نجحت واشنطن في التعامل مباشرة مع بعض جمهوريات الكومنولث «السوفييتية سابقاً»، مما اضطر موسكو إلى تخفيض سقف تشددها بالموافقة على التعاون مع الولايات المتحدة. ويمكن القول أن الأهداف التي ترغب روسيا في تحقيقها روسيا من موقفها المؤيد للولايات المتحدة ضد أفغانستان، يجب أن تمر أولاً من قناة تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب، بمعنى آخر فإنه لكي تحقق موسكو أهدافها يجب أولاً أن تعمل على تحسين علاقاتها مع واشنطن والعواصم الغربية، ولعل هذا الأمر يتضح بجلاء عند تناول تلك الأهداف والتي يمكن بلورتها فيما يلي: 1ـ تحقيق مكاسب اقتصادية: لعل أهم المكاسب الاقتصادية التي تريد موسكو تحقيقها هي محاولة كسب الدعم الأمريكي الأوروبي الذي يمثل واحدًا من أهم القضايا الحيوية بالنسبة للسياسة الروسية، وذلك من منظور أن الديون المترتبة على هذه القوة الكبرى تبلغ 143مليار دولار ولم يتم حذف أي مبالغ منها حتى الآن، إلى جانب ذلك تأمل موسكو في الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وفي هذا السياق تعهد وزير التجارة الأمريكي دون إيفانز بتقديم الدعم الاقتصادي لروسيا بما في ذلك المساندة القوية لطلب روسيا بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. 2ـ تقديم روسيا نفسها كمنتج للنفط: تنتج روسيا والجمهوريات السوفييتية السابقة حوالي 10% من إنتاج النفط العالمي، وأكثر من 30% من الغاز الطبيعي في العالم، وزادت صادراتها عام 2001 بنسبة 9%، في هذا السياق تسعى موسكو إلى تأكيد وضعيتها كمنتج رئيسي خارج الشرق الأوسط التي تعاني من قلاقل سياسية يمكن أن تؤثر على إمدادات النفط إلى الأسواق العالمية، وترى موسكو أنها يمكن أن تشكل بديلاً آمنًا للنفط يستطيع أن يسد حاجات الدول الغربية في المستقبل. ومما يساعد روسيا على ذلك ظهور بعض الدعوات الأمريكية عما يسمى بـ «بناء تحالفات نفطية جديدة وحماية المستهلكين في أمريكا من احتمالات الارتفاع الشديد في أسعار النفط والتصدي لاعتماد أمريكا وربما الغرب الأوروبي بشكل عام على مصادر النفط الخارجية وخاصة نفط الشرق الأوسط»، وفي هذا السياق صدرت بعض الأبحاث والمقالات الأمريكية، ففي دراسة أمريكية حديثة تحت عنوان «روسيا حليفاً نفطياً» جاء أنه في ضوء الاضطرابات والفوران الذي يجتاح الشرق الأوسط «ينشأ شريك جديد»، وفي هذا الإطار أيضًا ظهرت بعض المقالات التي تلمح إلى ما قد يتهدد حقول النفط في الشرق الأوسط من أخطار على أيدي الإرهابيين. وقد يشير البعض إلى أن الولايات المتحدة ترفض التعاون مع روسيا في مجال النفط وخاصة فيما يتعلق بنقل بترول دول آسيا الوسطى عبر الأراضى الروسية، غير أن هذه المعارضة قد تتلاشى في ظل حالة التحسن في العلاقات الروسية-الأمريكية في أعقاب أحداث سبتمبر، بل أن بوادر هذه المعارضة قد تضاءلت مع قبول واشنطن لخط الأنابيب الذي ينطلق من حقل «تنجيز» في كازخستان إلى ميناء نوفورسيسك الروسي مما أدى إلى اكتمال الخط بل تدفق أول شحنة عبره في أكتوبر الماضي. 3ـ ضمان تشكيل حكومة موالية في أفغانستان: يرى المراقبون أن موسكو صاحبة مصلحة رئيسية في استبدال النظام الأفغاني المعادي لها بنظام آخر معتدل ومستعد لإقامة علاقات سلمية معها،بمعنى آخر فإن موسكو تريد التخلص من طالبان التي كان الروس يرون فيها دائماً خصماً عنيداً تسبب في انتشار حالة من القلق داخل الجمهوريات السوفييتية السابقة، بل داخل روسيا ذاتها عن طريق المقاتلين الشيشان. غير أن هذا الهدف لن يتحقق إلا بوجود حكومة موالية لموسكو، ومن هنا حاولت روسيا دعم التحالف الشمال الأفغاني المعارض الموالي لها للوصول إلى الحكم محل طالبان، فبداية حاول الرئيس بوتين إقناع الرئيس بوش بوضع الرهان في الحملة العسكرية ضد طالبان على تحالف الشمال حيث يمكن لهذا التحالف أن يقوم بتحرير الأراضي الأفغانية من طالبان والاستيلاء على العاصمة كابول، وعلى جانب آخر قدمت روسيا الدعم العسكري والسياسي لتحالف الشمال ولحكومة الرئيس رباني، وهو ما اعترف به الرئيس بوتين نفسه. في ضوء تلك الرغبة الروسية حدث نوع من الخلاف بين موسكو وواشنطن حول حركة طالبان وحقيقة العلاقات مع قوات تحالف الشمال المعارضة، فالجانب الأمريكي كان يرى في البداية ضرورة العودة إلى ما قبل سنوات الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979، ما يعني ضرورة تمثيل الملك السابق محمد ظاهر شاه ومختلف الأعراق والقوميات إلى جانب المعتدلين من طالبان، بينما رأت موسكو استحالة عودة النظام الملكي، وضرورة الاعتماد على ممثلي القوميات الغربية من آسيا الوسطى أي الطاجيك والأوزبك، وفي هذا الشأن أكد الرئيس الروسي أنه «لا مكان لطالبان في الحكومة الائتلافية المرتقبة» في أفغانستان. حساب المكاسب وقد استطاعت موسكو الحصول على عدة مكاسب في هذا الشأن حيث تطور الموقف الأمريكي في اتجاه الموقف الروسي وهو ما ظهر في تصريحات المسئولين الأمريكيين والروس الأخيرة، حيث اتفق كل من أمين عام مجلس الأمن القومي الروسي فلاديمير روشايلو، ومستشارة الأمن القومي الأمريكي كوندوليزا رايس على ضرورة إقامة حكومة تمثل كل الفئات «المتزنة» في المجتمع الأفغاني، ويأتي تفسير هذه العبارة في الإعلان المشترك الذي نشر في ختام محادثات مساعد وزير الخارجية الأمريكي ريتشارد أرميتاج ونائب وزير الخارجية الروسي فياتيسلاف تروبنيكوف، أن الروس والأمريكيين «متفقون على أنه لا مكان لطالبان كحركة في أي من المؤسسات المستقبلية في أفغانستان» مع تأييد تشكيل حكومة «متعددة الاثنيات على قاعدة واسعة». 4ـ التخلص من الأصولية والانفصالية الشيشانية: يعد التخلص من الأصولية الإسلامية في المنطقة هو ما تسعى موسكو إلى تحقيقه، حيث يعتبر التحدي الذي تشكله تلك الأصولية وتمدد الخطر الإسلامي المتشدد هما ما يشغل بال الحكومة الروسية حيث يعيش في روسيا 20 مليون مسلم يطالبون بالاستقلال، فضلاً عن ذلك فقد شهدت جمهوريات آسيا الوسطى الفقيرة تناميًا ملحوظاً في انتشار الحركات الإسلامية التي تقدم الدعم لحركة طالبان، الأمر الذي يشكل في النهاية خطرًا على تلك الجمهوريات، علاوة على ذلك تخشى موسكو من الأيديولوجيات المتشددة التي قد تثير نزعات تدعو إلى استعادة الأراضي الجنوبية في محافظات روسيا الجنوبية، وفي ضوء ذلك تعمل الحكومة الروسية للحيلولة دون إبقاء أفغانستان كمعسكر لازدهار الأصولية الإسلامية. وعلى الجانب الآخر تعمل موسكو على استثمار الأوضاع الراهنة للحصول على تأييد أو حتى صمت الغرب عن تصرفاتها في الشيشان، ومعروف مدى الانتقادات التي كانت تواجهها موسكو جراء حربها في هذه المنطقة التي تطالب بالانفصال عن روسيا، وفي هذا السياق انتظرت موسكو إشارة أمريكية تؤكد دعم الولايات المتحدة لموسكو في ذلك الشأن، وهو ما جاء في تصريح الناطق باسم البيت الأبيض آري فلايشر الذي قال «ليس هناك أدنى شك بأنه يوجد إرهاب مرتبط بابن لادن في الشيشان»، ولعل في ذلك ضوء أخضر لبوتين كي يتصرف كما يشاء في الشيشان من دون اعتراض من أحد، بل أن بعض المحللين الروس قد ذهبوا إلى أن بوتين قد حصل على تعهد أمريكي بدعم جهود روسيا في مرحلة لاحقة لإخماد «التمرد» في الشيشان، كما أشار هؤلاء إلى أن موسكو قد طلبت من واشنطن قصف بعض القواعد التي يحتفظ بها المجاهدون الشيشان في مناطق خاضعة لسيطرة طالبان في شمال أفغانستان. غير أن روسيا لم تستطع حتى الآن أن تنال موقفاً أمريكياً أو غربياً واضحاً وصريحاً تجاه قضية الشيشان، فعقب تصريحات آري فلايشر المشار إليها، أوضحت مستشارة الأمن القومي مغزى تلك التصريحات في خطاب ألقته في غرفة التجارة الأمريكية-الروسية قائلة «إن الصراع في الشيشان له تاريخه الخاص، ويجب علينا أن نفرق بين التطلعات الشرعية للشعب الشيشاني والروابط الموجودة بين هؤلاء الثوار والإرهاب»، وأضافت «يجب أن يكون هناك حل سياسي للاعتراف بحقوق الأقليات في العالم». لاشك أن العرض السابق عن الموقف الروسي من الحرب الأمريكية ضد الإرهاب وأسبابه وأهدافه يعد مؤشراً مهماً على رغبة روسيا في تحسين علاقاتها بصورة كبيرة مع الولايات المتحدة، فالمواقف والأسباب وكذلك الأهداف كلها تصب في تحقيق تلك الرغبة، وقد تزامن مع ذلك المؤشر الرئيسي مؤشران آخران يؤكدان الحرص الروسي على إنهاء الحرب الباردة تماماً. إغلاق قاعدتي كامران ولورديس أعلنت روسيا على لسان الرئيس فلاديمير بوتين انسحابها من قاعدة كامران البحرية في فيتنام وقاعدة لورديس للرصد والمتابعة الاستخباراتية في كوبا، وعزت موسكو قرارها إلى أسباب اقتصادية حيث أن كوبا تتقاضى سنويًا 200 مليون دولار كإيجار عن القاعدة. غير أن المراقبين يؤكدون أن الهدف الروسي ليس اقتصاديًا وإنما سياسي في المقام الأول، فتوقيت صدور الإعلان الروسي-الذي كان من قبل أيام من لقاء بوش وبوتين على هامش قمة منتدى الأبيك بشنجهاي-كان تلميحاً شفافاً إلى المغزى السياسي، حيث تحدث الساسة الروس صراحة عن الرغبة في وضع نهاية لتاريخ الحرب الباردة وفتح صفحة جديدة في العلاقات مع الغرب. ويتضح مدى صحة هذا الطرح في ضوء استعراض الأهمية الاستراتيجية لهذه القواعد، حيث قام الأمريكيون ببناء قاعدة «كامران» في الستينيات في فيتنام، ولكن بعد هزيمتهم منحت الحكومة الفيتنامية القاعدة لروسيا بدون إيجار لمدة 15 عاماً، وأجرى فيها الروس تحديثات كثيرة مكنتهم من المراقبة والتتبع والتنصت على الولايات المتحدة واليابان. وإذا كانت هذه القاعدة قد تضاءلت أهميتها فعلاً لأن الأساطيل الروسية غالباً ما لا تجد الوقود الكافي للوصول إليها، فإن قاعدة لورديس الكوبية ـ وكما يرى البعض ـ ظلت من أهم ما تبقى لروسيا من متاع جيوسياسي وورقة مهمة كان يمكن بيعها للأمريكيين مقابل تنازلات كبيرة، وتحتوي القاعدة على مركز للتنصت عن طريق الإلكترونيات الحديثة يعمل بها حوالي 3000خبير روسي، وكان الروس قد أنفقوا حوالي 600مليون دولار على تحديث هذه القاعدة ـ 3 مليارات حسب مصادر أمريكية ـ في حين تدفع روسيا 200مليون دولار كإيجار سنوي للقاعدة ويأتي الدفع عن طريق تزويد كوبا بمنتجات وسلع ومواد روسية. ويرى المحللون أن التخلي عن قاعدة لورديس يجعل روسيا تخسر مصدرًا كان يزودها 70% من المعلومات الاستخباراتية عن الولايات المتحدة، بل أن روسيا بذلك تتنازل عن الركيزة الجيوسياسية الوحيدة لها في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وتلغي سلفاً احتمالات استخدام القاعدة كعنصر في منظومة اقتراح العلماء الروس إقامتها كرد على الأمريكيين إذا نفذوا مخططاتهم لإنشاء الدرع الصاروخية. تقديم تنازلات بشأن معاهدة 1972: كما سبق الإشارة فإن المشروع الأمريكي لبناء الدرع الصاروخية والرغبة الأمريكية للانسحاب من معاهدة الدفاع المضادة للصواريخ الموقعة عام 1972 كانت إحدى القضايا الخلافية بين موسكو وواشنطن في فترة ما قبل أحداث 11سبتمبر حيث كانت موسكو ترفض إقامة المشروع كذلك انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة، غير أن هذا الموقف قد شابه بعض التنازلات الروسية مؤخرًا. فأثناء زيارة وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد لموسكو أعلن وزير الدفاع الروسي سيرجي إيفانوف أن معاهدة «آي. بي. إم» الموقعة عام 1972 «جزء مهم مهم لكنه ليس الوحيد في نظام الاستقرار الاستراتيجي، كما أعرب الوزير عن اتفاقه الجزئي بأن المعاهدة تعد الآن من مخلفات الحرب الباردة، كما أشار الوزير أن هناك اتفاقيات واستحقاقات أخرى مثل معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية ومعاهدة تصفية الصواريخ متوسطة المدى تعد أيضًا في إطار مخلفات الحرب الباردة، وهو ما ينطبق أيضًا على حلف الناتو». غير أن بعض المراقبين يؤكدون أن تصريحات الوزير الروسي تلغي مواقف روسية سابقة كان قد أكدها بوتين خصوصًا لجهة اعتباره معاهدة «آي. بي. إم» حجر الزاوية ورفضه إلغاءها أو تعديلها، كما أن إيفانوف لم يشترط إلغاء الاتفاقيات والاستحقاقات التي أشار إليها لكي توافق موسكو على إلغاء أو تعديل «آي. بي. إم»، ولعل ذلك يعني في النهاية أن موسكو مستعدة لتقديم تنازلات بخصوص المعاهدة خاصة وأن بعض المراقبين توقع أن يعقد الجانبان الروسي والأمريكي اتفاقاً في شأن «آي. بي. إم» أثناء زيارة بوتين للولايات المتحدة في منتصف نوفمبر الجاري، وفي هذا السياق طرح وزير الدفاع الروسي صيغة للعلاقات الروسية ـ الأمريكية تنص على أن البلدين «لم يعودا عدوين وتالياً هما شريكان». ولاشك أن تصريحات وزير الدفاع الروسي بشأن اعتبار معاهدة «آي. بي. إم» من مخلفات الحرب الباردة إنما تعكس رغبة روسية في التأكيد على انتهاء الحرب الباردة، ما يعني انتهاء علاقة العداء بين روسيا والولايات المتحدة وانتقالها إلى مرحلة الشراكة بعد ذلك، ما يعني في التحليل الأخير رغبة روسية صريحة في تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. ثالثاً: مستقبل العلاقات الروسية ـ الأمريكية: في مقابل تلك المؤشرات الروسية عن الرغبة في تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، صدرت عدة إشارات أمريكية تعكس أيضاً إمكانية أن تسير واشنطن في هذا الطريق، فكانت الإشارة الأولى قد صدرت عن مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس التي أعلنت «لا أظن أن ثمة مرحلة أكثر بلورة لنهاية الحرب الباردة أكثر من المرحلة الحالية»، ثم شددت على ضرورة أن تتوسع هذه الشراكة «فتتجاوز العلاقات الاستراتيجية والأمنية لتشمل التعاون الاقتصادي والتجاري»، وبعد ذلك جاءت الإشارة الثانية عندما كان وزير التجارة الأمريكي دونالد إيفانز يتحدث خلال حفلة تدشين أنبوب النفط الجديد الذي سينقل المستخرج من مناطق بحر قزوين إلى الأسواق الغربية، حيث قال ان هذا المشروع «يرسل إشارات مهمة إلى العالم بأن الولايات المتحدة وروسيا وآسيا الوسطى يتعاونون لتحقيق الازدهار والاستقرار في هذا الجزء من العالم». غير أن مستقبل العلاقات بين الدولتين لن يتحدد فقط في ضوء الإشارات، فكما أبدت موسكو مواقف عملية، فهي الأخرى تريد من الولايات المتحدة مواقف عملية بخصوص بعض القضايا الخلافية بين الجانبين، ولما كانت الفترة الحالية تشهد تركيزاً أمريكياً على أحداث الإرهاب ومحاربته فإن أبرز القضايا التي أثيرت من خلال لقاءات المسئولين الروس والأمريكيين هي ما يتعلق بالمواقف المتبادلة من الدرع الصاروخية الأمريكية المزمع إنشاؤها، وقضية توسيع الناتو، إلا أنه يمكن القول إن المناخ الإيجابي السائد الآن بين الجانبين يمكن أن يدفع مستقبلاً إلى تسوية أي قضايا خلافية في ضوء اتفاقيات تأخذ بعين الاعتبار مصالح الطرفين. توسيع الناتو وبخصوص قضية توسيع الناتو فرغم أن بوتين كان يعارض توسيع الناتو لضم جمهوريات البلطيق الثلاث ليتوانيا واستوينا ولاتفيا، إلا أن الرئيس الروسي عاد مرة أخرى ووافق على ذلك، بل أنه طالب بانضمام بلاده إلى الحلف ـ كما سبق الإشارة ـ وهو ما يعني أن الكرملين يحاول إعادة رسم سياسة بلاده إزاء حلف الناتو على أساس أنها «تعاون». ويرى هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أنه توجد عدة بدائل لحل مشكلة الناتو وهي: - ضم دول البلطيق الثلاث مع وضع ضمانات أمنية مثل الاتفاق على عدم وجود قوات حلف الأطلسي في مناطق بحر البلطيق. - الإسراع بضم تلك الدول إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك في ضوء عدم إقدام الاتحاد على تقوية دفاعاته وتشكيل قوة أوروبية ذات مهمة واضحة ومحددة، في هذا السياق يمكن أن يكون هناك ضمانات أمنية من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لروسيا. - معاملة أهلية الانضمام للناتو، ليس كقضية أمنية ولكن كاعتراف بالتطور السياسي والاقتصادي، ومن هذا المنطلق يمكن لأي بلد يتمكن من تحقيق المستويات المطلوبة أن يعتبر مؤهلاً للانضمام للناتو بما فيها روسيا، أما بخصوص المشروع الأمريكي لإقامة الدرع الصاروخية فقد أشار بعض المحللين إلى أن هذا المشروع الذي كان أحد مسببات الخلاف والتباعد بين واشنطن وموسكو سيخضع بالتأكيد لإعادة النظر في ضوء الأحداث المتعاقبة، وذلك انطلاقًا من عدة عوامل هي: - إعادة النظر في الاستراتيجية الأمريكية القائمة على حماية الولايات المتحدة من أخطار خارجية محتملة، فقد أظهرت تفجيرات نيويورك وواشنطن أن الخطر الحقيقي يمكن أن يأتي من الداخل. - إن معالجة آثار التفجيرات الإرهابية بما في ذلك الحملة المفتوحة ضد الإرهاب قد تستنفد الاعتمادات المالية التي كانت مخصصة للدرع الصاروخية، بل لمشرعات عديدة، كذلك فإن الوضع الاقتصادي الناشئ عن هذه التطورات مجتمعة لن يسمح بالتركيز على مشروعات لا تعتبر في الأساس ضرورية لأمن الولايات المتحدة واستقرارها السياسي والاقتصادي، ولا تأتي بين الأولويات التي تفرضها حاجات المرحلة المقبلة. - نشوء وضع عالمي جديد ستحدد العلاقات فيه قاعدة التحالف الدولي المشكل ضد الإرهاب، ولعل الإدارة الأمريكية التي صرفتها أحداث 11 سبتمبر كانت واضحة في تطلعاتها المستقبلية عندما وضعت دول العالم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الوقوف معنا أو مساندة الإرهاب. ويستشهد أصحاب هذا الطرح بقرار الإدارة الأمريكية بتأجيل اختبارات بعض أجزاء نظام الدفاع الصاروخي، ويرى هؤلاء أن السبب في ذلك هو تمتين التحالف مع الرئيس الروسي وكسبه إلى جانب الإدارة في حربها ضد الإرهاب، كما أن تلك الخطوة مقصود منها تهيئة الأجواء لعقد اجتماع قمة ناجح بين الرئيسين عندما يزور بوتين واشنطن في منتصف شهر نوفمبر الحالي. غير أن تلك الآراء لا تبدو صحيحة تمامًا، وهو ما يبدو من تلك الإجابة التي قدمها الرئيس بوش لدى سؤاله عما إذا كان تعاون روسيا مع الحملة الأمريكية ضد الإرهاب في أفغانستان سيجعل واشنطن تعيد النظر في مشروع الدرع الصاروخية، حيث قال الرئيس بوش أنه لا يعتقد أن هذه المبادرة الدفاعية مفيدة للجميع بل أن الرئيس الأمريكي أشار إلى أن أحداث 11 سبتمبر تزيد من أهمية تنفيذ هذه المبادرة الدفاعية لمواجهة احتمالات حصول الإرهابيين على صواريخ باليستية. بناء عليه فالنهج الأمريكي لا يعتمد على إلغاء المشروع، وإنما سلك الأمريكيون طريقاً آخر يتعلق بالاتفاق على تخفيض الترسانة النووية مقابل إطلاق يد الولايات المتحدة فيما يتعلق بالتجارب الصاروخية، وفي هذا السياق جاءت الجهود الدبلوماسية الروسية ـ الأمريكية في الفترة الراهنة والتي توجت بزيارة الرئيس الروسي لواشنطن في منتصف نوفمبر الجاري، وقد أشارت بعض المصادر إلى أن تقديم موسكو تنازلات بخصوص معاهدة «آي. بي. إم» قد يقابله اتفاق على تخفيض الأسلحة النووية، ومما يؤكد ذلك ما أعلنه المستشار الألماني جيرهارد شرويدر في موسكو مؤخرًا من أن القمة الروسية الأمريكية ستكون «تاريخية في مجال نزع السلاح»، كما أشارت صحيفة الجارديان إلى أن ثمة «مفاوضات لإبرام اتفاقية استراتيجية مع روسيا» ربما تسفر عن اتفاق تاريخي يتضمن خفضًا للترسانة النووية وهو ما أكدته أيضًا صحيفة موسكو تايمز. بين السيناريوهات المطروحة سابقا، هناك سيناريو اخر مفاده ان موسكو اكتشفت عقب احداث 11 سبتمبر مدى تقلص الخيارات ومدى ضيق هامش المناورة المتاح امامها على الأقل الفترة الراهنة، وبالتالي فإنها ستكون الخاسر الوحيد إذا لم تنضم إلى الركب الأمريكي، وقد لعب موقف الجمهوريات السوفييتية السابقة لاسيما المحيطة بأفغانستان والقريبة منها دوراً في تغيير قناعة موسكو وكسر حالة التمنع التي غلبت عليها، خاصة أنه لم يكن بوسع روسيا أن تضمن أن اتباعها السابقين في اوزبكستان وطاجيكستان سيرفضون التعاون مع الولايات المتحدة، فأوزبكستان لديها علاقات قوية مع واشنطن، وطاجيكستان تعد بدورها احدى افقر دول العالم وتنتظر بلهفة المساعدات الامريكية والغربية، الى جانب ذلك فان محاولة التنسيق مع هذه الجمهوريات قد باءت بالفشل، فقد ارادت موسكو في البداية ان تفرض عليها اتخاد موقف موحد بالامتناع عن التعاون مع واشنطن وحاولت التحدث مع هذه الاخيرة باسم تلك الجمهوريات