائيل الغطاء السياسي اللازم لمواصلة حرب الابادة ضد الفلسطينيين على اساس ان ما يجري هو جزء من حملة مكافحة الارهاب والسيناريو الصهيوني في هذا السياق واضح تماما فكما ان الولايات المتحدة والدول الغربية المساندة لها تشن الحرب المدمرة في افغانستان من اجل القضاء على حركة الارهاب واجتثاث جذوره فإن اسرائيل تفعل الشيء نفسه وبالتالي فإن من واجب الولايات المتحدة الامريكية والدول الغربية الاخرى مساعدة تل ابيب في حربها المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني. وهذا يمثل ذروة تداعيات الحرب الامريكية على افغانستان فعندما يتم تضليل الرأي العام العالمي بهذه الطريقة الخطيرة والمشوهة فإن اسرائيل ستكون قادرة على تحقيق المكاسب الكبيرة سواء في تصعيد العدوان ضد الفلسطينيين او من خلال استقطاب المزيد من التأييد الدولي لما تقوم به من جرائم وممارسات وحشية ضد الشعب الفلسطيني. ويؤكد المحللون السياسيون انه اذا ما استمر الوضع على ما هو عليه الآن فإن السلطة الفلسطينية ستفقد الكثير من اوراق اللعبة وستجد نفسها في مأزق لا يمكن الخروج منه إلا من خلال العودة الى سياسة حشد وتعبئة الطاقات والقوى الفلسطينية في مواجهة العدوان الاسرائيلي. المعادلة الصعبة وهذا يدل على ان المنطقة مقبلة على تطورات في غاية الخطورة وهي لابد ان تفرز معادلة سياسية صعبة جدا سواء بالنسبة للسلطة الفلسطينية او الدول العربية والاسلامية وما لم يرتق الموقف العربي الى مستوى هذا التحدي الكبير والخطير فإن احتمالات نجاح شارون في الاجهاز على السلطة الفلسطينية تصبح اكثر قابلية للتنفيذ من اي وقت مضى. ومن المؤكد ان كل شيء بات يتوقف الآن على الموقفين العربي والاسلامي فاذا ما تمكنت الدول العربية من تجاوز سلبيات هذا الوضع والانتقال الى مرحلة جديدة في التحرك والمواجهة فإن مشروع شارون الهادف الى تدمير السلطة الفلسطينية سيقسط لان واشنطن عندما تجد ان مصالحها في الشرق الاوسط باتت مهددة فإنها لابد ان تبادر الى لجم عدوانية اسرائيل وجلب شارون مكرها الى طاولة المفاوضات من جديد كما حدث سابقا مع اسحق شامير الذي ارغمته الولايات المتحدة على الذهاب الى مؤتمر مدريد وقبل ذلك عندما نجحت في دفع مناحيم بيجن رئيس وزراء اسرائيل الاسبق وهو الذي يعد الاكثر تطرفا في الكيان الصهيوني نحو الجلوس والتفاوض مع مصر ومن ثم التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد فالواضح ان الولايات المتحدة تبدو قادرة ليس فقط على لجم عدوانية اسرائيل بل ارغام هذه الاخيرة على العودة الى معادلة السلام وتقديم التنازلات الجوهرية للشعب الفلسطيني. ولكن هناك خشية من ان تتمكن اسرائيل من تحقيق ما تريد قبل ان تحدث الصحوة المطلوبة في السياسة الامريكية وفي هذه الحالة فإن الفلسطينيين سيعودون الى طاولة المفاوضات وهم مجرد اشلاء لا حول لهم ولا قوة وليست لديهم اية قدرة على المواجهة وفرض شروطهم العادلة على الطرف الاسرائيلي. بقلم: غزوان عمر ـ صحفي سوري