يرى البعض أن الموقف العربي من الأحداث الراهنة قد شكل لغزاً محيراً.. إذ أن الأحداث التي يشهدها العالم في غاية الخطورة والجسامة، وهي نقطة تحول في تاريخ العلاقات بين الأمم والثقافات والحضارات. ولاشك أن الدول العربية كانت من أكثر الدول تأثراً بتلك الأحداث، حيث أن انكشاف أوضاعها الاقتصادية والسياسية والعسكرية لأسباب تاريخية وجيوسياسية وعقائدية، جعلها الأكثر تأثرا بالصراع الحالي والحملة ضد الإرهاب. في ضوء تلك المعلومات خرجت بيانات من العواصم العربية، سواء عقب أحداث سبتمبر أو عقب بدء الهجوم على أفغانستان، تتشابه في محتواها، حيث نددت بشدة بالهجمات التدميرية التي استهدفت الرموز العسكرية والاقتصادية الأمريكية، وأعلنت تأييدها التام لمكافحة الإرهاب بكل أنواعه وأشكاله. ورغم ما حملته البيانات العربية الرسمية من عبارات متشابهة تؤيد وتدعم الولايات المتحدة، إلا أنه كان هناك نوع من التباين في المواقف العملية لكل دولة على حدة، حيث يشير بعض الباحثين إلى أن الدولتين العربيتين الرئيسيتين مصر والسعودية قد احتفظتا بمسافة من الولايات المتحدة، رغم تأييدهما الواضح والصريح للحملة الأمريكية على الإرهاب، وفي المقابل فإن الدول التي اتخذت من قبل مواقف مناوئة من واشنطن وجدت فيما حدث فرصة كي تأخذ موقفاً من التحالف الدولي، أو على الأقل كي لا يتم تصنيفها في الجانب المضاد، وهكذا سارعت القيادة الفلسطينية إلى دعم واشنطن ورفض الربط بين العمليات الإرهابية وبين القضية الفلسطينية، ومن جانبه فتح السودان ملفاته عن ابن لادن والأفغان العرب، وأبدى اليمن تعاوناً واضحاً. تلك المواقف رأى البعض فيها نوعاً من الغموض والارتباك مرده الفرقة وعدم وجود موقف عربي يمثل القواسم المشتركة للدول العربية، فصحيح أن مجلس الجامعة العربية قد اجتمع عدة مرات وأدان العمليات الإرهابية بعد وقوعها، وصحيح أنه حدثت مشاورات ثنائية بين القادة العرب، ولكن هذا كله ـ من وجهة نظر بعض المحللين ـ لم يكن كافياً لمنع الدول العربية من اتخاذ مواقف منفردة، ومن المسلم به أنه من الصعب على أي دولة منفردة أن تتخذ مواقف يكون لها وزنها وصداها في قضايا تمس العرب والمسلمين جميعاً. الموقف الرسمي إلى جانب ذلك رأى آخرون أن الموقف العربي الرسمي قد شكل أزمة، حيث أن العرب والمسلمين مازالوا يعتقدون أن مجرد التعبير عن المبادئ بصوت قوي، من خلال البيانات الحماسية، يكفي منطلقاً للتعامل مع متغيرات السياسة العالمية بغرض التأثير فيها وتوجيهها فيما يخدم الأهداف والمصالح العربية، وذلك بعيداً عن امتلاك القدرة على إيجاد تفكير استراتيجي يتمحور حول تلك الأهداف، ولكنه يأخذ بعين الاعتبار الحركة الدائمة في معادلات موازين القوى والمصالح العالمية. ويحاول أن يحقق أهدافه من خلال استيعاب وتوظيف مناطق الخلخلة والتغيير في تلك المعادلات. ويطرح هذا الفريق من الباحثين مجموعة من الأسباب لتفسير أزمة رد الفعل العربي والإسلامي على الأحداث الأخيرة يرجع أولها إلى افتقاد رؤية واضحة ومحددة لما هو مطلوب، ولما يمكن عمله في المراحل المقبلة، ويتمثل ثانيها في الافتقاد إلى قراءة سياسية شاملة ودقيقة لمتغيرات المشهد السياسي الأمريكي خاصة بعد الأسبوع الأول الذي تلى الهجمات، لأن إدراك تلك المتغيرات بشكل دقيق كان سيساعد في صياغة السياسات والمواقف العملية التي يمكن أن تحقق الهدف أو الأهداف المطلوبة، أما السبب الثالث فيتمثل في عدم امتلاك رؤية استراتيجية تحاول استيعاب الموقف الأمريكي والتعامل معه تدريجياً للوصول إلى الأهداف المشروعة وذلك من خلال استعمال آليات صناعة القرار والحدث العملية سياسياً وإعلامياً وثقافياً واقتصادياً. وفي ضوء تلك الملحوظات المتعلقة بطبيعة الموقف العربي العام من الأحداث رأى البعض أنه لتلافي حالة الفرقة والتنوع كان يمكن أن يتم عقد قمة عربية طارئة لمعالجة الوضع الملتهب، وإنضاج موقف عربي يستند إلى أساس فكري وقانوني يتمثل في الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب التي وضعها وزراء الخارجية العرب والتي وقعت الحكومات العربية عليها في أبريل عام 1998، فهذه الاتفاقية تمثل وثيقة مهمة من وثائق مكافحة الإرهاب الدولي، حيث أنها تحدد مفهوم الإرهاب تحديداً دقيقاً، فضلاً عن أنها تميز بين أعمال الإرهاب من جهة، وبين «حالات الكفاح بمختلف الوسائل، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي من أجل التحرر وتقرير المصير وفقاً لمبادئ القانون الدولي». ورغم ذلك الموقف العربي إلا أنه يمكن رصد نوع من الإجماع العربي إزاء بعض القضايا المستجدة على ساحة الحملة الأمريكية ضد الإرهاب، وأبرز هذه القضايا ما يتعلق بالأطروحات الأمريكية لتوسيع نطاق الحملة ليشمل دولاً عربية وإسلامية، وثاني تلك القضايا محاولة العرب ربط القضاء على الإرهاب بتسوية قضية الشرق الأوسط. توسيع الحرب يرى البعض أن هناك غموضاً واضحاً في الأجندة الأمريكية بخصوص مكافحة الإرهاب، فالإدارة الأمريكية تتحدث عن مراحل، وأن المرحلة الراهنة هي المرحلة الأولى، ولا أحد يعلم ما هي المرحلة الثانية، كما أنها أصدرت قوائم لأفراد ومنظمات تقول أنها ليست نهاية المطاف، بل هناك قوائم أخرى ستصدر في الوقت المناسب، ولعل أبرز الأمثلة مع ذلك الغموض، ما كان الملك عبد الله الثاني ملك الأردن قد صرح به بأن الرئيس الأمريكي قد أكد له أن قوات التحالف لن تهاجم دولاً عربية لاسيما العراق، ولكن لم تمر سوى بضع ساعات حتى نفت واشنطن هذا التصريح، من خلال تصريح وزير الخارجية كولن باول بأن التصدى للإرهاب سوف يتعاقب على مراحل، وأن ما يجري هو المرحلة الأولى فحسب مشيراً إلى أنه لن يستثنى أحداً من مساندي الإرهاب في المراحل المقبلة. ومؤخراً أشار الرئيس بوش في خطاب له (8/11/2001) أن الحرب في أفغانستان سوف تطال بلدانا أخرى، وقد ذكر وزير الخارجية أن العراق في مقدمة تلك الدول، وقالت صحيفة الواشنطن بوست أن الصومال سيأتي دورها بعد أفغانستان، كما قالت مستشارة الأمن القومي أن تلك الحرب ستشمل البلدان التي تدعم «حماس» و«حزب الله» وغيرهما، أي أن الحرب ربما ستشمل أيضاً لبنان وسوريا، ودولاً عربية أخرى يرى مسئولون أمريكيون أنها تدعم مالياً وسياسياً هذه المنظمات. وأما بخصوص العراق فيمارس اليمين الأمريكي ضغوطاً باتجاه توسيع نطاق الحرب نحو بغداد، حيث يعتبر أنصار هذا الاتجاه أن الحملة على أفغانستان تعد فاشلة ـ حتى إذا تم القضاء على طالبان وتنظيم القاعدة ـ ما لم تشمل إسقاط الحكم في العراق. أما بخصوص لبنان وسوريا فالأمر يتعلق بحزب الله ومنظمات الرفض الفلسطينية، حيث تعتبر واشنطن هذه المنظمات منظمات «إرهابية» تقوم بقتل المدنيين، وفي هذا السياق كان إدوارد ووكر الدبلوماسي الأمريكي السابق قد شرح نظرية الإدارة الأمريكية حيال حزب الله خصوصاً قائلاً أنه يجب على الحزب أن يقوم بتعديل واقعه السياسي، ويتراجع عن مواصلة الحرب ضد إسرائيل، وأن يعدل في مواقفه من الأمريكيين. في مواجهة تلك القضية أكدت بعض المصادر ضرورة أن يطالب العرب بعدم الزج بدول عربية داخل دائرة الحرب، وأن تقوم هذه الدول بإرسال رسائل سياسية إلى الإدارة الأمريكية والعواصم الغربية من أجل عدم توسيع الحرب لتشمل أي دولة عربية أو إسلامية. التمييز وقد ارتبطت بقضية توسيع الحرب قضية أخرى تتعلق بمحاولة الدول العربية التأكيد على التمييز بين المقاومة المشروعة لتحرير الأرض وبين الإرهاب، وتأتي تلك المحاولة في ضوء اعتبار الولايات المتحدة حزب الله اللبناني وحماس والجهاد الإسلامي وغيرها من منظمات الرفض الفلسطينية الموجودة في سوريا ولبنان منظمات «إرهابية» يمكن ضربها، وفي هذا السياق جاءت مواقف الدول العربية. إلى جانب ذلك يرى بعض الباحثين ضرورة أن تكون المنظمات الفلسطينية واللبنانية التي تكافح الاحتلال أكثراً ضرراً وذكاء، فلا ترتكب عمليات عسكرية ضد المدنيين داخل إسرائيل، وذلك حتى لا تعطي شارون ذريعة لاتهام تلك المنظمات بـ «الإرهاب»، أو تدفع الدول الغربية إلى إدراجها ضمن لائحة المنظمات «الإرهابية»، فقيام تلك المنظمات بارتكاب أخطاء قاتلة بتنفيذ عمليات تفجير ضد مدنيين إسرائيليين داخل إسرائيل، يعد أمراً يوفر مادة خصبة لوسائل الإعلام الإسرائيلية والمنحازة لتل أبيب لكي تصور الفلسطينيين واللبنانيين على أنهم «ارهابيون»، وهو ما يؤثر بدوره سلباً على الرأي العام والمجالس النيابية في الدول الغربية وينتقص من رصيد قضايا الصراع العربى الإسرائيلي. محاولة ربط حاولت الدول العربية ومنذ بداية الأحداث ربط القضاء على الإرهاب بتسوية القضية الفلسطينية، وقد قامت الدبلوماسية المصرية بهذه المحاولة، ففي اللقاء الذي جرى بين الرئيس مبارك والملك الأردني عبد الله الثاني في شرم الشيخ في أعقاب الهجمات أكد الزعيمان أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تنفصل عن إيجاد حل سياسي للمشكلة الفلسطينية. وفي هذا السياق أكد العاهل الأردني في مكالمة هاتفية مع الرئيس بوش «أن النهاية السلمية للصراعات الإقليمية وعلى رأسها القضية الفلسطينية تعد شرطاً أساسياً لتعزيز السلام والأمن الدوليين». ويرى البعض أن التركيز على الربط بين تسوية القضية الفلسطينية والقضاء على الإرهاب ينطلق من الإدراك بأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وحرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه الطبيعي في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة، سوف يكون على الدوام سبباً لاستمرار الموقف السلبي من قبل الرأي العام العربي والإسلامي تجاه السياسة الأمريكية، وسوف يشجع المتطرفين على استغلال هذا الوضع بحجة الدفاع عن قضية فلسطين، ولذلك فإن تسوية القضية الفلسطينية سوف تحقق مصلحة جميع الأطراف، وتساعد على إحلال الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وتتيح للولايات المتحدة تجنب أزمات ومواجهات لا مبرر لها. الإعلام والأحداث يرى بعض المراقبين أن هناك قصوراً بل وغياباً إعلامياً عربياً عن الساحة الأمريكية، ما يعكس قصوراً في تناول الأحداث الأمريكية بالطريقة التي تخدم المصالح العربية، حيث لم يحاول الإعلام العربي تقديم أي معلومات تفيد صانع القرار الأمريكي أو على الأقل يمكنها أن تؤثر في الرأي العام الأمريكي والمنظمات غير الحكومية التي تملك تأثيراً واضحاً على صانعي السياسة الأمريكية. ولعل ذلك يتضح من شكوى بعض الأمريكيين وخصوصاً المتعاطفين مع القضايا العربية من عدم وجود مصدر عربي موجه إليهم يشرح لهم القضايا العربية ويمدهم بالمعلومات اللازمة، وتبدو المقارنة هنا، كما أشار إدوارد ووكر، من أن رؤساء وأعضاء المنظمات الأمريكية المتعاطفة عموماً مع العرب يستقون معلوماتهم عن الأحداث في المنطقة من صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، ويرجع ذلك كما ذكر ووكر، إلى عدم وجود صحيفة عربية تصدر بالإنجليزية مطروحة يومياً على الإنترنت، حيث يمثل غياب هذه الصحيفة عائقاً للجهود العربية للتأثير في شكل متواصل مع دوائر السياسة الخارجية الأمريكية، والمساهمة في تغيير منظور أمريكا للمنطقة. إلى جانب ذلك يرى آخرون أن التعامل الإعلامي العربي سواء المقروء أو المسموع أو المرئي مع أزمة التفجيرات، لم يعمد إلى محاولة تحليل بعض الحقائق التي نتجت عن الأزمة، مثل أن ما حدث هو عمل غير مسبوق في التاريخ الحديث ولاشك أنه سيغير مسلمات كثيرة أخرى، إلى جانب ذلك هناك حقيقة أخرى تغافل عنها الإعلام العربي تمثلت في أن كل المشاركين في التفجيرات أو معظمهم من صغار السن (25 عاماً) وهي السن التي يكون الشخص فيها مندفعاً ومتحمساً للتضحية في سبيل أي قضية بغض النظر عن موقعها من الخطأ أو الصواب، وهذه الحقيقة تعني أننا كعرب معنيون بفهم هذه الظاهرة ودراستها جيداً والبحث في أسبابها ودوافعها بغية تقديم علاجات تفيد المجتمعات العربية في التخلص من هذه الظاهرة، فضلاً عن إغفال تلك الحقائق فإن جملة التحليلات العربية التي خرجت لتفسير جوانب الأزمة تأرجحت بين الرؤية العاطفية التي تحجب العقل من ناحية، وبين الخضوع لنظرية المؤامرة من ناحية أخرى، إما للمسايرة أو التبرير، حيث تتحول المناقشات إلى مجادلات شخصية عقيمة تحرم الجمهور من الوعي وتشحنه في الاتجاه المضاد للعقل والمنطق والهضم العملي للأحداث. من جهة أخرى يرى محللون أن بعض الصحف العربية قد أخذت موقفاً أدى إلى «إثارة التحريض الشعبي» على الولايات المتحدة، بصورة أوضحت كأن الشارع العربي مع تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن، وقد ساهم هذا الأمر في تأجيج الانتقاد الأمريكي للنخب العربية، والحال كذلك في بعض الفضائيات. محاولة للتفعيل ويقترح الخبراء الإعلاميون القيام بعدة إجراءات في محاولة لتفعيل الإعلام العربي والخطاب العربي وذلك فيما يلي: 1ـ حشد كل الجهود الحكومية والأهلية العربية معاً في كيان إعلامي عربي قومي موحد، على أن توضع خطة إعلامية جماعية مشتركة يضعها كبار الخبراء الإعلاميين، وتتولى الأجهزة الإعلامية العربية تنفيذ بنودها على أن يكون في مقدمة هذه البنود تصحيح صورة العرب والمسلمين في الخارج، والتأكيد على أن الإرهاب ظاهرة عالمية بلا جنسية ولا هوية ويمكن أن يكون القائمون عليها من جنسيات مختلفة. 2ـ إعداد برامج تلفزيونية بجميع اللغات الأجنبية تنشرها أجهزة الإعلام المرئية، وذلك بهدف نقل صورة حقيقية عن العرب، وحقيقة قضاياهم، على أن يكتب مادة هذه البرامج خبراء إعلاميون ومتخصصون من جميع الأقطار العربية. 3ـ الإسراع في إنشاء قناة فضائية عربية مشتركة تخاطب العالم باللغات الأجنبية حتى تتمكن من شرح القضايا العربية وتقديم الحقائق واضحة للرأي العام الأمريكي والأوروبي. وتؤكد بعض المصادر أنه على الرغم من الحرص الملحوظ الذي لا تزال المصادر الرسمية للإدارة الأمريكية والحكومات الغربية تعبر عنه في معرض الحديث عن علاقاتها مع بعض العواصم العربية المؤثرة، وتأكيد هذه المصادر بشكل متكرر على ما تصفه بشعورها بـ «الاطمئنان الكامل» حيال الأوضاع السياسية والأمنية الداخلية في هذه الدول، بالإضافة إلى إعرابها المتواصل عن الثقة بأن الأزمة التي يواجهها العالم لن تؤثر سلباً على طبيعة علاقات التحالف التاريخية والتقليدية بينها وبين هذه الدول العربية، على رغم ذلك فإن هذه المواقف الرسمية لم تكن كافية لإشاعة الاقتناع في صفوف الخبراء والمراقبين بأن كل شيء على ما يرام، وبات من المتفق عليه أن ما شهدته وسائل الإعلام الغربية من كتابات وتحليلات لا يمكن أن يكون مجرد ظاهرة معزولة أو بعيدة عن تسريبات الأوساط الحكومية الرسمية، التي ربما كانت تأمل من خلال هذه التسريبات أن تسلط الضوء على ما باتت تلك الأوساط تصفه في مجالسها الخاصة ب« خلل استراتيجي حقيقي» في علاقات واشنطن مع بعض الدول العربية القريبة منها، إلى جانب ذلك وفي ضوء تلك المعلومات أكد محللون أن «البنية التحتية» لأزمة بين الطرفين آخذة في التشكل على أقل تقدير. في ضوء تلك التقارير عن إمكانية حدوث أزمة في العلاقات العربية الأمريكية يرى البعض أن مستقبل تلك العلاقات يجب أن يمر من قناتين الأولى خاصة بترتيب البيت العربي من الداخل اقتصادياً وسياسياً وهو ما قد تطلبه واشنطن نفسها، أما القناة الثانية فهي اتباع سياسة جديدة في التعامل مع الولايات المتحدة. ترتيب البيت العربي يرى البعض أن التغيير في الواقع العربي إنما هو السبيل الأجدى والأيسر للدخول في علاقة مستقبلية مع الولايات المتحدة في محاولة لتحقيق المصالح العربية، فمواجهة الذات والتغيير الإيجابي في الواقع العربي فيهما ما يوفر الظروف الملائمة لاستثمار الفرص الجديدة المتاحة في الغرب لتوضيح الصورة عن العرب والإسلام. في هذا السياق ينبغي أن يتعلق هذا التغيير بالواقع الاقتصادي والسياسي؛ فعلى الصعيد الاقتصادي يطالب البعض بإقامة نظام اقتصادي عربي، وأقل ما يمكن عمله هو التنسيق الاقتصادي والتكامل الاقتصادي، والمعاملة التفضيلية للسلع ورؤوس الأموال والاستثمارات العربية، وتوجيه بعض الأموال العربية للاستثمار والتنمية في الدول العربية، وذلك مع خطوات أخرى وصولاً إلى سوق عربية مشتركة تحقق مصالح الجميع دون استثناء وتمكن من إقامة كيان اقتصادي قوي يستطيع أن يدخل في علاقات اقتصادية صحية مع الولايات المتحدة. أما على الصعيد السياسي فيرى البعض أنه لابد أن تقوم بجهود عديدة نحو التحول الديمقراطي في الداخل العربي. ويطرح آخرون رؤية تتقارب مع الرؤية السابقة مفادها أن مجموعة الدول التي تتولى قيادة العالم ستضع شروطاً صارمة من أجل ضمان الاستقرار في العلاقات الدولية، ومن هذه الشروط أن تكون الحكومات قادرة على تقديم الخير لشعوبها وصون كرامة مواطنيها وذلك من خلال تعميم الديمقراطية في مجتمعات تلك الدول وقد نبعت تلك الأفكار من حقيقة توصلت إليها أخيراً هذه الدول، فالدول الكبرى كانت تظن أن تجاهلها للمشكلات الساخنة البعيدة عنها جغرافياً، يوفر عليها الكثير من الخسائر غير أنه وبعد أحداث 11سبتمبر رأت هذه الدول أنها كانت على خطأ وأنها لا تعيش بمعزل عن المشكلات الدولية، لأن العالم أصبح صغيراً جداً ومن ثم فإن آثار وتداعيات المشكلات الدولية سوف تنسحب على الدول الكبرى مهما تباعدت حدودها ولذلك لم يعد ممكناً أن تترك الدول الكبرى مشكلات الدول الصغرى حتى تحل بفعل الزمن مع التحكم فيها عن بعد كي لا تتسع دائرتها. لاشك أن تلك الرؤى الجديدة تدفع نحو إعادة ترتيب البيت العربي، وهو الأمر الذي لابد أن يتم من الداخل ووفق رؤية عربية مبنية على تحالف تاريخي واسع يضم كل القوى المجتمعية والفكرية الحية والمعتدلة والمستنيرة والمتسامحة، والتي لا تفتعل المعارك مع الآخر، وتلتزم بحقوق الإنسان، وتؤمن إيماناً مبدئياً بالحريات السياسية والمدنية، وتقبل بالديمقراطية والشفافية، وتستوعب المستجدات العالمية وتستلهم أفضل ما في التراث العربي والإسلامي من قناعات ومعتقدات تناسب العصر والحقائق المعاصرة. في ضوء عملية ترتيب البيت العربي من الداخل تأتي طبيعة العلاقات المستقبلية بين العرب والولايات المتحدة، بإقامة علاقات أمريكية مع دول عربية تقف على أرض صلبة سياسية واقتصادية، ويعني وجود علاقات صحية تخدم مصالح الطرفين، وفي هذا السياق يرى البعض أنه لابد أن يتم بناء دبلوماسية تعمل من خلال سياسة رشيدة تجاه الولايات المتحدة، ويرصد هؤلاء بعض الأسباب التي تجعل من الضروري أن يتجه العرب دبلوماسيا نحو الولايات المتحدة، وأهم هذه الأسباب هي أولا: أن الولايات المتحدة ستظل قوة عظمى رئيسية إلى أمد غير منظور مهما تأثرت سلبًا وتأثرت مكانتها وقدرتها على التأثير، من تداعيات يوم الثلاثاء الأسود. وثانيا: أن واشنطن ستظل أقوى المؤثرين على إسرائيل التي تتحرك على ساحة واسعة لاستقطاب كل القوى الجديدة المرشحة للتأثير على الساحة الدولية، ومحاصرة العالم العربي، وثالثا: أن استمرار الصراع العربي ـ الإسرائيلي على وتيرته الحالية ستنتج عنه آثار خطيرة على المنطقة. وفي ضوء ذلك يطالب بعض المحللين بضرورة البدء في حوار مع الولايات المتحدة ينبه العرب فيه إلى خطورة استمرار المنطلق الأمريكي الراهن إزاء القضايا العربية لاسيما قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي. المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية :