يمر الشعب الفلسطيني حاليا بأصعب وأدق مرحلة من المراحل النضالية في حياته خلال المئة سنة السابقة، حيث يتعرض لأكبر هجمة سياسية وعسكرية واقتصادية عليه من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وما ينعكس عن ذلك من آثار تدميرية للاقتصاد الفلسطيني في كافة قطاعاته، حيث تصل الخسائر بما يقارب نصف مليار دولار شهريًا. بالإضافة إلى الأضرار النفسية والاجتماعية التي تلحق بكل فرد من أبنائه وكل أسرة فلسطينية، هذه الأضرار الناجمة عن زيادة عدد الشهداء والجرحى والمعاقين، وعدم توفر فرص العمل لكافة فئات الشعب، وأصبح هناك الآلاف من الأسر الفلسطينية التي لا تستطيع توفير لقمة العيش لأبنائها. إن السياسة الإسرائيلية الحالية والمخطط لها من الحكومة اليمينية الإسرائيلية المتطرفة تؤدي إلى الموت البطيء للشعب الفلسطيني، مما يجعل كل فرد من أبنائه يفقد الأمل باستمرار الحياة، والتفكير بالخروج عن إنسانيته خصوصا عندما يجد نفسه عاجزا عن تلبية متطلبات بيته وأبنائه وأفراد أسرته للعيش بكرامة بالحد الأدنى المطلوب للحياة. إن ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية الحالية بأعمال الاغتيالات والقصف والتدمير للمنازل والتجريف للأراضي وتقطيع الأوصال بين المدن الفلسطينية بالحواجز الإسرائيلية، علاوة على احتلال المدن ثم الانسحاب منها ثم إعادة احتلالها مرة أخرى أو فرض الحصار حولها، وغير ذلك من الأعمال يؤدي إلى وقف عجلة الحياة الاعتيادية وزيادة أعمال العنف في المنطقة نتيجة استمرار الإحباط واليأس. من المؤسف له أن ما يزيد الطين بله هو أن العالم أجمع يقف متفرجا على ما يجري في الأراضي الفلسطينية، وما يزيد الأسف والحزن هو الموقف المتفرج والصامت في العالم العربي وهم يرون ما يجري في الساحة الفلسطينية ولا يحركون ساكنا، وينتظرون أي تصريح لمسئول غربي سواء أمريكي أو أوروبي ليتعلقوا به ويهللون له بدون أن يحدث أي تقدم حقيقي نحو تحقيق السلام في الأراضي الفلسطينية وبدون أي تقدم نحو حل القضية الفلسطينية ومشكلة اللاجئين الفلسطينيين. ومن المؤسف والمحزن أكثر هو صدور بعض التصريحات من بعض الشخصيات الفلسطينية التي تعيش في قصورها ولا تشعر بمعاناة أبناء شعبها، والتي تطالب بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالتخلي عن المطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني من أجل تهدئة الوضع والعودة إلى ما قبل تاريخ 28/9/2000، متناسين أن ما حصل بعد ذلك التاريخ كان ناتجا من فشل المفاوضات ورفض إسرائيل للالتزام في تنفيذ الاتفاقيات التي وقعت عليها، ورفضها للتوصل إلى حل للقضايا الرئيسية التي هي الأساس في لب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. من الواضح أننا نسير في نفق مظلم ومسدود وأن هذا سيدفع المنطقة إلى زيادة العنف وإلى الانفجار في أي لحظة، لأن لا أحد يستطيع أن يمنع من فقد عقله نتيجة فقدان أحد أبنائه أو مصدر رزقه أو هدم بيته، مما يدفعه إلى القيام بأعمال غير مسئولة وهو لا يدرك عواقبها ولا تهمه نتائجها وآثارها السلبية، خصوصًا وهو يرى اللامبالاة من بعض المنتفعين الذين لا يشعرون بمعاناة شعبهم، ويستمرون في سياسة المتاجرة بأرزاقهم، وتدمير الاقتصاد الوطني الفلسطيني بالنهب والسرقة والاستغلال والتحكم في بعض المواد الأساسية، إضافة إلى عدم مراعاة بعض الجهات الرسمية للظروف الصعبة التي يعيشها أبناء شعبها ويتصرفون بفوقية وتعالي.إ ن كل ذلك يؤدي إلى زيادة المعاناة، والشعب أصلاً يعاني معاناة المناطق التي تتعرض لكوارث وتصل معاناته إلى حد المجاعة والفقر، بينما يتمتع هؤلاء المنتفعون والمستغلون بالحياة الرغيدة والامتيازات العالية التي منحوها لأنفسهم من خلال موقعهم. إن الموت البطيء الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني سياسيا واقتصاديا سيدفع المنطقة إلى الاشتعال وفقدان السيطرة، لأن هذا الشعب لن يقبل باستمرارية تمويته. يجب أن يدرك العالم أجمع وخصوصا إسرائيل والإدارة الأمريكية أن هذه السياسة لن تجدي نفعا لتحقيق السلام الدائم في المنطقة، وأن تحقيق هذا السلام لن يأتي بدون تحقيق العدالة الكاملة للجميع بحل عادل للقضية الفلسطينية ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني، إضافة إلى ضرورة إصلاح الاقتصاد الفلسطيني وتطويره بسهولة الحركة والتجارة الحرة وإزالة كافة التعقيدات. إن الشعب الفلسطيني لا يطلب المستحيل، بل قدم التنازلات الكبيرة بأكثر مما أقرته له قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية من أجل تحقيق السلام الدائم في المنطقة. كما يجب أن يدرك الجميع أن هذا السلام المطلوب من الممكن أن يتحقق بسهولة في ظل القيادة الفلسطينية الحالية وفي ظل الحكمة والاعتدال وبعد النظر لدى الرئيس ياسر عرفات وقدرته على احتواء كافة القوى الفلسطينية المؤيدة والمعارضة، وإذا لم يتم استثمار ذلك حاليا فإن زمام الأمور سوف تفلت من أيدي المعتدلين الراغبين بالسلام الدائم وستفقد فرصة ذهبية لتحقيق هذا السلام المنشود. بقلم: حاتم أبو شعبان