في حوار مع «البيان» في بيروت أكد المدير الاقليمي لمنظمة العمل الدولية الفرنسي جان جاك سيرفيه ان الحريات في لبنان بخير رغم وجود احتلال وحياة سياسية معقدة مشيراً إلى انه يشعر بنقص الحرية في بلده فرنسا ويقول انهم هناك يأخذون جواز سفره اربع مرات للتدقيق كلما مر بأحد المطارات الفرنسية. وقال سيرفيه انهم يواجهون صعوبات في العمل في المكتب الاقليمي خاصة في فلسطين التي قال انهم يقومون بعشر تجارب عمل فيها على أمل النجاح في واحدة منها في أحسن الأحوال. وفيما يلي نص الحوار: ـ ثمة لغط اثير حول وضع الحريات في لبنان مؤخراً، خاصة على مستوى المدارس والجامعات والنقابات. ففي اية خانة يمكن تصنيف مثل هذا اللغط؟ ـ بالنسبة لموضوع الحريات الذي اثير منذ فترة، وشاهدناه، دون انقطاع ويمسّ حرية الطلاب، والدخول إلى حرم الجامعات، دون اذن فذلك موضوع حساس، وعلى الدولة معالجته. وهذا يحصل في مختلف البلدان، منها فرنسا، ولكن كل دولة لها اساليبها للحد من تلك القيود، لكنه لا يجب ان يخرج من اطار الاخذ والرد. لذلك فانني ارى ان هذه المشكلة بديهية، ويمكن ان تثار دائماً. فانا كنت مديراً عاماً في احدى المنظمات في «تايلاند» وطرح الموضوع نفسه. لذلك فان هذه المشكلة غير محدودة، ولا يمكن معالجتها سريعاً. وكما ذكرت فان هذه المشاكسات حدثت في أوروبا فالطلاب كلهم حماس واندفاع. وهذا دليل سلامة وجود ديمقراطية. ولكن اود ان اقول ان هذا الموضوع، يتخطاني فهو ليس من اختصاصي، وطبعاً لدي الكثير من المعلومات عنه. وانا على اطلاع دائم، لان هذا الموضوع يهمنا جميعاً. الحرية ليست قولاً ولكن اود ان اقول ان الحرية ليست بالقول فقط لانها لا تمارس فعلياً اذا بقيت هكذا، بل يجب تطبيقها على الارض. اذ انني سأذكر شيئاً ولكنه تعبير عن الحرية أيضاً فانا في كل مرة اصل إلى المطار في فرنسا علي ان اظهر جواز سفري على الأقل اربع مرات، فهل اصف ذلك بالحرية؟. انها مقيدة نوعاً ما ولكن لا نشعر بذلك؟ ـ هل يمكن للتجمعات والنقابات ومختلف الهيئات في لبنان التعبير عن ارائها في تقديرك؟ واذا كانت حرية التعبير قائمة، فهل هي في المستوى الكافي؟ ـ خلال زيارة قمت بها إلى الاتحاد العمالي العام في بيروت اثير موضوع التنازع الديمقراطي، وتأليف النقابات. وكان هناك عدد كبير من المدراء، اما النقاش فكان سليما بالرغم من حدة المواضيع، وانني أرى ان مثل ذلك الاتحاد يتأثر جداً اذا جرى مس الحرية لانه عنصر اساسي في ابراز الحريات وممارستها. فانا شخصيا ارى ان الحريات تتطور وتتوجه نحو الأفضل بالرغم من الصعوبات، ولا توجد مشكلة كبيرة يمكن ان تمد من الحريات. فكل شيء قابل للمعالجة. وفي أي بلد كان، نلاحظ ان الحريات تعلن، وتسعى الحكومات إلى هذا جاهدة عبر مختلف الطرق، اما ما يلفت النظر في لبنان ان الدولة ومواطنيها يريدون من تلقاء أنفسهم تسوية وضع الحريات، والمهم هو وجود هذه الروح وتوافر ارادة لتطبيق سياسة الحريات. لنأخذ مثلا في فرنسا وبلجيكا، هناك حرية الاعلام مطلقة في المجالات المقروءة والمسموعة، فهناك يمكن انشاء جرائد جديدة، مثلاً لو وجد شخص من غير مواطني فرنسا تنقصه المعرفة والثقافة الفرنسية البحتة. ويمكن ان تنقصه المقدرة المالية أو الفكرية، وكل ذلك بسبب كونه غريباً عن فرنسا أو بلجيكا مثلاً. كما ان هناك فرقاً دائماً بين الحريات المعلنة وحقيقة استعمالها في لبنان وفرنسا والولايات المتحدة، وفي معظم البلدان العربية أو غير العربية لأنه يوجد عدم توازن اقتصادي في كل مكان. ضغوط ـ ما هي أبرز الضغوط التي تحول عادة دون ممارسة اللبنانيين لحرياتهم؟ هل صحيح ان السلطة اللبنانية تمارس القمع المقنع لجعل الحريات موجودة شكلا أكثر، مما هي مضموناً؟ ـ تختلف الضغوط من بلد إلى بلد، وكل سلطة لها أساليبها بالقمع، ولكن السلطة اللبنانية تجد ان القمع ممكن ان يكون احد السبل. ولكنني لست متأكداً، لان هذا موضوع يتخطاني وهو خارج عن صلاحياتي. ـ هل تحدّ الظروف والتطورات الخارجية عامة من ممارسة الحريات في بلد ما في العالم؟ لماذا؟ واذا ما تعارضت الحرية مع سياسة الدولة الخارجية وعلاقاتها وصداقاتها، هل تعيد النظر بعلاقاتها، أم تحد من حرياتها لصالح تحصين هذه العلاقات؟ ـ طبعاً كلما يحدث سلباً يؤثر مباشرة في بلدان معينة، وغير مباشرة في بلدان أخرى. أنا لست متأكداً من مدى التأثير. وما هو، ولكن هذا ممكن. وبالنسبة للشق الثاني من السؤال، فان لكل دولة أساليبها في هذا الموضوع، فكل سلطة تسعى نحو الأفضل لمصلحة بلادها ان كان على الصعيد الداخلي أو الخارجي، أو على الصعيدين معاً. ولكي نتقدم في موضوع الحريات، وكي نتفهمه على المدى الطويل، فان على الدولة ان تكون لديها نية في ذلك. أما من جهة الطلاب فان عليهم ان يتفهموا الوضع الحالي الذي يمرّ به البلد من أزمات أو احتلال أو إلى ما هنالك من مشاكل. فالطلاب هم قدوة للجيل الجديد ومسئولون عنه، وعليهم ان يجاهدوا في سبيل مستقبل أفضل كي يكونوا عبرة ومثلاً أعلى لاولادهم، على ان يحولوا دون التزمرّ الذي يشكو منه الاخرون يوما ما، كما فعلوا هم من قبلهم، أي في وقتهم الحاضر. ـ ما التحديات التي تواجه الحريات في لبنان؟ ما الاخطاء؟ ما يهددها؟ ومن؟ ـ حتى الآن، لم الاحظ اية قيود من خلال تعاملي مع الاشخاص. فلبنان معروف ومشهور بحرياته المطلقة، فهو أفضل من غيره بالنسبة للعالم العربي على الأقل. اذ ان في كل الدول الديمقراطية، هناك قمع للحريات ويوجد، الكثير من الاشخاص الذين لا يحترمون الحريات، ولكنني شخصياً لم الاحظ أي تمزق خطير في موضوع الحريات على المستوى اللبناني ككل. فالناس لا يزالون يعبّرون عن انفسهم، وعن الحرية في كل نواحيها، عبر الكثير من الوسائل المختلفة المرئية والمسموعة. وهذا دليل على صحة التعبير اذ ان الكثير من الدول في عصرنا هذا تفتقر إلى هذه الحرية. وبالرغم من وجود حياة سياسية معقدة في لبنان، لانه بحد ذاته اشبه بمؤسسة متضاربة ومعقدة، فلا تزال الحريات فيه معلنة. وانا افهم طبعاً لماذا هذا التعقيد والتضارب. وما يزيد من ذلك هو مجموعة المواجهات التي يعاني منها هذا البلد مع إسرائيل، فمن الطبيعي ان نجد قمعاً للحريات على الحدود بين لبنان وإسرائيل، كذلك نلاحظ قمعاً لحرية التحرك. وذلك يحدث في كل بلد فيه احتلال للأرض الوطنية. ولكن على الدولة ان تبذل جهداً جهيداً لتأمين الاستقرار وايجاد سبل أمنية لحماية مواطنيها بقدر المستطاع. صعوبات ـ ما الصعوبات التي تواجه مهمتكم في لبنان؟ ـ المشكلة الاساسية هي البطالة في لبنان، وخصوصاً انه يخرج من فترة حرب اهلية مع الكثير من الدمار، والفقر، وزعزعة الاحوال وقلة الأموال، كما انه يواجه مشكلة اقتصادية حملت الكثير من اللبنانيين على ترك البلد وتأسيس شركات في الخارج وتهريب أموالهم، وذلك خوفاً من زعزعتها وخسارتها في لبنان. أما دورنا في هذا الاطار فهو تأسيس اقتصاد سليم، ولكننا لا نستطيع المساعدة الا من خلال تقوية اليد العاملة ورفع مستواها وجودتها. ولكن تبقى المشكلة الكبرى مطروحة على الدولة اللبنانية نفسها والتي يجب عليها ان توفق بين نوعية العمل وكميته. وبالتالي يجب عليها ان تسهر على عمالها في القطاعين العام والخاص، لكن هذا يبدو مستحيلا في ظروف كالتي يمرّ بها لبنان، ولكن يجب على الدولة ان تسعى نحو الأفضل والامثل باستمرار. هذا من اقل واجباتها. اما نحن نساعدها بتوجيه النصائح، وتركيب آلية جديدة ومتطورة، ووضع خطط عمل لكي نحصل على التوازن الأفضل والممكن باستمرار. ـ ما طبيعة العمل الذي تقوم به منظمة العمل الدولية في لبنان، خاصة لجهة الاوجه المتعلقة بحريات العمل وممارستها؟ ـ صحيح انني مدير هذه المنظمة في لبنان، ولكنني مسئول أيضاً في بلدان الخليج منها الإمارات، اليمن، اضافة إلى سوريا، والأردن، وفلسطين أيضاً التي نعمل فيها بالرغم من عدم الاستقرار العام القائم هناك. ولكن على الصعيد اللبناني، لدينا عمل نقوم به في الجنوب والسبب هو الحالة الطارئة التي تسود المنطقة برمتها. ونحن نسعى لايجاد عمل للأسرى القدامى، ومهمتنا ان نخصص اشخاصاً ذوي خبرة في هذا المجال لكي يساعدوهم ويهتمون بأوضاعهم. ولدينا دور توجيهي أيضاً في تغيير أو اعادة تكوين التشريع الذي هو الآن، كما نعلم، في سياق التغيير، واننا نجاهد في سبيل تطوير العمل، والحفاظ على الأمن الاجتماعي، ونحن على علم بالاضطرابات الداخلية على الصعيد السياسي. فدورنا يكمن هنا في الحفاظ على النجاح الذي حققناه في كثير من البلدان النامية، وهو تزويد لبنان بالمعلومات المتطورة على جميع الاصعدة، وبالاخص تطوير مجالات العمل. وكوننا نعمل في لبنان، وفي بعض الدول العربية، لدينا مشاريع تغطي هذه المناطق كلها. والعمل الأساسي هو المساعدة الحقيقية والعلمية لرفع العمل إلى اوجّ درجاته وليس فقط وضع النظريات، والهدف هو ايجاد خطة مزوّدة بالمعلومات التقنية لتطبيقها على أسواق العمل، وذلك بتوجيه اليد العاملة حيث يجب ان تعمل، وكيفية استعمالها ووضع تنظيم لساعات العمل، لاننا نلاحظ ان اليد العاملة غير موجهة وغير منظمة، فهنالك الكثير من النقص في المجالات. ففي لبنان نجد عمالا يعملون حيث لا يجب، وبطريقة غير سليمة، وخصوصاً العمال الصغار في السن. وهذا ليس عادلاً. ان لدى منظمة العمل الدولية الكثير من الخبراء الذين يقومون بالاحصاءات والعمل التفصيلي. وهذا ما يسمّى «بالجمع»، أي جمع الابحاث بهدف المساعدة من اجل العمل، باستثناء الامارات، فهذا البلد لا يعاني من البطالة التي تنحصر بنسبة ضئيلة جداً بالنسبة إلى البلدان الأخرى. يمكن القول اذن ان دورنا الأساسي هو تقليص البطالة بقدر المستطاع. وذلك بوضع خطط عملية، وتكوين مهن، ومعرفة توجيهها. غسيل أموال وتشغيل أطفال ـ كيف تتصدى المنظمة لظاهرة عمل أو تشغيل الصغار في السن، بما تنطوي عليه من استغلال واقتناص للحريات؟ ـ لقد وضعنا جداول عمل مهمة، ومن أهمها موضوع الاولاد العاملين في مجالات خطيرة كالصناعة مثلاً. فنحن نسعى لمواجهة كل صاحب عمل يحاول ان يوظف ولدا كعامل لديه، فذلك غير مسموح، لسنّ معينة على الأقل، وهنا في لبنان فان أصحاب العمل على علم بكل ما يحدث. وبالرغم من ذلك فانهم يستقبلون اشخاصاً تحت السن القانونية للعمل لديهم. ويدور كل ذلك خفية. ونحن نلحظ هذه المشكلة بوضوح في العالم اجمع. وهناك بلدان لا تساعدنا في حل هذه المشكلة، لانه لا يزال أصحاب العمل «يخبئون» الاولاد العاملين لديهم أو يطواطأون معهم في الخفاء من اجل تأمين مصالحهم الخاصة. أما أنا فقد اتصلت وقابلت وزير العمل ووزير الخارجية في لبنان، وطرحت موضوع عمل الصغار معهما على مستوى يكون ملائماً للطرفين، كما وقعت بعض التعهدات التي تساعد على حل هذه المشكلة. وسأقوم بالأمر نفسه مع وزير الداخلية، فسأحاول مقابلته لمناقشة الموضوع معه أيضاً. ـ ما الامكانيات المتوفرة لعمل منظمة العمل الدولية من خلال مكتبها الاقليمي ببيروت في فلسطين؟ ـ العمل في فلسطين أصعب من غيره من الأعمال التي نقوم بها، كون هذا البلد في حالة من الاضطرابات العسكرية والاوضاع غير الامنة. ولكي اكون صريحاً فاننا نقوم بعشر تجارب لكي ننجح بواحدة. ولكنني سعيد بالنجاح الذي نحققه. وبدل ان نعقد اجتماعاتنا في «غزّة»، فحاولنا ونجحنا في نقل الوحدة الإدارية الفلسطينية إلى «عمان»، لكي نلتقي بها ونثير المشاريع التي يجب البحث بها. ونحن نضغط على وزارة العمل الفلسطينية للتجاوب والتأقلم معنا. ونعرض عليها مساعدتنا وذلك باعطائها المال الكافي لانماء مشاريع العمل لديها. ونحن نركز على ايجاد أجهزة عمل مستحدثة، وبالاخص التركيز على عنصر تكوين تكتلات ووحدات محلية واقليمية. بيروت ـ رانيا يونس: