يكاد الحديث في الجزائر عن أحداث القبائل يطغى هذه الأيام على أعمدة الصحف وعلى محتويات الندوات السياسية والمجالس العامة رغم مرور ستة أشهر كاملة على نشوبها. في كل مقام تقرأ أو تسمع لفظة «عروش» الجديدة القديمة، اشارة الى الحركة الجماهيرية الواسعة التي قادت تمرد الربيع الماضي في بلاد القبائل البربرية. ويعود هذا الاهتمام الخاص الى كون هذه الحركة ظل دورها رئيسياً في آفاق البحث عن حل للأزمة الطويلة التي باتت تطرحها قضية البربر بهذه المنطقة في صراعها مع نظام الحكم و أفضت الى أعمال العنف والتخريب في أقصى صورها. والاستفسار الذي يصوغه المتتبعون وكتاب المقالات بشأن مطالب العروش الحقيقية: هل يتعلق الأمر فقط بمطلب الهوية (الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية في دستور البلاد الى جانب العربية) وهو مطلب خاص باقليم معين، يفترض أن يكون التفاوض بشأنه أمرا سهلا؟ أم ان تلك الانتفاضة تنم عن تراكم أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية أعمق وأشمل من أن تحل بأسلوب الحوار مع السلطة؟ فمن هم «العروش» وماذا يريدون؟ لعل تقديم مدخل وجيز في الذاكرة التاريخية كفيل بمساعدتنا في رسم صورة وافية عن الموضوع. في غمرة الاضطرابات المأساوية التي هزت الجزائر في الفترة الممتدة من شهر أبريل الى شهر يوليو من العام الجاري، لما ثار شباب منطقة القبائل ضد فرق الدرك الوطني في انتفاضة عارمة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد المستقلة، خلفت العشرات من الضحايا، ولن تفلح الدولة ومعها كل الاحزاب السياسية في الحد من حذوة العصيان المعلن وفي كبح جماح الثائرين ضد الظلم و القهر و حالة اليأس التي عمت أوساط شرائح عريضة من الشباب، وفي ظل الفراغ السياسي الذي نتج عن استمرارالمواجهات مع قوات حفظ الأمن في كافة مدن الاقليم، وأمام حالة الخوف وانعدام الامن السائدة و تفاقم مظاهر العنف مع انتشار عصابات قُطاع الطرق المختصة في السرقة و النهب بعد انسحاب القوات النظامية، وأمام التخوف من تفشي الأعمال الانتقامية في أوساط السكان، بادرت مجموعات من المواطنين في القرى والمدن أول ما بادرت بفكرة تنظيم الأهالي وهيكلة الحركة كلها في اطار سياسي جديد نابع من ثقافتهم و تراثهم و رأوه الأنسب للظرف المميز، ودعوا كل السكان للانضواء تحت لواء «العروش» باسم الحفاظ على الشرف و كيان القبائل. وكلمة العروش تحريف لكلمة الأعراش باللهجة المحلية، مفردها عرش تعني قبيلة. وهكذا تمكن السكان العزل من درء المخاطر المحدقة بهم وبممتلكاتهم بفضل اليقظة التي فرضها هذاالنظام التقليدي على الجميع قبل أن يتحول الى بوتقة انصهرت فيها الانتفاضة الشعبية لتتخذها هيكلا سياسيا و تواصل من خلالها عملها النضالي اليومي. السر في الأمر أن هذا النوع من التنظيم السياسي القديم قدم الوجود البربري في المنطقة، يقوم على قاعدة بسيطة، بدائية تذكرنا ببدائية النموذج الديمقراطي الاغريقي، وتتمثل في انتداب كل قرية (تضم المنطقة حاليا اكثر من ألفي قرية، كل قرية لا يقل عدد سكانها عن أربعمئة نسمة) لمندوب يمثلها على مستوى العرش، يملك صلاحية اتخاذ القرارات في الشئون الكبرى للقبيلة وذلك في أوقات الحرب و السلم. وقرارات المجلس لا تقبل الطعن و يتعرض كل من يخالفها أو يتخلف في تنفيذ ما هو مكلف به، في اطار ما يلزم به المجلس أبناء القبيلة، الى عقوبات صارمة كإلزام الجاني بدفع غرامة مالية تحددها الجماعة ويمكن أن تصل إلى حد النفي من القبيلة في حالة ثبوت جناية كبيرة على فرد من الأفراد. استمر السير بهذه القوانين العرفية في بلاد القبائل لمدة قرون واذا كان رسوخها في هذه الربوع بات أقوى مما سجله المؤرخون في المناطق الأخرى من الوطن، فذلك راجع الى عوامل عدة جغرافية و طبيعية وسوسيولوجية تجمعت في هذه الرقعة. فالكثافة السكانية المرتفعة ونوعية التضاريس الجبلية حتمت على الأهالي منذ الأزل انتهاج نمط معيشي صارم قائم على مبدأ التعاون والعمل الجماعي في مناخ يسوده عادة الفقر والحروب ضد الغزاة الأجانب، مما اقتضى سن قوانين صارمة وتسيير جماعي للشئون العامة حسب نظام هرمي ديمقراطي خالص. وكان يصحب هذا الانضباط حرص شديد على الأخلاق العامة ورقابة شديدة على مظاهر الترف والإباحية. وقد أشار «بيار بورديو» وهو واحد من أبرز علماء الاجتماع في فرنسا، و ألف كتبا كثيرة حول المجتمع التقليدي في الجزائر، الى أن تحرر الأفراد عن السلوك العام في القرية ينظر اليه كتهديد للتوازن الاقتصادي العام. واقتصاد الندرة في نظره هو الذي حدد نمط المعيشة لدى القبائل، ومن ثم طابعهم المحافظ وخشونتهم. القبائل في التاريخ ظل هذا النظام ساري المفعول لمدة قرون، وكانت تتمركز فيه كل السلطة بما فيها الروحية والدينية، حيث كان الامام أو شيخ الزاوية أو الطريقة ولايزال الحال كذلك يخضع لسلطة العرش و القبيلة. باستثناء فترة معينة عاد فيها الحكم بين ايادي رجال الدين لما قاد هؤلاء حركات المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي. ولقد تعرض المؤرخ العلامة «عبد الرحمن ابن خلدون» في «مقدمته» الشهيرة باسهاب وتقص لمكانة القبائل في بلاد المغرب أيام الموحدين و الحماديين في القرن 15، مبينا خصوصياتهم السوسيولوجية التي جعلت من اقليمهم قلعة محصنة في مناوأة دائمة مع السلطة المركزية. لقد كان لنظام العروش دور تاريخي مشهود أيام الحكم التركي في الجزائر (من القرن 16 الى القرن 19) اذ تعتبر بلاد القبائل المنطقة الوحيدة في الجزائر التي لم يحكمها الأتراك حكما مباشرا، بحيث كانت ادارة الداي تكتفي بفرض ضرائب على الأهالي، وكان الحذر يطبع دوما العلاقات بين أشراف المنطقة وقصر القصبة. ووصل احتدام الصراع في بعض الأحيان الى حد القطيعة واعلان الحرب، مثلما حصل في أواسط القرن 18حين ثار سكان عرش «آيت جناد» في القبائل العليا (وهو أول عرش عاد الى الظهور هذا العام) ضد الادارة المركزية التي أنهكتهم بالضرائب. ظلت الأمور على حالها الى دخول الفرنسيين عام 1830، ويقول المؤرخون أن الألاف من القبائل هبوا بكل اقدام لمناصرة الجيش المركزي، الا أن وشاية مبيتة أفشاها أحد القادة الانكشاريين سرعان ما خلخلت الثقة في أوساط الفدائيين مما عجل بانسحابهم وسهل بالتالي توغل جيش الاحتلال الى قلب العاصمة. هذا الجيش لم يتمكن من اختراق أبواب القبائل الغرانيتية سوى في عام 1857 بعد مقاومة شرسة في معركة «اشريظن» التاريخية بأعالي جرجرة. ولم ينقطع الأهالي عن تنشيط المقاومة المسلحة و ذلك الى غاية الاستقلال، أشهرها المقاومة التي قادتها البطلة الجزائرية «لالا فاطمة نسومر» عام 1865 و مقاومة المقراني عام 1871، وفي كل مرة كانت القبائل تزود كتائب المقاومة بالرجال وبالمؤونة. ولم يحد من قوة وتماسك النظام القبلي بالمنطقة سوى حركة التمدن التي بدأت بموجات الهجرة من الأرياف الى المدن هروبا من آفات الحروب والمجاعة، مما أفقد مع مرور الزمن سلطة الأعراش، وتزامن ذلك بداية اكتشاف الجزائريين لأشكال حديثة في التنظيم والعمل السياسي والتمثيلي مثل الأحزاب والجمعيات لينصهروا منذ مطلع القرن العشرين في الحركات الاستقلالية والتحررية. عند الاستقلال، دخلت البلاد في حركة تصنيع وتحديث أتت على جل القوانين العرفية المستمدة أساسا من نظام العروشية، ولم يبق منها سوى بعض الآثار الى أن انبعثت من جديد في بداية الألفية الثالثة في صورتها الجديدة، صانعة المفاجأة في هذه الظروف القاسية التي مرت بها الجزائر وراح علماء الاجتماع و المحللون ينقبون ويفسرون عودة العروش الى الوجود بهذه الصورة النقية وبهذه السطوة التي سمحت بحشد أكثر من مليون شخص في مظاهرات تاريخية بالعاصمة الجزائرية في 14 يونيو الماضي. يبقى أنه صحيح أن المناضلين في هذه الحركة شبه ثورية (نقول ذلك لأنها لم تدع لأخذ السلاح) غير متشبعين كلهم بأفكار العرف و النظام القبلي، مثلما يوحي إلى ذلك صراحة نص اللائحة التي تعتمد عليها تنسيقية المدن والعروش والتي تتضمن مطالب لاتتسم بالعرقية بشكلها الصريح. الا أن مطالبتهم برحيل عناصر الدرك من المنطقة فسره البعض برغبة كامنة ربما غير واعية في الاستقلال الذاتي. ولقد برز بالفعل في الأشهر الأخيرة تيار بزعامة أحد قادة الحركة البربرية في السابق يدعى «الحركة من أجل الاستقلال الذاتي للقبائل» يدافع من أجل هذه الغاية. هذه الحركة تعتزم في برنامجها تنظيم استفتاء شعبي لسكان المنطقة حول تقرير المصير في غضون الأشهر الآتية، ومن ضمن ما يدعو اليه أصحابها اقامة حكومة وبرلمان محليين، اعتماد اللغة البربرية والفرنسية في التعليم، مع الابقاء على العملة و مسائل الدفاع والدبلوماسية من صلاحيات الدولة المركزية. الجزائر ـ مراد طرابلسي: