الذين عاصروا مرحلة الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 بقيادة ارييل شارون، او شاركوا في وقائعها باشكال مختلفة، او كانوا قريبين من تفاصيل الساعات الحرجة التي رافقت حصار العاصمة بيروت لمدة ثلاثة اشهر كاملة، يلاحظون وجود كثير من التشابه بين وقائع تلك المرحلة الصعبة وما يحدث في الاراضي الفلسطينية المحتلة حاليا، وكأن التاريخ يعيد نفسه، مع اختلاف جزئي في ظروف المرحلتين. وبمقارنة بعض وقائع وملابسات المرحلتين نجد امامنا المحصلة التالية: عام 1982 كان ارييل شارون هو صاحب القرار في الجانب الاسرائيلي، بصفته وزيرا للدفاع والمسئول عن عملية الغزو، حيث تقدمت القوات الغازية حتى العاصمة بيروت ثم فرضت حصارا كاملا عليها، وبعد ذلك تركز القصف على المدينة برا وجوا وبحرا، وفي صورة متواصلة. ومن الملاحظ ان شارون يعيد السيناريو ذاته اليوم في قطاع غزة والضفة الغربية ولكن بصفته رئيسا للحكومة، هذه المرة وصاحب القرار الاول والاخير في الدولة العبرية. عام 1982 كان الطرف المقابل الذي توجه اليه «رسائل» الحصار والقصف والضغوط الدبلوماسية هو رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، ومن خلفه او الى جانبه القوى اللبنانية التي تؤازر المقاومة الفلسطينية، ومع ان ساحة المواجهة تغيرت بعد عشرين عاما، وغدت مدن نابلس وغزة وجنين وطولكرم وبيت لحم .. بدلا من بيروت، الا ان الاسلوب المعتمد هو ذاته كما ان اختلاف وجهات النظر حول مسألة الصمود في وجه الضغوط الاسرائيلية او الاستسلام لها، تتشابه كثيرا، مع فارق ان اطرافا لبنانية كانت معنية مباشرة بوقائع 1982، بينما يواجه الشعب الفلسطيني وحده هذه المسئولية حاليا. عام 1982 كانت الدول العربية تطالب القيادة الفلسطينية بالرضوخ لارادة الغزاة الاسرائيليين، بذريعة انقاذ ابناء بيروت من جحيم القصف الاسرائيلي (باستثناء احدى الدول التي رفعت شعار «الانتحار ولا العار»). ويبدو ان الدول العربية تفعل الشيء نفسه الآن، ولكن تحت عنوان آخر هو «ليس في اليد حيلة» فهي تخشى تطور الامور الى ماهو اسوأ من المواجهة الاسرائيلية ـ الفلسطينية في الوقت الذي تعجز عن تقديم اي دعم يتجاوز المساعدات المادية المحدودة التي تقدمها الى الشعب الفلسطيني الآن. عام 1982 كانت الولايات المتحدة تقوم بدور الوسيط غير المحايد بين الطرفين من خلال مبعوثها فيليب جيب الدبلوماسي المحترف، الذي كان يتولى نقل الرسائل المتبادلة بين ارييل شارون وياسر عرفات مع ممارسة ضغوط مستمرة علي القيادة الفلسطينية لقبول مطالب شارون. ولان لكل ادارة امريكية رجالها، فان الولايات المتحدة تمارس دور «الوساطة» الآن عبر جنرال متقاعد هو انطوني زيني و مستشار وزير الخارجية ودبلوماسي محترف هو وليام بيرنز ولا يختلف دور المبعوثين الحاليين او اسلوبهما عن دور واسلوب «المرحوم» فيليب حبيب، وان كان شكل الجنرال زيني لا يترك مجالا للخطأ حول نوع الرسائل التي يحملها من شارون، او بالاحرى طبيعة مهمته هو ومع ان ظروف الولايات المتحدة، نفسها، تختلف عن ظروفها عام 1982 بسبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر الماضي، الا ان انحيازها لاسرائيل ظل على قوته ووضوحه. فموقف وزير الخارجية الامريكية آنذاك الكسندر هيج الداعم لاسرائيل بدون تحفظ، يوازيه موقف الادارة الامريكية كلها الآن، ولا يترك الرئيس جورج بوش فرصة الا ويعبر فيها عن هذا الدعم، متخذا شكل مآخذ على الفلسطينيين، او الاختباء وراء الذريعة التقليدية المعلنة وهي «أمن اسرائيل». اما التكتيك الذي اعتمده شارون بالتنسيق مع المبعوث الامريكي عام 1982، فهو يعتمده الآن: يرسل شارون لائحة مطالبه الى عرفات، فيجيب عليها الاخير باسلوبه الخاص، او ضمن الظروف التي يستطيع اتخاذ قراراته فيها. وغالبا ما تكون الاجابات ناقصة او غير واضحة تماما، او لا تلبي في مضمونها الشروط المحددة، فيأمر شارون باستئناف القصف «التكتيكي» بهدف ضمان الرضوخ الكامل، ولعل الصور تتشابه في كلا المرحلتين، اذ بينما كانت القذائف والصواريخ تلاحق عرفات في شوارع بيروت وتحول الابنية التي يختبيء فيها الى ركام، فان صواريخ شارون توجه الآن الى مكان واحد محدد، باعتبار ان لعرفات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية مقرا معروفا، ولديه اجهزة رسمية، ومن هذه الناحية لا يواجه شارون اية مشكلة وتدل النتائج الراهنة على ان الصواريخ الاسرائيلية استطاعت حتى الآن تدمير معظم مؤسسات السلطة الفلسطينية لا سيما مراكز الاجهزة الامنية، ولا تزال عملية التدمير المنهجي متواصلة. في عام 1982، كانت «الرسائل» الصاروخية التي يوجهها شارون الى عرفات، ويحمل الجانب المكتوب منها فيليب حبيب، تهدف الى حمله على حسم امره واتخاذ القرار المطلوب منه بمغادرة بيروت مع عدة آلاف من مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، على ان يتم ترتيب الوضع اللبناني بعد ذلك بما يخدم المصلحة الاسرائيلية (وما حدث بعد ذلك في هذا الجانب قصة طويلة ونتائجه معروفة). فما هو مضمون رسائل شارون حاليا، الصاروخي منها والمكتوب، او تلك التي ينقلها الجنرال انطوني زيني باسلوبه الخاص؟ ان لائحة الشروط التي نقلها زيني الى عرفات تبدو طويلة، ذلك ان مضمونها لم يعد يقتصر على انهاء الانتفاضة الشعبية، بل اصبح يشمل حل منظمات المقاومة الفلسطينية واعتقال نشطائها وتسليم بعضهم الى اسرائيل، وهم ممن تنطبق عليهم مواصفات «الارهاب» الاسرائيلية ـ الامريكية المشتركة، بالاضافة الى اعادة النظر بوضع الاجهزة الامنية الفلسطينية المتهمة بالارهاب ايضا ومصادرة الاسلحة غير الرسمية وتسليمها الى الجانب الامريكي. لكن الاخطر من ذلك او محصلة كل ذلك ان شارون و «الوسيط» الامريكي يضعان عرفات امام خيار واحد: اما تنفيذ هذه الشروط كلها، واما مواجهة احد مصيرين: القتل، او الخروج الى موقع لجوء جديد، قد يكون عمان او القاهرة، وربما تونس التي لا تزال تحتضن المقر الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومن الواضح ان الوساطات العربية والاوروبية تستهدف انقاذ عرفات من هذا المصير المرسوم له. اما بقية هذا السيناريو الاسود فينص كما يعتقد كثير من المحللين على اعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية ثم تقسيمها الى اجزاء يفرض عليها حكم عسكري، كما كان الحال في السابق، وبذلك تعود الامور الى مرحلة ما قبل اوسلو، وهو ما يسعى اليه شارون، ليبدأ المفاوضات مع الفلسطينيين بشروط جديدة. ليس هناك في كل مايطرحه شارون، او ينويه وما تتضمنه الرسائل الامريكية، اي مكان للسلام الذي تحدثت عنه الادارة الامريكية اخيرا، او اية فرصة لقيام دولة فلسطينية كتلك التي جاء وصفها على لسان الرئيس جورج بوش ووزير خارجيته كولن باول، ماتدعو اليه الادارة الامريكية الآن هو تنفيذ اجراءات امنية فقط، في الوقت الذي يضغط شارون على عرفات والشعب الفلسطيني بمزيد من القصف، وبتشديد الحصار، وبتقطيع اوصال المناطق الفلسطينية وبتصعيد حرب التجويع، ودائما بالمزيد من القتل. عندما يرى انطوني زيني ان اجابات عرفت غير كافية، يكون الجواب عند شارون مزيدا من الضغط، وبذلك يؤدي كل منهما دوره المقرر. هل لدى عرفات هامش للمناورة الآن اكثر من ذاك الذي كان متاحا له عام 1982 في بيروت؟ ذلك هو السؤال. وايا يكن الجواب، وهو امر ثانوي حيال نوع القرار المطلوب اتخاذه، فلابد من القول ان مسيرة اوسلو لم تكن لتحقق افضل من هذه النتائج، خصوصا في ظل عجز عربي مستمر، وامام انحياز امريكي كامل للعدوان الاسرائيلي يجري التعبير عنه يوميا بجميع الوسائل. ولكن اذا كانت منطقة الشرق الاوسط ستحرم من السلام والاستقرار لسنوات عديدة اخرى، وهذا هو المتوقع في ظل سياسة التدمير الشارونية فان اسرائيل ايضا لن تنعم بالامن الذي يتحدث عنه شارون، ولن تكون ثمة فرصة لقيام «اسرائيل الكبرى» التي مازال البعض يحلم بها مهما بلغت درجة التواطؤ الامريكي. بقلم: رياض ابو ملحم ـ كاتب لبناني مقيم في باريس