عندما يستقبل الرئيس الامريكي بوش الابن رئيس وزراء اسرائيل شارون في البيت الابيض ويعلن انه يمتليء بالفخر والشرف لهذا الاستقبال، فانه رغم جهله بالشئون الخارجية كان يعرف بالطبع انه لا يستقبل داعية سلام ولا رجلا من رجال البر والتقوى، بل كان يعرف انه يستقبل سفاحا رسميا مقدم للمحاكمة كمجرم حرب في دولة مثل بلجيكا التي لا يمكن تصنيفها كدولة معادية لاسرائيل او السامية بل العكس هو الصحيح. وعندما يعلن البيت الابيض بعد ذلك ان من حق اسرائيل ان تفعل ما تريد بالشعب الفلسطين ردا على عمليات المقاومة المشروعة، فانه بذلك لم يكن يقول كلاما لن تتم ترجمته الى وقائع كما تعودنا من بيانات الشجب العربية الشهيرة ولكنه كان يعطي لشارون تصريحا بالقتل بكل معنى الكلمة ترجمته الفعلية هي القتل والتدمير الذي تجاوز كل الحدود وطال مؤسسات السلطة الفلسطينية ووصل الى باب الرئيس عرفات، وكذلك استخدام الطائرات الامريكية واحدث الاسلحة في ترسانة واشنطن التي لم تكتف باهدائها لمجرمي الحرب الاسرائيليين بل خرقت كل القواعد والقوانين لتعطيها التصريح باستخدامها في قتل شعب تحت الاحتلال. وواشنطن لا تفعل ذلك من اجل عيون شارون، ولا من اجل خاطر اللوبي الصهيوني القوي في امريكا، ولكنها اساسا تفعل ذلك لانها تراه الطريق لتحقيق مصالحها في المنطقة، ولفرض سياساتها ووضع خريطتها الجديدة للشرق الاوسط موضع التنفيذ. الوضع الخطير الان لا يتمثل في ان السفاح شارون خدم واشنطن وباع لها اكذوبة ان منظمات المقاومة الفلسطينية منظمات ارهابية وان عرفات هو بن لادن الآخر، ولكن الخطورة تكمن في ان هذه هي قناعة واشنطن الاساسية، ورسالتها لشارون قبل ضرب افغانستان كانت بالتحديد: ابق ساكنا وسترى كم ستكون جائزتك كبيرة وهو الآن يحصل على جائزته. والعدوان مستمر والصمت العربي مستمر، وامريكا لن تتدخل الا في اللحظة التي تناسبها وبالشروط التي ترضاها مادامت متأكدة من ان مصالحها في امان تام، والمطالب لم تعد خافية فانهاء الانتفاضة وضرب المقاومة واستعادة الهدوء بنسبة 100% بالتمام والكمال. وبعدها سيتوقف القتل والتدمير ويستمر الاحتلال. ويرفع الحصار لتبدأ مفاوضات تستمر سنوات ولا تنتهي لشيء ويرفع سيف الفتك عن عنق عرفات لتبدأ رحلة تصفية القضية بكاملها. والشارع العربي ينتظر الكارثة بهدوء والنظم العربية تراهن على ان امريكا ستتدخل وتوقف المذابح فهي مضطرة لاستعادة الهدوء واعلان الهدنة في فلسطين لكي تبدأ في ضرب العراق ولا تسألوا عن المصير العربي بعد ذلك. جلال عارف