أثار قرار السلطة الفلسطينية الأول من نوعه بتحويل عدد من المعتقلين السياسيين الى الاعتقال الاداري الكثير من السخط في اوساط الفلسطينيين على اختلاف مستوياتهم وانتماءاتهم. واكدت لجنة الدفاع عن المعتقلين السياسيين ان الشرطة الفلسطينية اصدرت قراراً باعتقال مجموعة من نشطاء حركة الجهاد الاسلامي بقطاع غزة لمدة 6 شهور. وذكر بيان للجنة ان اوامر الاعتقال الاداري صدرت بتاريخ 31 اكتوبر الماضي بقرار اصدره مدير عام الشرطة الفلسطينية بحق كل من محمد الخواجة، خالد الغول، محمد حميد، رائد الصفدي، وسعد الحلو وجميعهم من سكان غزة. واعربت اللجنة عن قلقها من القرار «الذي يمس سيادة القانون وحقوق الانسان وتقويض سلطة القضاء» ووصفته «بأنه يمثل خرقاً لقانون الاجراءات الجنائية رقم «3» لسنة 2001م الساري المفعول الذي يحدد اجراءات التوقيف والحبس واجراءات المحاكمة ويتنافى مع القانون رقم «1» والقانون رقم «2» لسنة 95م الصادر عن رئيس السلطة الفلسطينية». واكدت اللجنة ان القرار يمثل سابقة يتم فيها الاعتقال الاداري منذ قيام السلطة الفلسطينية. ودعت لجنة الدفاع عن المعتقلين الى الغاء القرارات التي تمس الحريات العامة وضرورة احترام سيادة القانون. ويقول الفلسطينيون ان الاعتقال الاداري كان من ابرز معالم المأساة الفلسطينية على مدار سنوات الاحتلال الاسرائيلي اذ انه كان يمثل الصورة البشعة لانتهاك القانون ومصادرة حرية الفرد وايداعه في المعتقل دون ذنب او اتهام بل الادهى انه كان يعتقل بحسب قرار قائد المنطقة نفسه. وقد ووجه الاعتقال الاداري انذاك بحملة واسعة من قبل المنظمات الحقوقية الفلسطينية بهدف الغائه وبالفعل نجحت الحملة وتراجع عدد المعتقلين الاداريين في سجون الاحتلال بشكل واضح لكن المعركة لم تنته وعاد الكابوس ليطل من جديد وهذه المرة من السلطة الفلسطينية كما يقول المحامي راجي الصوراني مدير المركز الفلسطيني لحقوق الانسان بعد فترة قصيرة من تسلمها مقاليد الأمور في الضفة الغربية وقطاع غزة غير ان هذا المسمى «الاعتقال الاداري» لم يكن شائعاً وانما طغى على مصطلح الاعتقال السياسي وهو امر يمثل نوعاً من عدم الوعي لدى الناس لان هناك كثير من الحالات تنطبق عليها معايير الاعتقال الاداري. وتابع الصوراني ان الاعتقال الاداري بدأت ممارسته منذ فترة وتحديد نذ السنوات الخمس الماضية عندما اعتقلت الاجهزة الامنية عشرات من الاشخاص ذوي الانتماءات السياسية وكان من اشهر القضايا التي ارتبطت بالاعتقال الاداري قضية اعتقال د. عبدالعزيز الرنتيسي احد قيادات حركة المقاومة الاسلامية «حماس». واوضح الصوراني ان قرار قائد الشرطة اللواء غازي الجبالي بتحويل المعتقلين الى الاعتقال الاداري جاء بناء على قانون منع الجرائم رقم 4833. واضاف: هنا يجب ان نوضح ثلاثة امور اولها ان هذا القانون «4833» صدر في عهد الانتداب البريطاني لقمع حركة التحرير الوطني الفلسطيني ثانيها ان الاعتقال الاداري بذاته من أسوأ الاجراءات التي تجرى ممارستها من قبل اي سلطة لما يتضمن من تعسف وتجاوز لكل الاجراءات القانونية حيث يتم ايداع المعتقل دون بيانات او اتهامات ودون اي اجراءات قانونية حتى بحدها الادنى علماً بان الاعتقال يتم بناء على معلومات سرية لا يستطيع المعتقل نفسه الاطلاع عليها او مناقشتها والامر الثالث ان محكمة العدل العليا الفلسطينية وفي اكثر من مرة قالت بان الاعتقال السياسي مرفوض ومدان وان الاعتقال الاداري يصب في اتجاه الاعتقال السياسي. واشار الصوراني الى ان قانون الاجراءات الجزائية رقم «3» لسنة «2000» قام بتحديد مفصل للاجراءات الواجب اتباعها وألغى كل ما يتعارض مع احكامه وانتهى الصوراني الى ان القرار الذي صدر بالاعتقالات الاخيرة غير قانوني على الاطلاق. وفي تعقيب نقيب المحامين الفلسطينيين على الموضوع الاستاذ عبدالرحمن ابو النصر قال انه لم يتلق اي تاكيد رسمي بشأن تحويل معتقلين الى الاعتقال الاداري واضاف انه قرار غير مقبول بأي حال من الاحوال وتابع كما انه لا يجوز التعامل بمثل هذه القوانين التي كانت سائدة في عهد الانتداب البريطاني ولدى سلطات الاحتلال الاسرائيلي وشدد ابو النصر على انه «لا يمكن ان نقبل مثل هذه القرارات لانها غير قانونية ولا يوجد لها اساس في القانون الفلسطيني» واوضح انه يجري اتصالات لاستيضاح الامر وحاول الاستفسار من النائب العام حول الموضوع الا ان الاخير ذكر له بأنه ليس لديه معلومات حول مسألة الاعتقال الاداري وكشف ابو النصر انه اجرى اتصالات مع أمين عام الرئاسة الطيب عبدالرحيم للاستفسار حول حقيقة هذا الامر. ويرفض النائب العام الرد على اية استيضاحات حول الموضوع كما اكدت مصادر مطلعة انه وصل تعميم للنيابة العامة يقضى بعدم الادلاء بأي تصريحات صحفية حول الاعتقالات السياسية. واصدرت الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن بياناً استنكرت فيه حملة الاعتقالات والتوقيف الاداري وجاء في البيان ان قرار اللواء الجبالي خطير يندرج في اطار الاعتقال التعسفي الذي لا يستند الى أي أساس قانوني ويعتبر خرقاً للقوانين النافذة. وطالبت النائب العام بممارسة صلاحياته بالتفتيش على السجون ومراكز التوقيف والامر بالإفراج الفوري عن اي موقوف او محبوس فيها بطريقة غير قانونية واتخاذ الاجراءات الضرورية لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل. وعلم «بيان الاربعاء» ان محامية الهيئة الفلسطينية اكدت صدور قرار السلطة بتحويل معتقلين من حركة الجهاد الاسلامي الى الاعتقال الاداري وقالت المحامية صبحية جمعة انها استغربت اقدام السلطة على الاصرار على احكام ادارية في حين كان الرئيس ياسر عرفات قد اصدر قراراً عام 1995 يقضى بإلغاء الاحكام الادارية كما انه اصبح لدى القانون الفلسطيني اصول محاكمات تم اقرارها مؤخرا. وتساءلت المحامية جمعة بأي قانون حوكم هؤلاء المعتقلون ادارياً؟ واكدت ان الهيئة الفلسطينية لحقوق المواطن قدمت كتباً واستفسارات رسمية للنيابة العامة حول الموضوع واعتبرت ان الاجراء الاخير الذي اقدمت عليه السلطة خطير جدا ويستدعي رفضه كونه بدون اصول قانونية. وفي السياق نفسه اكد شوقي العيسة من جمعية القانون ان الجمعية ضد الاعتقال من الأساس معتبرا ذلك عملاً عدائياً للديمقراطية ولا يتم حسب اجراءات سليمة. وشدد انه اجراء يتنافى مع القانون الفلسطيني وانتقد العيسة قرار اللواء الجبالي. واكد ان الجمعية ارسلت كتاباً للنائب العام مضيفا انهم يحملون المسئولية الاولى حول ذلك للنائب العام. وحمّل العيسة «المجلس التشريعي والمؤسسات الحقوقية والقانونية ايضا المسئولية عن تجاوز الاصول القانونية». الى ذلك قال خليل ابو شمالة مدير مؤسسة الضمير لرعاية المعتقلين «للاسف نرى انفسنا اليوم امام ظاهرة اعطاء الحق لمدير الشرطة بتحويل مناضلين للاعتقال الاداري الذي لم تنص عليه اي مادة في القانون كما انه لا يعطي الحق لاي مدير جهاز امني بالاعتقال الا من خلال مذكرة توقيف يصدرها النائب العام» وأضاف «حتى اللحظة لم نتلق رداً من النائب العام الذي يظهر دوره مهمشاً وغائباً في مثل هذه الأحوال». وحذر ابوشمالة من الصمت على مثل هذه الاجراءات والقرارات لان الامر ينذر بزيادة عدد المعتقلين الاداريين مشيرا الى ضرورة النضال من كافة الجهات الحقوقية والقانونية لتثبيت سيادة القانون رغم الضغوط الخارجية التي تواجهها السلطة الفلسطينية لاعادة سياسة الاعتقالات السياسية. وابدى مخاوف ان يتم التحايل على القانون من خلال تبرير استمرار اعتقالهم بحجزهم على ذمة محكمة امن الدولة. من ناحيته دعا نائب في المجلس التشريعي طلب عدم ذكر اسمه جميع المعتقلين السياسيين والجهات الحقوقية والمهتمين باللجوء الى المحكمة العليا لاستصدار قرار يلغي الاعتقال لتنافيه مع قانون الاجراءات الجزائية وبذلك يصبح من انتهك هذا القانون هو المجرم وليس المناضلون الشرفاء. واضاف النائب انه في حال استصدار قرار من المحكمة العليا يصبح من حق المجلس التشريعي التدخل وخوض المعركة ضد من اسماهم منتهكي القانون الفلسطيني من المتنفذين واتهم النائب القوى السياسية والفصائل بالتقصير في مواجهة الاجراءات الاخيرة التي أقدمت عليها السلطة من اعتقال المناضلين مشيراً الى ضرورة الوقوف في وجه هذه السياسة من الأساس وليس الاعتراض على شكل هذا الاعتقال. فيما شرعت لجنة التنسيق الفصائلي «ائتلاف القوى الوطنية والاسلامية» والاتحادات الشعبية والنقابية في محافظة نابلس بجمع التواقيع على عريضة شعبية تؤكد رفضها للاعتقال السياسي تمهيداً لرفعها للرئيس ياسر عرفات وتنص العريضة على تحريم كافة اشكال الاعتقال السياسي ورفضه لما له من اثار سلبية على وحدة الصف الفلسطيني والنسيج الاجتماعي ولا يمكنك تبريره وتطالب العريضة السلطة الفلسطينية بعدم اللجوء لهذا الاسلوب في التعامل مع قوى الشعب الذي يتصدى للاحتلال وتقاومه والافراج الفوري عن كافة المعتقلين بغض النظر عن الانتماء السياسي واكدت العريضة ان الاعتقال السياسي مدمر للتلاحم الوطني. من ناحيته قال المهندس اسماعيل ابو شنب القيادي البارز في حركة حماس ان هذه السياسة لا تخدم استمرار الانتفاضة بل على العكس تعطل مشوارها وأضاف: وأكدت جميع فئات شعبنا الفلسطيني من خلال لجان متابعة الانتفاضة العليا في الضفة والقطاع رفضها لهذا الاسلوب الذي لن يعود بالخير على شعبنا. ورد ابو شنب على من يعطي مبررات للسلطة في هذا المجال بقوله ان الانسان الفلسطيني اكرم من الوعود الخارجية الكاذبة فهي مجرد اوهام ورهان خاسر جربه شعبنا طويلا ولم يجن منه شيئاً سوى التراجعات والويلات. ودعا د. محمد الهندي القيادي في حركة الجهاد الاسلامي الى ضرورة اغلاق ملف الاعتقال السياسي نهائياً واضاف من غير المعقول ان يترافق اجتياح لمناطق «أ» الخاضعة للسلطة الفلسطينية وحملات الاعتقال الاسرائيلي بحق نشطاء الانتفاضة مع اعتقال في الجانب الاخر من قبل الاجهزة الامنية الفلسطينية لنشطاء اخرين. وانتقد الهندي قرار اللواء الجبالي. غزة ـ ماهر ابراهيم: