لم يُعرف عن شارون تأييده لأي حلّ سياسي يُقسّم فلسطين إلى قسمين يُخصص أحدهما، مهما كان صغيراً، للفلسطينيين. كما لم يُعرف عنه استساغته لعرفات فبينهما تاريخ طويل من العداء. لماذا إذن ينتظر حتى الآن كي يقوم بحملته «الكبرى» التي يُعلن فيها أن السلطة «كيان مساعد للإرهاب» ويُحمّل مسئولية ذلك بالكامل لعرفات ويُلّوح باستهدافه شخصياً، مع أنه استحصل على كرسي رئاسة الوزراء منذ فترة كي «يتعامل» مع الوضع الفلسطيني ويُحقّق الأمن للإسرائيليين ولماذا تعطي الإدارة الأمريكية موافقتها على هذه «الحملة» الآن، بعد أن كانت تقوم بدور الكابح الخجول لـ «تطلعات» شارون بهذا الاتجاه، وقامت مؤخراً عن طريق وزير خارجيتها كولن باول وموفديْه زيني وبيرنز بإطلاق محاولة لإعادة جريان مسار التسوية السياسية المتوقف منذ حين هل جاء كل ذلك بسبب التفجيرات الأخيرة التي أودت بعدد كبير من القتلى والجرحى الإسرائيليين، أم أن هذه التفجيرات استُخدمت لتبرير هذه «الحملة» المنتظرة منذ حين وحان الآن موعدها؟ أسئلة مهمة وبحاجة إلى محاولة لتقديم أجوبة عليها. يمكن التفكير بثلاثة احتمالات رئيسية لتفسير حدّة «الحملة » الإسرائيلية الحالية على السلطة الفلسطينية ورئيسها، وخروجها عن الطور المعروف في المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، وهي: «1» تصفية السلطة الوطنية الفلسطينية: ينطلق هذا الاحتمال من عدم إيمان شارون القاطع بأن تحقيق التسوية السياسية مع الفلسطينيين يتطلب الاعتراف المبدئي بالحق الفلسطيني بتقرير المصير على أرض فلسطين، والذي يتطلب ترجمته فعلياً القبول بإقامة دولة فلسطين المستقلة غرب النهر. وبما أن شارون ذُعر من الاعتراف الأمريكي مؤخرا بمبدأ إقامة دولة فلسطين على أرض فلسطين، فقد استثمر أول فرصة أُتيحت له بالتفجيرات الفلسطينية الأخيرة في القدس وحيفا ليقوم بالمهمة التي كان دائما يتمناها ويتفلّت من أجل القيام بها، وهي إزالة السلطة الفلسطينية ورئيسها من الوجود. ولكن اجتثاث هذه السلطة والإطاحة برئيسها يتطلب من إسرائيل الشارونية التخلُص تماماً من مجمل تبعات الاتفاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، وإعادة احتلال المناطق التي انسحب الجيش الإسرائيلي منها لتصبح تحت السيطرة الفلسطينية. وما يعنيه ذلك أن إسرائيل ستقوم بنفسها بإنهاء الوضع «الخاص» الممنوح للفلسطينيين الذي طالما رغِبته وصنعته، ليكونوا بموجبه خارج نطاق السيادة الإسرائيلية، ولكن مع ضمان استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية (الوضع الشاذ لحكم ذاتي خارج نطاق السيادة)!، فيعود الوضع إلى سابق عهده من الاحتلال الإسرائيلي المباشر والمُصاحَب بمسئوليات مباشرة تقع على عاتق الجهة المحتلة تجاه السكان الخاضعين للاحتلال. وبما أن هذا الاحتمال سيؤدي إلى تقويض الهدف الإسرائيلي من اتفاق أوسلو وتوابعه، والمتمثل بتخلّص إسرائيل من المسئولية عن «السكان» الفلسطينيين مع استمرار الاحتفاظ بالأرض الفلسطينية، ما يعني أن وضع الأبرتهايد سيصبح أكثر جلاء ويؤثر بشكل فعلي وسريع على المقدرة الإسرائيلية في استمرار الحفاظ على يهودية إسرائيل، وهو الهدف الوجودي الأساسي للحركة الصهيونية، فإنه يمكن الاستنتاج بعدم تبنّي هذا الاحتمال إسرائيليا، حتى من قبل شارون رغم يمينيته المفرطة. ومع أنه أعلن دائما عن معارضته لاتفاق أوسلو، إلا أنه يعرف المنافع الاستراتيجية التي جنتها إسرائيل ضمن حدود ما تمّ تطبيقه منه، ويريد التوقف تماماً عند ذلك. «2» زعزعة استقرار السلطة الفلسطينية: يختلف هذا الاحتمال عن سابقه بأن شارون لا يريد فعلياً إزالة السلطة الفلسطينية من الوجود، بل يرغب في التخلص فقط من رئيسها الذي يتهمه بأنه السبب الرئيسي للتشدد الفلسطيني تجاه إسرائيل (لذلك يُحملّه المسئولية المباشرة عن رعاية ما يسميّه بـ «الإرهاب»)، على أساس أن ذلك قد يكون باعثاً لاعتدالٍ فلسطيني مستقبلي في التعامل مع الاقتراحات الإسرائيلية. وبما أن اعتبارات عديدة إقليمية ودولية، تحول بين شارون واغتيال عرفات، ولأن إبعاد عرفات خارج مناطق السلطة الفلسطينية لن يحدّ من تأثيره بل سيزيد من قوته، فإن شارون يريد من خلال زعزعة استقرار السلطة الفلسطينية، عن طريق توجيه الضربات المتوالية لمقارها ومراكزها، إظهار ضعف الرئيس الفلسطيني أمام شعبه، وإحراجه أمام خصومه ومعارضيه الفلسطينيين. ويستهدف شارون وفقا لهذا الاحتمال، إيجاد الظروف المواتية لتصعيد درجة التذّمر الفلسطيني من الأوضاع بشكل عام، خاصة وأن الوضع الفلسطيني الداخلي ليس على ما يرام على الإطلاق ويوجد بسبب ذلك في الشارع الفلسطيني استياء عام. وبتحقيق ذلك يفتح شارون الطريق أمام إمكانية بروز معارضة فلسطينية تطيح داخليا بعرفات. باختصار، يقوم هذا الاحتمال على أساس هندسة شارون انقلاباً فلسطينياً داخلياً ضد عرفات. ولكن ما يؤكد ضعف، إن لم يكن استحالة، نجاح هذا الاحتمال أن «الحملة» الإسرائيلية ضد السلطة الفلسطينية والهجوم على رئيسها لا يُضعف عرفات بل يزيد من مقدار التكاتف الفلسطيني معه خلال المحنة، ما يعني عدم وجود أدنى إمكانية بقيام أي فلسطيني ممن ترغب بهم إسرائيل بمحاولة الانقلاب عليه، خصوصاً وأن «القادم الجديد» سيُعتبر من قبل الفلسطينيين عميلاً لإسرائيل، يأتي فقط لتقديم التنازلات لها، ولا أحد من هؤلاء يجرؤ على ذلك. علاوة على أن شارون يعي أن الاحتمالية الفعلية الوحيدة الآن لخلافة عرفات تقع في حجر الاتجاه الفلسطيني المتشدد، والذي تسيطر عليه حركة حماس، وهو لا يريد أن يقوّي موقفها على الإطلاق. ولذلك فإن هذا الاحتمال الثاني مستبعد الوقوع. «3» تطويع السلطة الفلسطينية: يقوم هذا الاحتمال على زعزعة استقرار السلطة ورئيسها، ليس بهدف إزالتها أو الإطاحة به، بل من أجل حمل عرفات، وهو محور السلطة ومرتكزها، على الرضوخ للاشتراطات الإسرائيلية، وتحديداً في المجال الأمني، وتنفيذها عوضاً عن التلكؤ في القيام بذلك كما كان الحال سابقاً. فعرفات المُتجاوب في هذا المجال أفضل بكثير من غيابه وعدم ضمان من سيأتي مكانه والحال من بعده. فقد منحت التفجيرات في القدس وحيفا شارون قوة ضغط هائلة، مدعومة بتفهم دولي وصمت إقليمي، وأصبح بإمكانه ممارسة هذه القوة الضاغطة على عرفات دون كوابح. فإما الاستجابة أو الإزاحة. يبدو أن شارون رسا على هذا الاحتمال، فأصبح خياره المعتمد حاليا. فتهديد سلامة وبقاء عرفات شخصياً سيوصل، بالنسبة له، الرسالة ويحقق الغرض. لذلك قام بتوجيه ضربات متوالية لمقار ومراكز السلطة الفلسطينية، واستهدف بالتحديد مواقع ورموز رئاسية، كمروحيات الرئيس ومدرج المطار المستخدم فقط من قبله، إضافة إلى استهداف مقر للشرطة يقع بالقرب من مقر وجود عرفات في رام الله. وبعد هذه «الرسالة» الواضحة قام شارون بتعليق «الحملة» لمدة محدودة ليعطي السلطة الفلسطينية إمكانية تنفيذ الاشتراطات الإسرائيلية، والتي أصبحت اشتراطات أمريكية مدعمة بقبول روسي وأوروبي واضح. فقد ساندت الإدارة الأمريكية شارون بصراحة وفاعلية هذه المرّة، وقامت إضافة إلى إعطائه الضوء الأخضر لتنفيذ «الحملة» على هواه بتبني الاشتراطات الإسرائيلية وتمريرها إلى عرفات كاشتراطات أمريكية، والضغط من أجل تنفيذها خلال ساعات معدودة. ويبدو أن خيار تطويع السلطة يلقى هوى الإدارة الأمريكية التي ستحقق من خلاله تسهيل مهمة زيني الأمنية، في نفس الوقت التي يمكنها فيه التراجع عن موقفها المعلن على لسان باول تجاه متطلبات الحل السياسي، وخصوصاً تجميد النشاطات الاستيطانية وقيام دولة فلسطين، تحت وطأة الضغوط الموالية لإسرائيل في واشنطن، ودون أن تحرج أحداً من العرب المؤيدين لها في «التحالف الأزلي». كما ويمكن للولايات المتحدة انتهاز الفرصة السانحة ونقل حربها ضد ما تسميه بـ «الإرهاب» إلى العالم العربي عبر البوابة الفلسطينية بعد أفغانستان. إنها عدّة إمكانيات مفتوحة لتحقيق مكاسب لا يمكن للإدارة الأمريكية التغاضي عنها. تحت وطأة الضغوط الممارسة عليها من كل الجهات، يبدو أن السلطة الفلسطينية بدأت تستجيب للاشتراطات الإسرائيلية. فقد ولجت من بوابة حالة الطوارئ المعلنة لتضع الشيخ أحمد ياسين تحت الإقامة الجبرية وتُنفّذ المزيد من الاعتقالات بين صفوف الفلسطينيين. وللأسف فإن هذا المنحى المطواع الذي يأتي نتيجة الضغوط المعلنة على السلطة مُضّر بها وخطير على الوضع الفلسطيني الذي يعاني من شدّة دقّة تعقيداته، خصوصاً وأن شراهة شارون الأمنية لا تنتهي، في حين أن قابليته السياسية مغلقة بالكامل. لذلك سيبقى يضع الاشتراطات تلو الاشتراطات، ويُشرّع سيف التهديد على رئيس السلطة الفلسطينية باستمرار، ويُطالب بالاستجابة، ويحكم دائما بأنها ليست كافية، ويُطالب بالمزيد. لقد استطاع شارون تحت شعار تصفية السلطة أن يقوم بتطويعها، وهذا هو بالتحديد ما يريد. لقد كان بالإمكان تجّنب الوقوع الفلسطيني في هذا المأزق لو كانت آليات العملية السياسية وصنع القرار السياسي منتظمة وفاعلة فلسطينياً، وليست محتقنة ومعطلة لا تسمح بوجود حوار سياسي داخلي ومشاركة سياسية فعلية كان بإمكانها استدراك الأمر قبل الولوج إلى دائرة المحظور. إنه درس للتعلم، فهل نتعلم من الدرس؟ بقلم: علي الجرباوي