بدأ كل شيء بعد سقوط طائرة «ياك 40» بتاريخ 17/5/2001 والتي كانت تحمل على متنها وزير الطرق والمواصلات الايراني وعدداً من المسئولين الايرانيين وسبعة من نواب محافظة كلستان في شمال ايران في البرلمان. فمع وقوع هذه الكارثة تم طرح انتخابات محافظة كلستان في جدول اعمال البرلمان الايراني الذي يحظى بأكثرية الاصلاحيين. وتمت المصادقة على اقامة هذه الانتخابات بصورة اضطرارية. وعند الموعد المحدد لهذه الانتخابات سجل عشرات المرشحين اسماءهم للمشاركة فيها وجاء هذا الأمر في وقت رفض فيه مجلس صيانة الدستور سبعة وستين اسماً من المرشحين والذين كان اكثرهم ممن يطلق عليهم «جبهة الثاني من خرداد» وهي الاتحاد الاصلاحي المؤيد لحكومة الرئيس محمد خاتمي. وعقب ذلك بادر مجلس الشورى الإسلامي بأكثرية ساحقة إلى طرح لائحة قانونية مستعجلة الزم فيها اللجنة المشرفة التابعة لمجلس امناء الدستور ان تعلن دلائل رفض صلاحية مرشحي البرلمان. ويذكر ان مجلس صيانة الدستور يشرف على القوانين واللوائح وفي حال عدم موافقته على القوانين واللوائح من البرلمان تصبح لا اعتبار لها. ورفض مجلس صيانة الدستور هذه اللائحة وجواباً على ذلك قام مجلس الشورى مرة اخرى وبالاكثرية الساحقة والتي شملت الاقلية المعارضة بالمصادقة على اللائحة القانونية المستعجلة بعد ان أجرى عليها بعض الاصلاحات ودفع بها هذه المرة إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يرأسه الرجل القوي في ايران هاشمي رفسنجاني. وهناك احاديث خلف الكواليس بأن رفسنجاني وفي اشارة منه إلى المجمع سيوافق على هذه اللائحة القانونية وسيبدي نوعاً من المرونة امام الاصلاحيين في البرلمان وخاصة جبهة المشاركة الاسلامية التي وقف اعضاؤها ضده في انتخابات الدورة السادسة للمجلس وستؤدي هذه الغمزة من رفسنجاني إلى رجوعه إلى الساحة وتعيد له أيضاً القدرة السابقة. وهناك من يرى ان جبهة الاصلاحيين ولعدم وجود رجل آخر يخلف الرئيس خاتمي في انتخابات رئاسة الجمهورية في يونيو عام 2005، تفكر في المصالحة مع هاشمي رفسنجاني حيث في حال توافق الجانبين يُسهل عودة رفسنجاني مجدداً للساحة السياسية. خيبة أمل لكن مجمع تشخيص مصلحة النظام وبرفضه القاطع للائحة المجلس وتأييده مجلس صيانة الدستور الذي يضم وجوهاً معروفة من المحافظين خيب امل كل الذين كانوا يحللون الامور بهذه الطريقة وزادت الهوة بين رفسنجاني وجبهة الاصلاحيين اكثر من قبل وبعد فترة قصيرة وبعد الخطوة التي اتخذها مجمع تشخيص مصلحة النظام تمت انتخابات محافظة ككستان دون حضور اي مرشح من الاصلاحيين. وبذلك فقد الاصلاحيون عدداً من المقاعد في البرلمان ومع ان هذا التغيير ليس له اثر بالنسبة للاكثرية الساحقة للاصلاحيين في البرلمان الايراني لكن له انعكاس واسع في اوساط الاصلاحيين خاصة انهم يشعرون الان بقلق ازاء انتخابات الدورة السابعة بالنسبة لرفض صلاحية ترشيحهم من قبل مجلس صيانة الدستور وقلقهم ايضاً من الحذف. ويمكن القول ان من اشعل فتيل هذا الصدام بين جناحي المحافظين والاصلاحيين في انتخابات محافظة ككستان هو حبيب الله عسكر اولادي الامين العام لجمعية المؤتلفة الاسلامية واحد الوجوه البارزة للمحافظين في ايران وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام حيث كان قد اعلن ان عدداً من ممثلي مجلس الشورى الإسلامي هم من المخترقين واعداء استطاعوا النفوذ في المجلس ويريدون عن هذا الطريق مواجهة النظام الإسلامي. وتبع عسكر أولادي عدد من الشخصيات والمؤسسات والأحزاب المحافظة في الهجوم على البرلمان الذي يضم الأغلبية من الاصلاحيين واتهموا النفوذيين بأنهم يريدون اضعاف النظام الإسلامي وحكومة ولاية الفقيه. بهزاد نبوي احد الوجوه المعروفة للاصلاحيين والذي يعرف بأنه مفكر الاصلاحات، اعلن جواباً على الاجراءات والآراء ان المحافظين المنافسين التقليديين للاصلاحيين وهم الاقلية في البرلمان والسلطة يحاولون الحصول على فوز في انتخابات الدورة السابعة لمجلس الشورى الاسلامي، دون منافس. وأعلن نبوي ان المعارضين للاصلاحات يرمون إلى اظهار الاصلاحيين والذين هم الآن الاكثرية في المجلس والحكومة بعدم الانجاز بالنسبة للحكومة ليمنعوا بذلك وصول الاصلاحيين إلى الانتخابات المقبلة. واتهم بهزاد نبوي الاقلية المحافظة بأنها تيار داخل مجلس الشورى يلعب بمصير الثورة والنظام والبلاد. وأكد انه ورغم مواجهة الحركة الاصلاحية في سبيل الوصول إلى أهدافها نوعاً من الفشل الا ان الجماهير تفضل هذه الحركة وترى انها أفضل حركة انتخبتها حتى الآن. مواجهة مع الناس ومن جهة اخرى وصف علي تاجرينا ممثل مدينة مشهد في البرلمان اجراءات مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام بأنها لا تتطابق مع رأي المجتمع وبالتالي تؤدي إلى ضعف القرارات الايرانية على مستوى المنطقة والعالم. ورأى ان اجراءات مجمع تشخيص مصلحة النظام هي نوع من المواجهة مع آراء الناس. وفي اعقاب هذه الاجراءات والتصادم السياسي لجناحي الاصلاحيين والمحافظين تشكلت نظريتان: الأولى هي ان مجموعة اهم عناصرها عباس عبدي العضو في اللجنة المركزية لجبهة المشاركة الاسلامية الايرانية واحد أعضاء الطلاب السائرين على نهج الامام الذين احتلوا السفارة الامريكية في عام 1979 أعلنت ان الاصلاحيين سواء كانوا في الحكومة أو في البرلمان يجب ان يتركوا السلطة لانهم واثناء وصولهم إلى السلطة لم يستطيعوا ان يوفوا بالوعود التي اعطوها للجماهير، بسبب مقاومة الاقلية المحافظة في المجلس والسلطة ولذلك يجب على الاصلاحيين ان يفصلوا انفسهم عن المحافظين الذين لا يحترمون آراء الاغلبية. وفي اعقاب هذه التصريحات والآراء المشابهة لعدد من الوجوه السياسية وكذلك بقاء الرئيس خاتمي لايام في منزله لاصابته بآلام في الظهر تعززت شائعات اعتراض الرئيس الايراني الموالي للاصلاحيين على الاجراءات التي قام بها المحافظون في السياسة الداخلية والخارجية وكذلك قويت شائعة استقالته في الاوساط المختلفة. الثانية هي اعتقاد مجموعة من الاصلاحيين والذين يشكلون أغلبية المقاعد في البرلمان بأن لا خيار امام حل هذه القضية سوى اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي. وفي هذا الخضم يرى بعض وجوه الاصلاح في البرلمان الايراني هذا الرأي ويؤكدون عليه. لكن هذا الاستفتاء لا يأخذ شكله القانوني الا بموافقة ثلثي أعضاء البرلمان وبعدها موافقة المرشد آية الله علي خامنئي. والظاهر انه من الصعب الوصول إلى ذلك. ومن جهة اخرى يرى مؤيدو فكرة الاستفتاء ان الاغلبية الساحقة من ممثلي الشعب قد قدموا لائحة قانونية مستعجلة وأن اغلبية أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام وكذلك مجلس صيانة الدستور ورفضوا ذلك اذن الحل النهائي هو الرجوع المباشر لاراء الشعب. ومع ذلك فان هناك غموضاً كبيراً يخيم على موضوع الاقتراع. ومن جملة ما يدخل في دائرة الابهام والغموض هو إلى ماذا يهدف الاصلاحيون من الاقتراع؟ هل سيكون حول تغييرات في الدستور أو تعديل بعد بنوده أو يهدفون إلى تحديد وظائف مجلس صيانة الدستور أو أهداف اخرى تدور في رؤسهم؟. الخروج من السلطة ان البرلمان الايراني الذي يتكون من الاغلبية الاصلاحية يعيش هذه الفترة وأكثر من اية فترة القلق والاحساس بفقدان السلطة وعدم القدرة على مواجهة مع المحافظين الذين يسيطرون على اماكن حساسة في النظام السياسي الايراني. الكثير من القوانين واللوائح التي اعتبرها الاصلاحيون استراتيجية توقفت بفعل حق النقض «الفيتو» من جانب مجلس صيانة الدستور. ويرى المراقبون ان البرلمان بالاكثرية الاصلاحية يتهاوى وبالتدريج نحو الفقدان الكامل والخروج من السلطة السياسية. والسؤال الآن هو هل سيكون اليأس والاحساس بالضعف عاملين في إيران إلى ان يقدم الاصلاحيون الاستقالة اعتراضاً على هذه الظروف؟ وهل ستترك حكومة خاتمي وقبل اتمام سنواتها الأربع الثانية، الساحة السياسية الايرانية؟ طهران ـ علي منتظري: