سؤال ربما استنكره البعض، فالسودان في نظرهم قد قرر مصيره بإعلان الاستقلال من داخل البرلمان وبإجماع رائع شاركت فيه كل أقاليم السودان بما فيها الأقاليم الجنوبية وان ارتبطت موافقتها بالنظر الى مطالبها بالحكم الفدرالي عند وضع الدستور الدائم للبلاد، اليوم كل شيء قد تغير محليا واقليميا وعالمياً، محليا ادى انتشار التعليم والوعي بالمصالح خاصة في الأطراف الى تكوين تنظيمات اقليمية للمطالبة بازالة المظالم في المناطق المهمشة شعارها (المشاركة والتنمية والمتوازنة) وحمل بعضها السلاح في مواجهة السلطة المركزية وهي العملية التي بدأت بتمرد محدود في جنوب السودان عام 1955 ولها اليوم أبعاد اخرى، فالقضية لم تعد في اطارها القديم شمال وجنوب بعد ان تغيرت المفاهيم القديمة، الان غالبية الجنوبيين نزحوا للشمال ليحتموا باخوتهم في الشمال من اثار الحرب التي دمرت الجنوب وشردت مواطنيه، والحركة الشعبية وهي الفصيل الرئيسي تتحدث عن سودان موحد شريطة ان تتوفر فيه المساواة والعدالة. الوحدة الطوعية وهي المصطلح الذي وجد القبول على الأقل نظريا من كل القوى الاجتماعية في السودان تعني مراجعة كل مراحل الحكم الوطني مراجعة نقدية تحدد بموجبها الأخطاء والعوائق التي أدت الى الرفض والتمرد والمواجهات المسلحة والاعتراف بوجود ازمة معقدة من الصعب معالجتها بالمسكنات والوعود والشعارات او استخدام القوة لفرض ارادة ورؤية جماعة ما على الاخرين. ازمة لا يمكن حلها الا في اطار ديمقراطي، والعملية الديمقراطية تبدأ حينما يعلن كل أطراف النزاع ان القوة لم تعد مقبولة كوسيلة لحل الاختلاف السياسي. قضية الحرب والسلام والديمقراطية في السودان لم تعد هما وطنيا بعد ان تصاعد في الايام الاخيرة دور الاسرة الدولية خاصة الاتحاد الاوروبي وامريكا التي زار مبعوثها جون دانفورث الخرطوم وتقدم للمسئولين بمقترحات عكست اهتمام الولايات المتحدة بقضية الحرب والسلام لا في الجنوب فحسب كما يتصور البعض بل بمناطق اخرى هي ايضا متأثرة بالصراع المسلح ولكنها جغرافيا في شمال السودان. مقترحات المبعوث الامريكي يمكن اجمالها في: ـ تسهيل تدفق المساعدات الانسانية لمناطق جبال النوبة. ـ خلق مناطق آمنة لانسياب الاغاثة. ـ وقف قصف الأهداف المدنية. ـ الحد من اختطاف النساء والأطفال. جبال النوبة للذين يتحدثون بالمفاهيم القديمة وعن فصل الجنوب عن الشمال هي المنطقة التي خصها دانفورث باهتمام اكثر فالقضية في نظرهم ليست محصورة في حدود الجنوب الجغرافية ربما لاسباب غير معروفة للكثيرين خاصة خارج السودان وهي أن القوة الضاربة للحركة الشعبية مكونة اساساً من عناصر من جبال النوبة يقدرها البعض بأكثر من 60% من الجنود. وفي هذا تأكيد على قومية القضية واستحالة معالجتها الا في اطار واحد هو السودان الموحد اما انصار الحلول الجزئية والثنائية والداعين للانفصال عليهم مراجعة مواقفهم ان كان دافعهم لها مصلحة البلاد. طوعاً وبالتراضي فالسودان لن يحكم الا بالتراضي ولن يتوحد الا طوعا اما مشاكله مع كثرتها فهي ليست صعبة ان صفت النفوس واتجه الجميع للجلوس حول طاولة مستديرة والحوار بشفافية وصدق حول القضايا بهدف ايجاد حلول دائمة لها والاستعداد لمواجهة التحديات المستقبلية المواجهة لبلادنا المنكوبة، الحوار، قبول الاخر احترام حقوق الانسان، الحريات العامة، الاستعداد النفسي لاعادة بناء مؤسسات الحكم والقواعد والمعايير الرسمية وغير الرسمية للتفاعل الاجتماعي هي الارضية المشتركة للتفاكر في سودان المستقبل. بمعنى ان نعد انفسنا لمرحلة جديدة لادارة الاختلاف والاتفاق على الاطار ـ الفترة الانتقالية، البرنامج الحاكم لمسيرة البلاد والمحدد للخيارات المطروحة مع إعطاء خيار الوحدة الفرصة والبيئة المناسبة كي ينمو ويثمر بعد تجفيف كل مصادر النزعة التسلطية في الدولة والمجتمع ومعالجة كل ما افرزته من تطرف وعنف وفقدان للثقة بين ابناء الوطن الواحد ـ بتعميق مفهوم المجتمع المدني ودعم قيم التسامح والتعاون والتعايش في بلد المواطنة فيه هي الاساس للحقوق والواجبات، المعالجة الشاملة لا تعني الرجوع لما قبل 30 يونيو فالديمقراطية الهدف منها توفير المناخ والحريات وادارة الاختلاف سلميا ونحن في السودان في حاجة الى ميثاق وطني تحدد بموجبه معالم المجتمع الذي نسعى لاقامته وأسس الحكم الملزمة لمن في السلطة ولمعارضها وبرنامج يحدد للدولة دورها، حياد الدولة في المجتمعات المعاصرة لا يعني سلبية دورها، المطلوب هنا ان لا نعطي لجماعة بعينها ما يميزها عن الاخرين بسبب انتمائها الثقافي او الديني وان تهتم الدولة بالتنمية بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية وتعطي اهتماماً اكثر للثقافات المتنوعة ونسعى لتطويرها وابرازها كواجهة لبلد اهم ما يميزه التنوع الثقافي والديني وهي السياسة الصحيحة والبديلة للافكار المتطرفة الداعية للتذويب وهيمنة ثقافة الاغلبية والرافضة لدور هذه الثقافة في التواصل والترابط بين ابناء الوطن الواحد. تجارب الشعوب ما يحدث الان في افغانستان وما حدث في الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية فيه دروس وعبر للدول التي فيها مجتمعات متعددة اثنيا ومتنوعة ثقافياً ودينياً، هذه الدول مهددة بالتمزق ان لم تحافظ على وحدتها الوطنية وعلى قفل ابواب التدخل الاجنبي في شئونها الداخلية. لقد اصبح التدخل في الشأن الداخلي للدول امرا مشروعا ومسنوداً بإرادة دولية، ما حدث في افغانستان في الأيام الاخيرة فيه ما يؤكد بأن هناك مشروعا أمريكيا لصياغة العالم وفق معادلة محسوبة تعطي الأقوياء والأغنياء في العالم بقيادة الولايات المتحدة القدرة على التحكم عبر المؤسسات الدولية والشركات العملاقة متعددة الجنسية في السوق الموحدة وفي البشر!! اما الدولة القومية فقد تم ترويضها عبر عمليات متلاحقة «أدت الى غلبة المؤسسات فوق الدولية والشركات متعددة الجنسية ـ الخصخصة وربط مصالح شريحة مهمة في هذه الدول لتأثيرها في القرار السياسي بمصالح امريكا في المنطقة بهدف اضعاف هذه الدول وانكسارها. دول كثيرة تعاملت مع ما حدث في افغانستان بصورة غير مقبولة شعبياً خوفا من الصلف والغطرسة الامريكية وهي ـ أي امريكا ـ التي سعت الى احتواء وتأديب الدول والشعوب المتمردة على سياساتها. المثال الافغاني تتمتع افغانستان بموقع وسيط بين دولة لها مصالح متناقضة ـ باكستان ـ وهي التي دعمت طالبان املا في ان تتم لها السيطرة الكاملة على مجمل التراب الافغاني، ايران وموقفها الداعم للشيعة، جمهوريات اسيا الوسطى والخوف من تصاعد حركة الاسلام السياسي، روسيا والجرح العميق من هزيمة الجيش السوفييتي في تلك البلاد الهند ومشكلة كشمير ودور الاسلام كقوة دافعة للثوار فيها، الصين والثورة التي تم قمعها بعنف بعد ان اتهمت بأن لها علاقة بما حدث في افغانستان، اما الدولة «الجوكر» الولايات المتحدة الأمريكية وهي التي لعبت الدور الاساسي في تغيير موازين القوة، بدأت بالأمس في ضرب الوجود السوفييتي واليوم ضرب قاعدة الارهاب وهي التي ساهمت في قيامها ورعايتها. افغانستان اليوم بين نارين تدخل الدول في شئونها والصراع غير المبرر لجماعات متنافرة ومتخلفة «قبلية ودينية» اعمقها مصالحها ونظرتها القاصرة عن التفكير بعقلانية فيما وصلت اليه بلادها من دمار وما اصاب المواطنين من فقر وجوع وهي التي رهنت ارادتها لقوى اقليمية ودولية تسعى لتحقيق مصالحها المتناقضة اصلا مع مصالح الشعب الافغاني المنكوب والمطالب قبليا واقليميا بالردة والرجوع الى عصر ما قبل الدولة تحت الرعاية الامريكية، اهتمام امريكا بأفغانستان له ما يبرره لدولة عظمى في ظل مخطط للهيمنة الكاملة على كل اطراف الارض فلأفغانستان موقع وسيط ومميز التمركز فيها سوف يمكن الولايات المتحدة من اصطياد اكثر من عصفور بحجر واحدة: ـ مراقبة الدول التي تمكنت من انتاج اسلحة الدمار الشامل، كل الدول النووية غير الغربية لها حدود مباشرة او غير مباشرة مع افغانستان ـ الهند ـ باكستان ـ الصين ـ دول الاتحاد السوفييتي سابقا. ـ حماية دول اسيا الوسطى الاسلامية من ان يمتد اليها الاسلام السياسي. ـ التحكم في بترول بحر قزوين. ـ مراقبة الدول المتمردة «ايران» والمنافسة «الصين». ـ افغانستان مجاورة لدولتين بهما اعلى كثافة سكانية في العالم الهند والصين. المثال السوفييتي تعرضت دول هذه المنظومة الى موجات متلاحقة من التمزق بعد ان تفككت الدولة القائدة «الاتحاد السوفييتي» بنهاية الحرب الباردة تاريخيا قامت العديد من بلدان اوروبا الشرقية نتيجة لاعادة ترسيم الحدود في الامبراطورية الروسية السابقة وسقوط الامبراطورية العثمانية والامبراطورية النمساوية المجرية بعد هزيمتهما في الحرب العالمية الاولى، تكونت دول استونيا، لاتفيا، بولندا، تشيكوسلوفاكيا، يوغسلافيا وفق معادلة دولية من الاطراف السابقة للامبراطوريات المذكورة، اضافة الى المتغيرات التي حدثت عبر قرون في الحدود الفاصلة بين السيادات المطلقة، نزوح كثير من شعوب كثيرة الى اراض مسكونة لاسباب ادارية واقتصادية «هجرة الاتراك والمجرين» الى مناطق البلقان، النزعة التوسعية للدولة الروسية في القرن الخامس عشر ادت الى دمج اقاليم شاسعة وشعوب متنوعة، الهيمنة السياسية على تلك البلاد وعلى الشعوب الخاضعة للدولة الروسية الانوقراطية اطلق عليها مفكرو ذلك العصر الامبراطورية الروسية «سجن الامم». في ظل الاتحاد السوفييتي لم يصمد طويلا مفهوم مبدأ تقرير المصير كأساس للعلاقات الاساسية في الدولة متعددة القوميات وهو المبدأ الذي دعى له لينين وعارضه ستالين فيما بعد الذي اسس بعد وفاة لينين عام 1924 نظاما تسلطيا للحزب الشيوعي السوفييتي. فالدور القابض. الدور الروسي المركزي المهيمن اعطى العلاقة بين المركز والاطراف بعدا جديدا اصبحت بموجبه تحكمها الاعتبارات الامنية القائمة على تصورات حقيقية واحيانا مبالغ فيها. التركيز على المخاطر المحتملة من الشعوب غير الروسية في الاتحاد السوفييتي وهيمنة النظم القمعية التي تم فرضها في اوروبا الشرقية أدت الى الكثير من الثورات التي تم قمعها بعنف الى ظهور المسألة القومية رغم برنامج الحزب الشيوعي عام 1986 الذي جاء فيه ان المسألة القومية باعتبارها ميراثا من الماضي قد تم حلها بنجاح وفي غضون عامين تدهورت العلاقات الاجتماعية في الاتحاد السوفييتي مما دفع الحزب الشيوعي الى الدعوة الى اجتماع خاص لاعادة تدارس المسألة القومية حيث تم وضع اللوم حيال اتساع نطاقها على الحقبة الستالينية وما فرضته من تسلط ادى الى تعميق المشكلة، دور الحقبة الستالينية لا ينفي ما اضافه الاخرون اذ عملت الادارات المركزية السوفييتية على التعزيز والاخضاع الجماعي وتم الحفاظ على تماسك الدولة في اوروبا الشرقية عموما عبر نظم قمعية مسنودة بالتدخل فيها بقوات مشتركة من حلف وارسو ان حدثت اي توترات داخلها. استمرت هذه الحالة الى ان جورباتشوف الذي حاول احياء نظرية لينين بوقوفه مع مبدأ تقرير المصير تمشياً مع مقولته المشهورة «يتعين ضمان الاتحاد السلمي للشعوب في دولة متعددة القوميات عبر الاتحاد الطوعي المؤسس على القوة السياسية المتبادلة والمنافع الاقتصادية المشتركة». نتيجة للقمع وغياب الحريات وانشغال الدولة بقضايا لها بعد عالمي «الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية» والدخول في سباق التسلح، حيث بدأت في عهد جورباتشوف بوادر تفكك الاتحاد السوفييتي الى ان جاء الانقلاب العسكري وهو اخر مسمار تم غرسه ليحدث التفتيت بالصورة المذهلة والتي لم تكن متوقعة والغريب ان مسلسل التفكك مازال مستمراً والسبب هو وجود نفس الاسباب التي أدت الى تفتيت الجسم الكبير إضافة الى ان عملية الاصلاح في الدول الشيوعية قد انصبت على تفكيك مركزية السلطة القمعية وان الجماعات المعارضة قد صنفت بأنها خارجة على القانون مما احدث تعبئة لمرحلة جديدة اقرب الى التفكيك منها الى الوحدة. والامثلة كثيرة الصراع حول اقليم ناجرنو كرباخ بين اذربيجان وارمينيا ففي 23 ديسمبر 1991 صوتت حكومة اذربيجان المستقلة لصالح تفكيك الوضع الخاص لاقليم ناجرنو كارباخ داخل اراضيها. وفي ديسمبر 1991 اجرى شعب الاقليم استفتاء كانت نتيجته الوقوف مع استقلال الاقليم الامر الذي رفضته حكومة اذربيجان وقاد للمواجهة بين ارمينيا واذربيجان. الصراعات داخل روسيا وبقية دول الكومنولث مازالت مستمرة ـ الابخاز في جورجيا ـ الانجوش واعلان استقلال الشيشان الذي قاد الى حرب اهلية مازالت مستمرة في روسيا. استعراضنا لتجارب الشعوب والآثار المدمرة لفرض الوحدة بالقوة او الدعوة للتفكيك دون التمعن فيما قد يترتب عليهما امر يجب تجنبه في بلاد كالسودان بالاتفاق على مبدأ الوحدة الطوعية والعمل على ايجاد الأسس الداعمة لها ولاستمراريتها املا في اعادة بناء سودان جديد ومؤهل لدور محوري في المنطقة. الخرطوم ـ د. ابراهيم الأمين: