جاء موقف دولة الامارات إزاء أحداث 11 سبتمبر التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية وما بعدها ليؤكد على الرؤية الإماراتية القائمة على نبذ الإرهاب ورفض العنف.. وهو الأمر الذي جاء أيضا منسجما ومتوافقا مع السياسة الخارجية للامارات بصفة عامة، فمنذ البداية اتخذت دولة الإمارات موقفا مبدئيا واضحا تمثل في رفض الإرهاب مؤكدة في نفس الوقت استعدادها الكامل للتعاون في مكافحته في أي صورة، وبأي شكل، ولم يقتصر هذا الموقف على مجرد التصريحات الرسمية وغير الرسمية، وإنما اتخذت الإمارات خطوات أخرى لتفعيل موقفها سواء كان ذلك من خلال التحركات الدبلوماسية للتنسيق مع القوى الدولية والإقليمية، أو من خلال اتخاذ بعض الإجراءات الداخلية لاسيما على الصعيد المالى وذلك للمعاونة في تضييق الخناق على ظاهرة الإرهاب الدولي. بداية يجب التأكيد على أن السياسة الخارجية للدول تعد تجسيدا حيا لهويتها ونهجها السياسي على مختلف الصعد الإقليمية والدولية، وينظر إليها باعتبارها أبرز أدوات ووظائف النظم السياسية المعاصرة، لما تتسم به من تعدد الآفاق ودوائر الاهتمام والعلاقات، ورغم تعدد تعريفات السياسة الخارجية إلا أنه يمكن القول أن أشمل تلك التعريفات هي أنها: عبارة عن نتاج للتفاعل بين البيئتين الداخلية والخارجية للدولة إزاء قضية ما للوصول إلى نتيجة ما تنسجم والأهداف القومية للدولة وتضمن صيانة أمنها وحماية استقلالها. أهداف السياسة الخارجية في الخطاب الذي ألقاه صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة بمناسبة العيد الوطني الأول لدولة الإمارات في بداية تأسيسها، أكد على أن أهداف السياسة الخارجية للدولة تتحرك في أربعة اتجاهات هي: 1 ـ إقامة علاقات طيبة بين دولة الإمارات المتحدة وبين الدول المجاورة والتعاون معها، وحل الخلافات بينها في المستقبل بالطرق الودية والسلمية. 2 ـ الحرص على أن تقوم الدولة الاتحادية بدورها في الوطن العربي، والالتزام بالمواثيق المبدئية والأساسية التي اتخذتها هذه الدول. 3 ـ تعزيز التضامن الإسلامي ودعم التعاون مع مختلف الدول الإسلامية في جميع الميادين. 4 ـ التعاون المثمر مع جميع الشعوب في مختلف المجالات لتوفير الأمن والسلام والتقدم. وفي هذا السياق أكد دستور دولة الإمارات أن أحد أهداف قيام الاتحاد هو إنشاء روابط أوثق بين الإمارات العربية في صورة دولة مستقلة ذات سيادة، قادرة على الحفاظ على كيانها، متعاونة مع الدول العربية والإسلامية، والدول الأخرى الصديقة والأعضاء في الأمم المتحدة وفي الأسرة الدولية عموما، على أساس الاحترام المتبادل، وتبادل المصالح والمنافع. وفي إطار تحقيق هذه الأهداف اتجهت الدبلوماسية الإماراتية للتحرك في أربع دوائر أساسية هي الدائرة الخليجية، والدائرة العربية، والدائرة الإسلامية، والدائرة الدولية، وفي ذلك يمكن الإشارة لما يلي: 1 ـ على المستوى الخليجي كان للإمارات دور إيجابي في إنشاء وقيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية في 25مايو 1981، حيث عملت الدبلوماسية الإماراتية دائمًا على تذليل الكثير من الصعاب والعراقيل التي تواجه مسيرة المجلس، والتي قد تحول دون تكامل وتعاضد شعوب الدول الخليجية العربية، إلى جانب ذلك فقد كان لدولة الإمارات دور فاعل في مختلف المجالات المتفرعة عن المجلس، كما بدا دور الدولة الفعال في معالجة الكثير من القضايا العالقة بين أعضاء المجلس. 2 ـ على المستوى العربي.. فقد انضمت الإمارات إلى جامعة الدول العربية في السادس من ديسمبر عام 1971، فكانت عضوا فاعلا ونشيطا داعيا دائما إلى تحقيق التضامن الذي هو مطمح من مطامح الدولة الاتحادية منذ تكوينها، وكان لهذا المطمح دور بارز فاعل وقوي في جميع المنظمات المتخصصة التابعة لجامعة الدول العربية، ولم يقتصر دور الامارات على العمل داخل إطار تلك المنظمات، بل كان للدبلوماسية الإماراتية دور مشرف على صعيد الخلافات التي طرأت على الدول العربية، وأبرز الأمثلة على ذلك: المساعي الحميدة التي بذلتها الإمارات في الخلاف بين مصر وليبيا عام 1974، وجهود الوساطة بين سلطنة عمان واليمن الديمقراطية عام 1982 . 3 ـ أما على مستوى الدول الإسلامية فقد انضمت الإمارات إلى منظمة المؤتمر الإسلامي في 4مارس 1972، وقد حظيت قضايا الأمة الإسلامية دائما بالدعم الملموس من جانب الإمارات، وبدا هذا جليًا من خلال الدعم المالى الذي لم تأل الدولة جهدا في تقديمه، فمثلا في عام 1974 تبرعت الإمارات بمبلغ مليون دولار لإنشاء وكالة الأنباء الإسلامية، ومبلغ مليون دولار أخرى لدعم الأمانة العامة للمؤتمر الإسلامي وبلغت مساهمتها 5ملايين دولار عام 1984 في ميزانية صندوق التنمية الإسلامي، هذا فضلاً عن العديد من التبرعات التي قدمها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للصندوق. 4 ـ أما على المستوى الدولي، فقد انضمت الإمارات إلى الأمم المتحدة في السادس من ديسمبر عام 1971، وكانت مشاركة الإمارات في هذا المحفل متميزة انطلاقًا من اقتناع الدولة بدور هذه المنظمة في حفظ السلم والأمن الدوليين والتنمية الشاملة، كما كان للدولة أيضا دور فاعل في الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة. محددات السياسة الخارجية الإماراتية يشير الدارسون إلى أن أهم محددات السياسة الخارجية الإماراتية هي ما يلي: 1 ـ العوامل الشخصية (دور القيادة السياسية)، والمقصود هنا هو مدى اهتمام القيادة السياسية بالسياسة الخارجية، وهو أمر يمكن ملاحظته بوضوح في النهج السياسي لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، وهو ما يظهر في خطبه المستمرة. 2 ـ المحددات الاجتماعية، ويقصد بها دور الشخصية الوطنية في تشكيل السياسة الخارجية للدولة بمعنى وجود نمط عام يجمع كافة أفراد المجتمع فضلا عن درجة تجانس الخصائص الثقافية والحضارية للدولة والمتأمل لدولة الإمارات يلاحظ وجود إطار ثقافي عام يصهر كافة أفراد المجتمع الإماراتي حيث لاتعرف الدولة نموذج الثقافات المتعددة، إلى جانب ذلك تحبذ الثقافة الإماراتية عوامل الحوار والتفاعل الحضاري، من جهة أخرى فإن الاستقرار السياسي يمثل عنصرا مهما وفاعلاً في تشكيل سياسة الدولة الخارجية، حيث جعلها تتسم بالتوازن والفعالية والمرونة وتلاشي الضغوط الخارجية. 3 ـ النسق العقيدي والأيديولوجي؛ حيث تلعب الأيديولوجيات دورا مهما في توجيه السياسة الخارجية من خلال تصورات ومعتقدات صانع القرار ـ مدى التوافق والتماثل مع القيود والخيارات ـ درجة استمرارية السياسة الخارجية ـ عناصر التبرير والتفسير للسياسة الخارجية، وفي هذا السياق حددت المادة 12 من دستور الدولة نهج السياسة الخارجية على أساس أن «تقوم السياسة الخارجية للدولة على نصرة القضايا والمصالح العربية والإسلامية، وتوثيق أواصر الصداقة والتعاون مع جميع الدول والشعوب على أساس ميثاق الأمم المتحدة والأخلاق الدولية المثلى». 4 ـ هيكل صنع القرار؛ والملاحظ أن الإمارات تعتمد على هيكل مؤسسي اتحادي واضح، حيث نص القانون الاتحادي رقم 3 لسنة 1972 على أن السياسة الخارجية للدولة هي من اختصاص المجلس الأعلى ورئيس الدولة ومجلس الوزراء. 5 ـ المحددات الاقتصادية؛ وقد استطاعت الإمارات، بما حققته من درجات متعاظمة من النمو الاقتصادي وخاصة على الصعيد التنموي، توظيف العامل الاقتصادي كأداة من أدوات سياستها الخارجية، يمكن القول أن دولة الإمارات استطاعت أن تحقق نجاحا ملموسا في سياستها الخارجية وليس أدل على ذلك من أن الإمارات ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع 145 دولة في العالم، وانضمت إلى أكثر من 22 منظمة دولية وأكثر من 40 معاهدة واتفاقية دولية، كما ترتبط على الصعيد الثنائي بخمسين اتفاقية لمنع الازدواج الضريبي وحماية الاستثمارات، و55 اتفاقية في مجال الطيران المدني، و48 اتفاقية للتعاون الثقافي والإعلامي والتربوي والفني الأمر الذي يعكس كثافة العلاقات بين دولة الإمارات والأطراف الدولية الأخرى، كما يعكس أيضا تنوع مجالات هذه العلاقات بما يخدم أهداف السياسة الخارجية الإماراتية. إلى جانب ذلك فقد قدمت الإمارات ـ وحسبما يشير الكتاب السنوي لوزارة الإعلام 1998 ـ منذ قيامها في مطلع السبعينيات وحتى نهاية عام 1998 أكثر من مليار درهم (حوالى 35 مليار دولار) كقروض ميسرة، ومساعدات ومعونات شملت معظم دول العالم، حيث يوازي حجم هذه المساعدات 3.5% من إجمالى الناتج العام سنويا، وهو ما يفوق النسبة التي قررتها الأمم المتحدة وهي 0.7% للدول المتقدمة كحد أدنى لتقديم المعونات للدول النامية، وعلى جانب آخر قدم صندوق أبوظبي للتنمية منذ إنشائه عام 1971 وحتى شهر يونيو 1998 أكثر من 15 ملياراً و160 مليون درهم كقروض ميسرة، ومنح ومساعدات مقدمة من حكومة أبوظبي، وقد استفادت من هذا البرنامج أكثر من 51 دولة في الوطن العربي والقارتين الإفريقية والآسيوية حيث بلغ عدد المشاريع التي نفذها الصندوق في هذه الدول 240مشروعا. وفي ضوء هذه السياسة الخارجية الإماراتية الفعالة جاء تعاطي دولة الإمارات مع قضية الإرهاب بصفة عامة وأحداث 11 سبتمبر وما بعدها بصفة خاصة، فالسياسة تركز على الحوار والتعامل الحضاري، وحل الخلافات بالوسائل السلمية والعمل على تأييد السلم والأمن الدوليين لا يمكن أبدا إلا أن تقف موقفا حاسما في مواجهة الإرهاب، بل تعمل بالتعاون مع الأطراف الأخرى للقضاء عليه. الامارات و11 سبتمبر في اتصال هاتفي مع الرئيس الأمريكي جورج بوش، أكد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان موقف دولة الإمارات الثابت في رفض الإرهاب بكل صوره وأشكاله قائلاً «إن الإرهاب بغيض من وجهة نظر الإسلام، والديانات السماوية الأخرى، وهو عدو لدود للإنسانية جمعاء». وفي ضوء هذا الموقف العام أدانت دولة الإمارات على لسان وزير الإعلام والثقافة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان العمليات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11سبتمبر الماضي، مؤكدا استنكار بلاده الشديد للاعتداءات الوحشية التي وقعت في واشنطن ونيويورك، كما قال أيضا «هذه الأعمال الإجرامية الرهيبة والشريرة، تستوجب حملة دولية قوية وشاملة لاجتثاث الإرهاب بكل صوره وأشكاله». وقد جاءت تحركات صاحب السمو الشيخ زايد في مواجهة الأزمة لتضفي ثقلاً للموقف الإماراتي، ففي برقية بعث بها إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش شدد رئيس الدولة على استعداد بلاده و«رغبتها وعزمها على المساهمة في أي وسيلة ممكنة وفي أي حملة للقضاء على الإرهاب». وهو ما أكده أيضا في اتصال هاتفي مع الرئيس بوش 17/9 حيث أشار إلى أن الأعمال الإجرامية التي تعرضت لها الولايات المتحدة تستوجب تضامن المجتمع الدولي لمحاربتها والقضاء عليها واجتثاثها أينما كانت، مؤكدا استعداد دولة الإمارات التام للتعاون في مكافحة الإرهاب، وفي الإطار ذاته جاء أيضا في رسالة صاحب السمو الشيخ زايد إلى توني بلير رئيس الوزراء البريطاني حيث جدد رغبة الإمارات المساهمة في «أي وسيلة ممكنة وأي حملة دولية لاجتثاث الإرهاب من جذوره». وقد أشارت بعض المصادر إلى أن صاحب السمو الشيخ زايد في إدانته للإرهاب أيا كان نوعه أو جنسه أو هويته، دعا أيضا الولايات المتحدة إلى التريث وعدم الاندفاع في إصدار أحكام الإدانة والسعي إلى الانتقام دون التأكد من الأدلة الدامغة التي تدين الجهة المرتكبة للتفجيرات الإرهابية، كما أن صاحب السمو الشيخ زايد أكد على وجوب توفر الدعم الكامل لأي تحالف دولي ضد الإرهاب وأكد أيضا على ضرورة أن يستند أي تحالف دولي لمحاربة الإرهاب على «مبادئ ثابتة تتجنب الكيل بمكيالين». وفي سياق ترجمة المواقف المعلنة إلى مواقف عملية قامت دولة الإمارات في 22 سبتمبر الماضي بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع حركة طالبان بعد أن كانت اعترفت بها في مايو 1997، وفي هذا السياق قالت مصادر إماراتية أن أسباب قطع العلاقات ترجع إلى أن حكومة طالبان رفضت مساعي حثيثة من دولة الإمارات لإقناعها بالتجاوب مع مجلس الأمن تسليم أسامة بن لادن لإجراء محاكمة دولية عادلة في الاتهامات الموجهة إليه في الاعتداءات على الولايات المتحدة، واعتبرت المصادر أنه قد أصبح متعذرا استمرار العلاقات الدبلوماسية مع حكومة ترفض التجاوب مع الإرادة الواضحة للمجتمع الدولي ممثلا في مجلس الأمن. كما كان للإمارات موقف واضح وصريح، في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ففي الاجتماع الاستثنائي للمجلس الوزاري الخليجي 23/9/2001 انضمت الإمارات إلى باقي دول المجلس في تجديد الإدانة للإرهاب والتحذير من أخطاره وإثارة عواقب إيواء عناصره وتقديم العون المادي والمعنوي لها، من جهة أخرى فقد أكدت الإمارات مع دول المجلس الأخرى الأعضاء الاستعداد للمشاركة في «أي عمل» وفي «تحالف» على أن يكون التحرك ضد الإرهاب «محدد الأهداف» وأن «يحظى بتأييد المجتمع الدولي» وألا يستغل «للإساءة إلى سمعة العرب والمسلمين». وقد وصف بعض المراقبين الموقف السابق أنه قد يشكل نموذجا لموقف عربي شامل، فالبيان الذي صدر عن المجلس اتسم بالوضوح لجهة «دعم الجهود الدولية الهادفة إلى تحديد مرتكبي الأعمال الإرهابية لتقديمهم إلى العدالة»، كما اتسم أيضا بالتوازن السياسي لجهة المطالبة بمعاودة تسليط الضوء على قضية الشرق الأوسط ووجوب العمل لوقف إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل على الفلسطينيين، كما اتسم أيضا بموقف أيديولوجي حاسم لجهة استنكاره «الربط بين الإسلام وهذه الأعمال الإرهابية المشينة». غير أن هذا الموقف الإماراتي الواضح في رفض الإرهاب واستنكار التفجيرات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة، لم يغفل هموم وشأن الأمة العربية وخاصة فلسطين التي تعاني أيضا من إرهاب الدولة الإسرائيلي، وفي هذا السياق شدد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على أن التضامن الدولي ضد الإرهاب ـ يجب أن ينطلق من مبادئ ثابتة لا تكيل بمكيالين، وأن على الولايات المتحدة العمل أيضا في الوقت ذاته على وقف أعمال الإرهاب في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد عبر صاحب السمو الشيخ زايد عن ذلك الموقف في أكثر من موقع، ففي رسالته إلى قادة حلف شمال الأطلسي طالب رئيس الدولة بالتحرك من أجل إيجاد حل عادل لقضية الشرق الأوسط يقوم على تطبيق الشرعية الدولية وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير، وإنهاء الاحتلال وإقامة دولة مستقلة على أرض وطنه وعاصمتها القدس، وقد أكد أنه لن يكون هناك سلام دائم لأن القضاء على شخص أو أشخاص لن ينهي المشكلات بشكل دائم، إذ سيحل مكانه مئات بل آلاف الأشخاص، وقد أشارت المصادر إلى أن رئيس دولة الامارات أكد أن أي تحرك لمكافحة الإرهاب دون وجود تحرك مواز له لحل القضية الفلسطينية سيخالف النظرة الشمولية الكلية بل وسيؤدي إلى حل ناقص مرفوض وغير مقبول سياسيا وأخلاقيا. ولاشك أن هذا الربط الذي حاولت الدبلوماسية الإماراتية تأكيده إنما يأتي منسجما مع الموقف العربي التي حاولت الدول العربية أن تبرزه وذلك في محاولة لدفع الولايات المتحدة للاهتمام بصورة أكبر بالقضية الفلسطينية في اتجاه الوصول إلى تسوية مقبولة من جانب العرب. الحملة ضد الارهاب مع بداية الحملة العسكرية الأمريكية في أفغانستان أكدت دولة الإمارات 8/10/2001 دعمها للجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، كما جددت إدانتها لكافة أشكال وصور الإرهاب، واعتبرت أن العمليات العسكرية في أفغانستان تلاقي دعما ومساندة دولية، وفي هذا السياق أكد وزير خارجية الامارات راشد عبدالله في خطابه الذي ألقاه نيابة عنه مندوب الإمارات الدائم أمام الدورة السادسة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك 12/11/2001 وقوف الإمارات وبالكامل إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وسائر الجهود الدولية الأخرى الرامية إلى ملاحقة مرتكبي الاعتداءات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، كما جدد الوزير أيضا استعداد بلاده للمساهمة الفعلية في أي حملة دولية تنظم لمكافحة الإرهاب بكل أشكاله وصوره، بما في ذلك إرهاب الجماعات والمنظمات المتطرفة والعنصرية وإرهاب الدولة. غير أن الإمارات طالبت أيضا المجتمع الدولي بإيجاد نوع من التوازن في الجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب، بما في ذلك إيقاف العمليات الإرهابية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية. وفي إطار دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أكدت مصادر خليجية أن وزراء خارجية دول المجلس قد أعربوا في اجتماع لهم مع وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة 12/11/2001 عن تأييد دولهم للخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة للقضاء على الإرهاب، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم جميع الفصائل الوطنية في أفغانستان، وأضافت المصادر أن الوزراء أشاروا إلى أهمية أن يكون للأمم المتحدة دور في استقرار الحكومة القادمة، وتهيئة الأرضية لها ودعم المجهود الدولي الذي يدعو إلى إعمار أفغانستان بعد انتهاء العمليات العسكرية واستقرار الوضع سياسيا. إلى جانب ذلك حرصت الإمارات على التنسيق في المواقف مع القوى الدولية والإقليمية، ففي لقاء صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات مع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في جنيف أكد رئيس الدولة على مواقف بلاده الثابتة تجاه الإرهاب، كما أكد ضرورة مواجهة الإرهاب الإسرائيلي، وخلال استقباله الرئيس الفرنسي جاك شيراك 13/11/2001، أكد الشيخ زايد أن دولة الإمارات التي ترفض الإرهاب وتؤيد الولايات المتحدة في جهودها الرامية للتخلص منه، تطالب أيضا المجتمع الدولي بالعمل الجاد والمسئول لإيجاد توازن دولي في مكافحة الإرهاب أينما وجد، وعدم إغفال الإرهاب الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، موضحا أنه إذا لم تحل القضية الفلسطينية ضمن مسار سلام عادل وشامل ووفق قرارات الشرعية الدولية فإن الإرهاب والعنف لن يتوقف. وفي محاولة للتنسيق مع الدول العربية قامت الدبلوماسية الإماراتية بالتحرك في عدة اتجاهات، من ذلك مثلاً زيارة سمو الشيخ حمدان بن زايد وزير الدولة للشئون الخارجية للرياض، وزيارة وزير الإعلام والثقافة سمو الشيخ عبد الله بن زايد لدمشق، بالإضافة إلى استقبال أبوظبي للرئيس حسني مبارك، حيث أكد الشيخ زايد مواقف بلاده تجاه الإرهاب مع ضرورة مواجهة الإرهاب الإسرائيلي، وكذلك الإشارة إلى خطورة توسيع نطاق العمليات العسكرية إلى دول عربية أو إسلامية. وفي إشارة لمدى اهتمام أبوظبي بالقضية الفلسطينية أشارت مصادر إلى أن الرئيس مبارك أراد بمشاوراته في الإمارات والكويت الخروج بمبادرة شاملة تتبناها القمة العربية المقبلة في بيروت مطلع العام المقبل، من شأنها ضمان عدم العودة إلى الحلقة المفرغة التي دارت فيها مساعي السلام الحالية، حيث سيطرح الجانب العربي حزمة إجراءات شاملة لتطبيق قراري مجلس الأمن رقمي 242 و 338 وبما يضمن إيجاد آلية ضغط على إسرائيل للقبول بقيام دولة فلسطينية عبر معاهدة سلام توقع عليها كافة الدول العربية. مواجهة الإمارات لظاهرة الإرهاب عمدت الإمارات إلى اتخاذ بعض الخطوات الأخرى في مواجهة الإرهاب سواء كان ذلك على الصعيد السياسي أو المالى أو داخل نطاق مجلس التعاون لدول الخليج العربية. فعلى المستوى السياسي حث مندوب دولة الإمارات لدى الأمم المتحدة في كلمته أمام الجمعية العامة لمناقشة التدابير الرامية للقضاء على الإرهاب ـ المجتمع الدولي على الاستجابة إلى دعوات بعض الرؤساء العرب بشأن عقد مؤتمر دولي يساهم في صياغة استراتيجية مشتركة ومتكاملة لمكافحة الإرهاب سياسيا وتكنولوجيا وقانونيا، لا سيما في وقت ثبت فيه أن هذه الظاهرة متجاوزة لنطاق الحدود الوطنية والإقليمية ولا يمكن لأي دولة منفردة مواجهتها، وفي هذا السياق أضاف المندوب الإماراتي أن الأمر يستدعي بالدرجة الأولى إيجاد إطار عام لمكافحة الإرهاب ومن ذلك اتفاقية قائمة على العدالة والتوازن والشفافية ويتم بمقتضاها كخطوة أولى إيجاد تعريف واضح ومحدد ومتفق عليه للإرهاب يميز بين الأعمال الإجرامية الموجهة ضد الأبرياء وممتلكاتهم ومصالح واستقرار الدول والشعوب من جهة، وبين الكفاح المشروع للشعوب الخاضعة للاحتلال والسيطرة الأجنبية من أجل التحرر الوطني وتقرير المصير. من جهة أخرى أكد المندوب الإماراتي أن أخطر أنواع الإرهاب هو إرهاب الدولة الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية يوميا ضد الشعب الفلسطيني ويشتمل على القصف والقتل المتعمد للآلاف من العزل وفرض تدابير الاعتقال التعسفي والحصار المحكم على حركة الأشخاص ونقل الدواء والغذاء ومصادرة الأراضي وتدمير الممتلكات والبنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية. أما على الصعيد المالى، فقد جاء التحرك الإماراتي واضحا تماما في ضوء قرار الدولة المتضامن مع الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، وكذلك في إطار الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد هذه الظاهرة بعد أحداث 11سبتمبر، حيث طلبت السلطات الأمريكية من مختلف دول العالم تجميد أموال «الإرهابيين» في قائمة وزعتها على هذه الدول، إلى جانب ذلك فقد جاء التحرك الإماراتي على الصعيد المالى امتثالاً لقرار مجلس الأمن رقم 1373، حيث حرصت حكومة الإمارات على اتخاذ عدد من الإجراءات الصارمة لمحاصرة محاولات تمويل الإرهاب وعناصره، وأهم هذه الإجراءات ما يلي: 1 ـ طلب المصرف المركزي الإماراتي من القطاع المالى والتأميني البحث الفوري عن أي حسابات أو ودائع أو استثمارات تمتلكها أربع جماعات حددتها الولايات المتحدة وهي «إرهابيين» و «منظمات إرهابية» و «منظمات غير حكومية إرهابية» و«كيان إرهابي» وتجميدها، كما طلب المصرف أيضا من المصارف والمؤسسات المالية والتأمينية عدم تحويل أي أموال إلى الأشخاص أو الجهات المطلوب البحث عنها في أي منطقة أو دولة، وفي حال استلام أموال من تلك الجهات أو لمصلحتها يتم القيام بتجميدها فورا. 2 ـ أصدر المصرف المركزي 7/11/2001 تعليمات إلى جميع البنوك والصرافات وشركات الاستثمار الحالية والمنشآت المالية الأخرى العاملة في دولة الإمارات العربية المتحدة بما في ذلك قطاع التأمين والأسواق المالية بتجميد أي حسابات أو ودائع أو استثمارات لعدد 62 جهة (سواء أشخاص أو منظمات أو جماعات) من الجهات التي تساعد إرهابيين، وقد جاء في القرار النص على عدم تحويل أي مبالغ إلى هذه الجهات الـ 62، كما أكد القرار أنه على المؤسسات المالية التجميد الفوري لأي أموال تتسلمها من هذه الجهات ال62 أو لصالحها. أما على مستوى مجلس التعاون لدول الخليج العربية فقد جاءت القرارات الصادرة عن الاجتماع العشرين لوزراء داخلية دول المجلس بالعاصمة البحرينية المنامة 29 ـ 30/10/2001، لتدشن مرحلة جديدة في مواجهة الإرهاب، ولتؤسس استراتيجية عملية يمكن البناء عليها خليجيا وعربيا خلال المرحلة المقبلة، حيث أقر الوزراء استراتيجية موحدة لدول المجلس تكفل مواجهة التطرف المصحوب بالإرهاب، وتؤكد هذه الاستراتيجية على التعاون وتبادل المعلومات والتنسيق في مجال مكافحة الإرهاب، فضلا عن اتخاذ الخطوات المناسبة وتعزيز الإجراءات الوقائية وتطوير الوسائل المتعلقة بالمواجهة التشريعية والأمنية للإرهاب بما يتماشى مع الظروف والتحولات والمستجدات، ويكفل وقاية دول المجلس وشعوبها من الأخطار الإرهابية. رؤية تقييمية للموقف الإماراتي لا شك أن الموقف الإماراتي جاء منسجما ومتوافقا مع توجهات السياسة الخارجية الإماراتية ومبادئها، كما أنه جاء أيضا منسجما مع الموقف العربي العام والمصالح العربية، وفي هذا السياق أجمعت آراء المراقبين على وصف تصريحات صاحب السمو الشيخ زايد بأنها حديث متوازن مسئول يضع الأمور في نصابها، ويطالب بميزان واحد وبمكيال واحد في كافة الأمور حتى لاتختل الحريات السياسية في العالم وحتى يقوم نظام عالمي على أساس الشرعية الدولية. وفي هذا الإطار يرى البعض أن موقف الإمارات وردود أفعالها تجاه الأزمة كانت حاسمة وقاطعة، فبالإضافة إلى إدانة الأعمال الإرهابية بشدة وتقديم التعازي إلى أسر الضحايا عرضت الإمارات تعاونها الكامل في التحقيقات وأعلنت عزمها على الانضمام للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، إلى جانب ذلك اعتبر فريق ثان أن تصريحات صاحب السمو الشيخ زايد عبرت عن موقف عربي وإسلامي أصيل، وأيضا تنسجم مع موقف المجموعة العربية والإسلامية فيما يخص مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله، ومع ما ورد في الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، فضلاً عن ذلك فقد اعتبرت صحيفة «هوكستر» الألمانية أن مضمون مكالمة صاحب السمو الشيخ زايد للرئيس بوش يعبر عن رفض صريح وواضح لعولمة الإرهاب مهما كان شكله. ومهما كانت هويته، كما اعتبرت الصحيفة أن صاحب السمو الشيخ زايد قد نطق بلسان أكثر من مليار مسلم عندما شكر الرئيس بوش على ما أعلنه أمام شعبه بضرورة عدم استغلال الأعمال الإرهابية للإساءة إلى الإسلام والمسلمين، وكذلك عندما دعا بوش إلى العمل من أجل حل مشكلة الشرق الأوسط. المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية :