في ظل تلك التطورات ظهرت العديد من القضايا الخلافية بين واشنطن وموسكو لاسيما منذ تولي الرئيس بوش الابن الحكم، وكانت أن نشبت بعض الأزمات المباشرة بين البلدين مثل أزمة التجسس التي اندلعت نتيجة القبض على روبرت هانسن عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي المتهم بالتجسس لصالح الاتحاد السوفييتي وروسيا لمدة 16عاما، وقد أدت هذه الأزمة إلى نشوء حالة من التوتر في العلاقات الثنائية بين الطرفين، حيث قامت الولايات المتحدة بطرد 51 دبلوماسيا روسيا، وهو ما ردت عليه روسيا بالمثل. علاوة على تلك الأزمة كانت هناك قضايا أخرى خلافية عادة لم تستطع لقاءات القمة التي جرت بين الرئيسين بوتين وبوش التغلب عليها، ولعل أبرز هذه القضايا ما يلي: 1 ـ الملف العراقي: حيث رفضت موسكو المشروع البريطاني الذي دعمته الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي حول نظام جديد لعقوبات الأمم المتحدة على العراق فيما عرف باسم «العقوبات الذكية»، وكانت موسكو قد هددت باستخدام الفيتو من أجل منع تمرير المشروع، وقد أدى ذلك إلى إحباط المشروع البريطاني، بل واستجابة الأمم المتحدة بعد ذلك للمطالب العراقية التي تدعمها روسيا بمد فترة برنامج النفط مقابل الغذاء والسماح لبغداد بمواصلة صادراتها البترولية للحصول على السلع الغذائية. 2 ـ قضية الشرق الأوسط: حيث تحاول روسيا أن تلعب دوراً فاعلاً في عملية التسوية السلمية وتعزيز مشاركتها في عملية السلام، وهو ما لا يلقى قبولاً من الجانب الأمريكي الذي يملك أوراق اللعبة كلها تقريبا فيما يتعلق بعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما أن الولايات المتحدة هي الدولة التي تملك أوراق الضغط والتفاهم مع طرفي الصراع والأطراف الأخرى، وهو ما يؤهلها وحدها لأن تلعب دور الوسيط الوحيد الذي يستطيع تحقيق التسوية. 3 ـ قضية البلقان: بدت الخلافات واضحة بين الجانبين في مسألة ترسيم الحدود بين دول البلقان، حيث رأت واشنطن أن إعادة ترسيم الحدود بين دول المنطقة هو الحل الأمثل للصراعات العرقية المتتالية هناك، في حين رأت موسكو أن إعادة الترسيم من شأنها الإضرار بمصالح الشعوب السلافية، وتبدو من وراء ذلك من وجهة نظر روسيا شبهة انحياز غير مبرر من جانب واشنطن للأقلية الألبانية في مواجهة الأغلبية العرقية في المنطقة. 4 ـ التسلح الإيراني: كانت قضية ايران احدى القضايا الخلافية والمثيرة للجدل بين الدولتين لاسيما في الفترة الأخيرة التي استمرت فيها مبيعات الأسلحة الروسية والتعاون الروسي مع إيران في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وفي هذا السياق يرى المراقبون أن زيارة وزير الدفاع الروسي لإيران في ديسمبر 2000 ثم توالي زيارات المسئولين الإيرانيين وزير الدفاع الإيراني علي شمخاني والرئيس محمد خاتمي لموسكو، وتأكيد بوتين على مضي روسيا قدما في بيع أسلحة دفاعية لإيران .. كل ذلك قد شكل تحديا للإدارة الأمريكية التي اعتبرت صفقات الأسلحة الروسية لإيران خرقا صريحا لاتفاق تشرنومردين وآل جور الموقع عام 1995 ويقضي بـ «توقف روسيا عن تزويد إيران بأي أسلحة تقليدية متطورة بدءا من عام 2000». 5 ـ التدخل الأمريكي في الشئون الداخلية الروسية: حيث ترى موسكو أن واشنطن تحاول التدخل في شئونها الداخلية بدعوى انتهاكها حرية الصحافة وحرية الإنسان في الشيشان، وفي هذا السياق تبرز دعوة الرئيس بوش إلى وقف المؤسسات الدولية منح القروض والمساعدات لروسيا بسبب الضغوط التي تمارسها السلطات الروسية على وسائل الإعلام المستقلة في روسيا، واستمرار الحرب في الشيشان، وقيام الولايات المتحدة أيضا بإجراء اتصالات مع الانفصاليين في الشيشان، حيث التقى إلياس أحمدوف وزير خارجية الحكومة الشيشانية الانفصالية، وجون بيرلي القائم بأعمال المستشار الأمريكي الخاص لدول الكومنولث في مارس الماضي، وهو ما أثار انتقادات موسكو. 6 ـ الصراع حول آسيا الوسطى: تشكل آسيا الوسطى قضية أخرى شديدة الجدل بين الدولتين، حيث ترى موسكو أن واشنطن تريد أن تبسط نفوذها على تلك المنطقة التي تعتبر المجال الحيوي لروسيا ومنطقة نفوذها الأساسية، وفي هذا السياق يشير بعض المراقبين إلى أن الاهتمام الأمريكي بهذه المنطقة ليس حديثا بل أنه يرجع إلى فترة الحرب الباردة، فأثناء وجود الاتحاد السوفييتي كان الاستراتيجيون الأمريكيون يعتبرون جمهوريات آسيا الوسطى بمثابة «البطن الرخو» للإمبراطورية الحمراء الأكثر قابلية للاختراق من الناحية الاستراتيجية، وكان هذا هو السبب الجوهري لاهتمام الولايات المتحدة الكبير بدعم المجاهدين الأفغان في مواجهة الاحتلال السوفييتي لبلادهم. 7 ـ ويشير آخرون إلى أنه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي سعت واشنطن لتحل محل الإمبراطورية السوفييتية في الجمهوريات المستقلة من خلال ما يلي: ـ المساعدات الاقتصادية المدروسة، ودعم مواقف هذه البلدان في المحافل الدولية خاصة المتعارضة مع الوصاية الروسية. ـ التعاون الأمني والعسكري المشترك وإنشاء «الدوائر الحيوية» المشتركة بين واشنطن وعواصم تلك الدول. ـ الاستثمارات الزراعية والصناعية والنفطية والعمل على السيطرة على بحر قزوين وعزل روسيا وإيران عن التأثير الأساسي لمسارات الاستثمارات والإنتاج وأنابيب النفط لهذا البحر. توطيد سيادة الجمهوريات المستقلة وإقامة وترميم العلاقات الاقتصادية فيما بينها. في هذا السياق يرى المراقبون أن واشنطن نجحت إلى حد كبير في تحقيق هدفها في المنطقة، حيث تمكنت من تحقيق درجات متفاوتة من التغلغل السياسي والاقتصادي والعسكري في كل من آسيا الوسطى والقوقاز، فقد دعمت واشنطن علاقاتها بصورة خاصة بكازخستان حيث تستثمر فيها شركة شيفرون الأمريكية عدة مليارات من الدولارات في مجال النفط، كما تجري الولايات المتحدة وكل من كازخستان وقيرغيزستان مناورات عسكرية مشتركة في إطار برنامج الشراكة من أجل السلام الذي انضمت إليه جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ماعدا طاجيكستان. إلى جانب ذلك تقيم الولايات المتحدة علاقات طيبة مع كل من أوزبكستان وتركمانستان، وكانت شركة «أونوكال» الأمريكية تعتزم مد خط أنابيب لنقل الغاز من تركمانستان إلى باكستان عبر المناطق الغربية والجنوبية من أفغانستان باستثمارات تبلغ 2.5 مليار دولار، وكان من شأن هذا المشروع أن يساهم بدرجة كبيرة في فك الارتباط بين تركمانستان وروسيا التي يجري عبرها الغاز التركماني إلى الأسواق الأوروبية، ونفس الأمر كان سيحدث في حال مد خط أنابيب لنقل النفط الكازخاني عبر تركمانستان المجاورة فأفغانستان إلى باكستان على بحر العرب بدلاً من المسار الروسي الحالي. 8 ـ قضية توسيع الناتو: يرى البعض أن أهم التحديات المباشرة التي تواجه العلاقات الروسية الأمريكية هي توسيع حلف شمال الأطلسي «الناتو»، لاسيما ليشمل دول البلطيق الثلاث وهي الجمهوريات السوفييتية السابقة ليتوانيا ولاتفيا واستونيا، وهو الموضوع المطروح على أجندة عام 2002، وفي هذا السياق يرى الغرب أن إخضاع السوفييت لهذه الدول في الأربعينيات لم يحظ باعتراف الولايات المتحدة وأوروبا، كما أنه لا يوجد ما هو أكثر استحقاقا للحماية من جانب الديمقراطيات الغربية أكثر من الدول الصغيرة غير القادرة على تهديد جيرانها. وفي الجانب المقابل ترى روسيا أن تقدم الناتو إلى ما يقرب من 40 ميلاً من سانت بطرسبورج، وفي دول تعتبر حتى الحقبة الماضية جزءا من الاتحاد السوفييتي لابد أن يثير المتاعب بغض النظر عن التأكيدات والضمانات المقدمة، حيث ترى موسكو أن الهدف الحقيقي من ذلك هو تطويق روسيا من جهة بحر البلطيق مما يعد تهديدًا لأمنها القومي، بل أن موسكو تعتبر ذلك الإجراء «خطأ تاريخيا» يجب ألا تسمح به خاصة وأن دول البلطيق تمتلك حدودًا مشتركة مع روسيا ولديها بنية تحتية حربية سوفييتية منذ أن كانت جزءًا من الاتحاد السوفييتي، وقد تزايدت المخاوف والشكوك الروسية لدى إعلان الناتو رفض طلب روسيا بالانضمام إليه، مما دفع الرئيس الروسي بوتين إلى التساؤل: «إذا كان الناتو ليس منظمة عسكرية، فلماذا لا يقبل بانضمام روسيا؟ ولماذا يقترب من حدودنا؟». 9 ـ قضية الدرع الصاروخية الأمريكية: وتعد هذه القضية من أهم القضايا الخلافية بين الدولتين، حيث تريد واشنطن بناء هذه الدرع لمواجهة خطر الصواريخ العابرة للقارات وحماية أراضيها من هجمات محتملة قد تشنها ما تطلق عليه «الدول المارقة» مثل إيران وكوريا الشمالية والعراق، وفي المقابل رفضت روسيا المشروع حيث تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي بل وللاستقرار الدولي، وتقويضا لكل أنظمة واتفاقات الحد من التسلح، غير أن الأمر المهم هو أن مسلك إدارة بوش تجاه موسكو فيما يختص بالدرع كان يقوم على امتناع روسيا ليس شرطا مسبقا للبدء في بناء نظام الدفاع الصاروخي، صحيح أن الأفضل بالنسبة لواشنطن أن يكون هناك تفاهم ما مع روسيا، ولكنه أمر ليس حتميا. والأمر المهم هو أن إقدام واشنطن على المضي في المشروع إنما يعني الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الصواريخ الباليستية الموقعة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي عام 1972، وهو الأمر الذي كان سيتم قبل أحداث 11سبتمبر، حيث كان هناك اتجاه أمريكي بإبلاغ موسكو رسميا بالانسحاب، من المعاهدة، حيث تنص المعاهدة على أحقية أي طرف في الانسحاب منها بشرط إبلاغ الطرف الآخر قبلها بستة أشهر على الأقل. ولعل طبيعة الموقف الروسي الرافض للمشروع تتضح في ضوء إحساس موسكو بأنها في مأزق جراء إقدام واشنطن على بناء الدرع الصاروخية، فالخروج من معاهدة عام 1972 دون أن يكون هناك بديل قانوني محدد وواضح إنما يعني الدخول مرة أخرى في سباق جديد للتسلح لم تعد إمكانيات روسيا الاقتصادية قادرة عليه، بل أن مثل هذا السباق يمكن أن يأكل كل فرص التنمية المتوازنة التي يحلم بها الرئيس الروسي لانتشال بلاده من عثراتها الاقتصادية في مدى زمني معقول، إلى جانب ذلك فإن انطلاق واشنطن في مشروعها دون ضوابط أو اتفاق مسبق يعني إنهاء قدرة روسية في المستقبل على ضمان الأمن الذاتي الروسي بتكلفة معقولة، أما المأزق الأهم فهو إن مظلة الدفاع الصاروخية حال بنائها وبالطريقة التي يبشر بها بوش لن تقف عند حد تطويق القدرات الصاروخية لدول مثل كوريا الشمالية وإيران والعراق، وإنما ستمتد إلى تطويق القدرات الروسية نفسها. ثانيا: طبيعة العلاقات الأمريكية الروسية في فترة ما بعد أحداث 11سبتمبر: قبل الإشارة إلى طبيعة العلاقات الأمريكية الروسية في فترة ما بعد أحداث 11سبتمبر، يؤكد بعض الخبراء أنه طبقا لما تبدو عليه الأوضاع في روسيا فإن أولويات بوتين تتركز في خمسة جوانب هي: أولاً، إنعاش الاقتصاد الروسي. ثانيا، استعادة دور روسيا كقوة عظمى ويفضل تحقيق هذا الهدف من خلال التعاون مع الولايات المتحدة. ثالثا، مكافحة الأصولية الإسلامية. رابعا، إقامة علاقة أمنية جديدة مع أوروبا خصوصا فيما يتعلق بتوسيع حلف الناتو باتجاه جمهوريات البلطيق الثلاث. خامسًا، التوصل إلى حل بشأن قضية الدفاع الصاروخ. ويرى البعض أنه وفي ضوء تلك الأولويات الخمس جاء تحرك بوتين إزاء أحداث 11سبتمبر وما بعدها، حيث أن اتخاذ موقف يؤيد الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب قد يضمن إلى قدر كبير تحقيق تلك الأولويات، ولذلك ليس من المستغرب أن يصر بعض المراقبين في واشنطن على اعتبار 11سبتمبر 2001 «النهاية الحقيقية للحرب الباردة»، ففي هذا اليوم كان فلاديمير بوتين أول رئيس دولة أجنبية يتصل بجورج بوش هاتفيا، بعد موجة التفجيرات في واشنطن ونيويورك، حيث سارع بوتين للتعبير عن مشاعره وإصراره على أن يجد القوات الأمريكية في حالة تأهب قصوى في جميع أنحاء العالم. في هذا السياق يمكن القول وحسب ما يرى المحللون أن الموقف الروسي من الأزمة الأمريكية وتداعياتها يعد مؤشرًا رئيسيًا على رغبة روسيا في تحسين علاقاتها مع واشنطن، وقد برزت خلال الأزمة عدة إجراءات روسية أخرى يمكن اعتبارها مؤشرات أخرى على الرغبة الروسية المشار إليها، وهو ما سنعرض له في الجزء التالي: أ ـ الموقف الروسي من أحداث 11سبتمبر والحرب الأمريكية ضد الإرهاب: رغم موقف بوتين تجاه أحداث 11سبتمبر إلا أن الموقف الروسي تجاه الحرب ضد أفغانستان لم يأت في البداية على المستوى نفسه، وبدا أن هناك سجالاً بين فريقين الأول، وهو المعارض للتعاون مع واشنطن بحجة أن الموافقة على الحرب الأمريكية ضد أفغانستان تلغي النظام الدولي القائم بعد الحرب العالمية الثانية، كما أن تدفق أعداد اللاجئين الأفغان على جمهوريات آسيا الوسطى قد يؤدي في النهاية إلى زعزعة الأنظمة الحاكمة في تلك الجمهوريات وربما الإطاحة بها، إلى جانب ذلك فإنه لا توجد ضمانات بأن القوات الأمريكية ستنسحب من المنطقة بعد تحقيق أهدافها، فضلاً عن ذلك فإن الوجود الأمريكي في المنطقة سيغير الكثير من الموازنات الجيوسياسية ويجعل الولايات المتحدة ضلعا خامسا في المربع النووي الآسيوي المكون من الصين وروسيا والهند وباكستان، بالإضافة إلى أن ذلك الوجود سيؤمن للولايات المتحدة موقعا مهيمنا على بحر قزوين، أما الفريق الثاني، فكان يرى أن الانضمام للولايات المتحدة يعني الانضمام إلى «ركب الدول المتحضرة»، وربما شطب جزء من ديون روسيا، وقبولها عضوا في منظمة التجارة العالمية، والاستجابة لمطالبها بإعادة النظر في مخططات توسيع الأطلسي. تطور الموقف في ضوء ذلك السجال تطور الموقف الروسي، فمنذ إعلان واشنطن عزمها توجيه ضربات انتقامية ضد مواقع الإرهاب في أفغانستان، اتخذت موسكو موقفا تلخص في الاستعداد لدعم الولايات المتحدة إذا قدمت براهين على أن الضربة ستطال المذنب الحقيقي، وإن حصلت واشنطن على موافقة الأمم المتحدة، وكفت عن اعتماد معايير مزدوجة في التعامل مع الإرهاب، بل أن موسكو أعلنت على لسان وزير دفاعها سيرجي إيفانوف أن الأمريكيين لا يمكن لهم أن يحلموا بموطئ قدم في جمهوريات آسيا الوسطى المتحالفة مع روسيا والمستظلة بعباءتها العسكرية. ويرى البعض أن ذلك الموقف الروسي كان متوقعا في ضوء القضايا الخلافية السابق الإشارة إليها التي كانت تباعد بين موسكو وواشنطن فضلاً عن أن منطقة آسيا الوسطى مسرح العمليات تعد منطقة بالغة الحيوية بالنسبة لروسيا، خاصة وأنها سعت دوما إلى محاولة بسط نفوذها وسيطرتها على منابع النفط والغاز الكامنة في المنطقة، والتي تعتبر ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، فروسيا تعي جيدا أن التدخل الأمريكي يعني خصما من نفوذها في المنطقة وتهديدًا لمكانتها وهيبتها التي تسعى جاهدة للحفاظ عليها. غير أن ذلك الموقف الروسي قد بدأ في التحول في اتجاه التجاوب مع المطالب الأمريكية بدرجة كبيرة، وكانت الإشارة الأولى لذلك الإعلان عن أن دول آسيا الوسطى حرة في اتخاذ قرار بوضع قواعدها وأجوائها تحت تصرف القوات الأمريكية، كما أسقطت موسكو تحفظاتها عن العمل العسكري غير المستند إلى براهين تثبت مسئولية ابن لادن وطالبان عن الهجوم الإرهابي، كما أن روسيا لم تعد تصر على توفير غطاء دولي للعملية العسكرية. في هذا السياق جاءت موافقة بوتين على دعم واشنطن في حملتها العسكرية ضد الإرهاب معلنا أن بلاده ستمد الولايات المتحدة بكل المعلومات المتاحة لديها حول البنية التحتية للإرهابيين ومواقعهم، وسيتم فتح المجال الجوي الروسي للطائرات التي تحمل معونات إنسانية كما أكد الرئيس الروسي على اتفاقه مع «حلفائنا» في جمهوريات آسيا الوسطى، وألح كذلك على ضرورة حسم الحرب في فترة وجيزة. وقد حاول المحلل الروسي بافل فليجورنهور تحليل ذلك الموقف الروسي، وتوضيح أن روسيا لم تقدم تأييدا مطلقا وإنما جاء ذلك التأييد مقيدا ببعض الشروط، وفي هذا السياق يقول فليجو رنهور أن إشارة بوتين بحسم الحرب خلال فترة وجيزة يعود بعدها الاستقرار، تعني أن التواجد الأمريكي في المنطقة سيصبح غير مبرر من الناحية الموضوعية بعد انتهاء الحرب، فضلاً عن ذلك فإن موافقته على فتح المجال الجوي الروسي لطائرات الإغاثة لم تحدد أن هذه الطائرات ستكون أمريكية، أما إشارة بوتين إلى الاتفاق مع «حلفائنا» فهو أمر يعني أن روسيا توافق على التسهيلات التي تمنحها طاجيكستان وأوزبكستان للولايات المتحدة، ووضع الأمر على هذا النحو يعني أن موافقة روسيا على هذه التسهيلات هي شروط حددتها، بمعنى آخر فإن هذه التسهيلات ستعد لاغية إذا ما أعلنت موسكو أنها لا توافق على استمرارها. غير أن روسيا استمرت أيضا في التجاوب مع المطالب الأمريكية فخلال زيارة وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد لموسكو أشارت بعض المصادر إلى أن الأمريكيين طلبوا «توسيع الدعم اللوجيستي، وفتح المزيد من القواعد والمطارات الحربية أمام القوات الأمريكية للعمل من آسيا الوسطى ضد أفغانستان»، بل أن هذه المصادر أشارت إلى أن روسيا قد تعطي الضوء الأخضر لمشاركة حليفاتها في آسيا الوسطى في العمليات ضد أفغانستان، وقد يكون ذلك الأمر من خلال إرسال متطوعين من هذه الجمهوريات «تكون أشكالهم مماثلة لأبناء البلد المعني» أي أفغانستان، وذلك من أجل مساعدة قوات «تحالف الشمال» الأفغاني المعارض الذي يحتاج إلى عناصر مدربة على استخدام أسلحة صاروخية ودبابات ومدرعات متطورة. وفي تطور آخر فقد عدل بوتين عن مطالبته أن تكون الحرب وجيزة، حيث أشار أثناء لقائه المستشار الألماني شرويدر في موسكو أن الحرب قد «تستغرق فترة طويلة» ما يعني إقرار روسيا بإمكان بقاء القوات الأمريكية لفترة طويلة في المنطقة والواقع أن بعض المحللين يؤكدون أن روسيا كانت تعلم تماما أن القوات الأمريكية قد تبقى طويلاً في المنطقة، ويدلل هؤلاء على ذلك بتلك المحادثة الهاتفية الطويلة التي جرت بين بوش وبوتين، وفيها طلب الأخير ضمانات بألا تبقى القوات الأمريكية في المنطقة لفترة طويلة، فرد بوش قائلاً إنها مواجهة طويلة قد تمتد لسنوات، وأنه لا يستطيع أن يعد بذلك «إذ قد نضطر إلى البقاء لفترة أطول مما نريد، ولكن علينا أن ظل هناك حتى تنتهي مهمتنا»، وفي هذا السياق فإن ما يعني موسكو من طول الحرب هو أن عليها ألا تنتظر أي جلاء للقوات الأمريكية عن المنطقة مبكرًا. بعض المخاطر لعل ذلك الموقف الروسي الذي أخذ في التجاوب مع المطالب الأمريكية دفع بعض المراقبين إلى وجود بعض المخاطر التي تهدد روسيا من جراء ذلك الموقف وذلك لعدة أسباب أهمها، أن هناك أكثر من 20مليون مسلم يعيشون في روسيا، وأن زهاء ما لا يقل عن 40 مليون مسلم يعيشون في آسيا الوسطى، وبالتالي من يضمن استتباب الأمن داخل روسيا وعلى حدودها إذا تحرك «المتطرفون المتأسلمون».. ففي هذه الحالة قد تصبح روسيا هدفا لضربات انتقامية، أما السبب الثاني فهو أن إعلان روسيا الوقوف مع الولايات المتحدة يجعلها في مواجهة مباشرة مع أحد أكثر مراكز الإرهاب تشددا، فالقضاء على نظام طالبان أو على قيادة الانفصاليين في الشيشان لا يلغي الإرهاب الدولي أو المحلي في روسيا وما حولها في آسيا الوسطى أو القوقاز، أما السبب الثالث فهو يتعلق ببعض المخاوف والشكوك من ما يمكن أن يمثله تواجد القوات العسكرية الأمريكية بالقرب من المجال الحيوي الجيوسياسي لروسيا.. خصوصا وأن هذا يمكن أن يقود إلى حالة مشابهة لما حدث في حرب الخليج الثانية، مما يرسي مواطئ قدم ثابتة للولايات المتحدة في منطقة حيوية بالنسبة لروسيا. أسباب التحول في الموقف الروسي: برزت بصفة عامة وجهتا نظر فيما يخص أسباب التحول في الموقف الروسي الأولى تتحدث عما يعرف بـ «نظرية التوريط» بمعنى محاولة روسيا توريط الولايات المتحدة في المستنقع الأفغاني، أما وجهة النظر الثانية فتنصب حول الرغبة الروسية في الانضمام للغرب وصولاً إلى تحقيق المصلحة القومية الروسية، غير أن الملاحظ أن النظرية الأولى قد لا تبدو صحيحة تمامًا لا سيما وأنه قد حدثت مؤشرات روسية أخرى تؤكد صحة وجهة النظر الثانية مثل إغلاق بعض القواعد الروسية في كوبا وفيتنام وتقديم تنازلات روسية فيما يخص معاهدة 1972 وبالتالي الدرع الصاروخية، وهو ما سنشير إليه فيما بعد. أما بالنسبة لوجهة النظر الأولى فيرى أنصارها أن إقدام روسيا على التعاون مع الولايات المتحدة في حربها ضد أفغانستان يمكن إرجاعه إلى «نظرية التوريط»، ومؤدى ذلك أن التعاون مع أمريكا في تلك الحرب هو سياسة تكتيكية أرادت من خلالها موسكو غرس أقدام واشنطن فيما أسماه جنرالات روس بـ «الرمال الناعمة» أو «المستنقع الأفغاني»، ثم إن الأبعاد العسكرية للحملة تسمح للروس بمراقبة أحدث منجزات ومحتويات الترسانة الأمريكية، إلى جانب ذلك يضيف آخرون أن موسكو لم تغفر لواشنطن نشاطها السري والعلني ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، والدعم الكبير الذي قدمته لفصائل المقاومة الأفغانية، ولذا ترحب الأوساط الروسية خاصة العسكرية منها بانزلاق واشنطن إلى أفغانستان لكنها فقط تحاول ترتيب الأمور بحيث لا يتاح لواشنطن الخروج من المأزق دون مساعدة موسكو التي ستفرض شروطها وقتئذ. في هذا السياق يطرح بعض الباحثين رؤية أخرى تتمحور أيضا حول نظرية التوريط، حيث يرى هؤلاء أن روسيا تدرك أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة حرب طويلة ومنهكة واحتمالات أمريكا للغوص في المستنقع الأفغاني هي الاحتمالات الأكبر، خاصة إذا تورطت واشنطن في خوض حرب برية، وفي هذا الإطار فإنه في حال طول أمد الوجود الأمريكي في المنطقة سيظل بوسع روسيا مستقبلاً أن تضع العقبات في وجهه من خلال تأليب الأقليات الروسية والحركات القومية ضده، ما يعني أن الولايات المتحدة ستتعرض لمأزق شديد قد يشبه مأزقها في فيتنام وقد تضطر إلى مساعدة موسكو لإخراجها من هذا المأزق وهنا تستطيع روسيا فرض شروطها. أما بالنسبة لوجهة النظر الثانية فيؤكد أصحابها أن روسيا أرادت أن تستغل الأزمة لتأكيد حرصها على الانضمام للغرب ويشير هذا الفريق إلى عدة دلائل على صحة وجهة نظرهم منها أن الرئيس بوتين نفسه مقتنع تماما أن روسيا يجب أن تكون حليفا للغرب، وهذا ما أوضحه مايكل مكفول من مؤسسة كارينيجي الأمريكية، وهو أحد الخبراء المطلعين في واشنطن على المناقشات الأمريكية الروسية التي جرت في الأسابيع الأولى من الأزمة، إلى جانب ذلك فقد رافقت الرئيس الروسي في زيارته الأخيرة لبلجيكا حيث مقر حلف الناتو، حملة إعلانية ركزت على أن روسيا دولة أوروبية، وعلى تصوير بوتين بوصفه حليفاً وصديقاً للغرب ولواشنطن وأن العدو المشترك هو الإرهاب الدولي إلى جانب ذلك يرى آخرون أن روسيا التي تأمل في الانضمام إلى الغرب تنتظر التعويض الذي قد يتمثل في محاولة إلغاء الديون المستحقة على الاتحاد السوفييتي السابق، أو في انضمامها إلى حلف الأطلسي، وفي هذا السياق يشير هذا الفريق إلى أن الرئيس بوتين كان قد طالب خلال لقائه الرئيس بوش في يونيو الماضي بالانضمام إلى الناتو، وقد أكد بوش أن أبواب الحلف مفتوحة وأن مستقبل روسيا كان في أوروبا وأن جميع البلدان المستوفية للشروط مدعومة للانضمام إلى الحلف. موسكو ـ «البيان»: