«يبدو ان القرار أراح جميع الأطراف». هكذا علق دبلوماسي عربي كبير في القاهرة على قرار الغاء الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب، والذي كان من المقرر عقده في مقر جامعة الدول العربية في العاصمة المصرية، ليعقد بدلاً من ذلك في «الدوحة» على هامش اجتماع وزراء خارجية منظمة المؤتمر الاسلامي اليوم «الاثنين». الاجتماع الوزاري كان ضحية جديدة للخلافات العربية، جاء بعد طلب سوري أبلغه وزير الخارجية «فاروق الشرع» إلى الأمين العام للجامعة «عمرو موسى» بعد ساعات قليلة من اجتماع طاريء عقده «موسى» مع المندوبين الدائمين للدول العربية لدى الجامعة، قبل ظهر «الثلاثاء» الماضي، تمخض عنه دعوة «لجنة المتابعة العربية» لعقد اجتماع طاريء أيضاً ـ كان مقرراً أمس الأول بمقر الجامعة بالقاهرة، وهي اللجنة التي تضم في عضويتها وزراء خارجية عشر دول عربية هي: مصر وسوريا والأردن ولبنان والسعودية والبحرين وتونس والمغرب واليمن وفلسطين، إضافة للأمين العام للجامعة. لكن سوريا رأت ان اجتماع «لجنة المتابعة» غير كاف للرد على الصعيد الاسرائيلي الخطير في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واعتبرت ان هناك ضرورة لعقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية، لدعم الرئيس «ياسر عرفات» والقيادة الفلسطينية، خاصة بعد القصف الاسرائيلي المتعمد لمقرات «عرفات». ووافقت دول عربية عدة على الطلب السوري، فاضطر الأمين العام للجامعة «عمرو موسى» إلى الاعلان عن الغاء اجتماع لجنة المتابعة، بعد أقل من (24) ساعة عن قرار عقده، موضحاً ان اجتماعاً طارئاً لوزراء الخارجية سيعقد بدلاً منه في الموعد نفسه. وبعد ساعات قليلة أخرى، خرج «موسى» إلى الصحفيين في مقر الجامعة العربية، ليعلن ان «الاجتماع الوزاري لن يعقد الأحد على الأرجح، وانه ربما يعقد على هامش اجتماع وزراء خارجية منظمة المؤتمر الاسلامي بالدوحة»، وهو الاجتماع الذي لم يكن موعده قد تحدد بشكل نهائي بعد. وصباح الخميس وزع المكتب الصحفي للأمين العام للجامعة بياناً، أوضح ان الاجتماع الوزاري العربي سيعقد اليوم بالدوحة، قبيل اجتماع وزراء خارجية الدول الاسلامية. وفور الاعلان الجديد، بادرت دول عربية عديدة بابلاغ الأمين العام اعتذار وزراء خارجيتها عن عدم حضور «اجتماع الدوحة»، على أساس ان موعده لا يناسب ارتباطات الوزراء المبرمجة سلفاً، وهكذا فشل الاجتماع قبل عقده، مما حدا بالأمين العام «عمرو موسى» الى القول بأن اجتماع الوزراء العرب في الدوحة سيكون تشاورياً، وسيتفق فيه الوزراء على الموعد الجديد المناسب لعقد اجتماع مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية». ووسط كل هذا التضارب والتخبط العربي، أوضحت مصادر دبلوماسية ل«البيان» ان قرار إلغاء ـ أو ارجاء ـ الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب.. جاء بعد ضغوط مكثفة أمريكية واسرائيلية، حتى لا يعقد اجتماع عربي في الوقت الراهن، الذي يشهد أوضاعاً ملتهبة في المنطقة، ربما تخرج منه «قرارات متسرعة وانفعالية» ـ حسب الرؤية الأمريكية ـ تزيد من سخونة الموقف، بدلاً من ان نعمل على «تبريده». أما الرؤية الاسرائيلية، فكانت بمثابة تهديد استفزازي مباشر، نقله وزير من عرب اسرائيل ينتمي إلى حزب العمل إلى عاصمة عربية زارها في مهمة سريعة قبل أيام، مفادها ان «شارون الذي أعلن بالفعل حالة حرب حقيقية ضد عرفات والسلطة الفلسطينية، لن يتوانى عن اشعال المنطقة كلها، توسيع نطاق الحرب لتشمل دولاً عربية أخرى! عواصم عربية وعالمية تحركت سريعاً، وأخذت التهديد الاسرائيلي مأخذ الجد، وجرت اتصالات عربية ـ أوروبية، وعربية ـ أمريكية عاجلة، وفي سياقها أوفد الرئيس المصري حسني مبارك مستشاره للشئون الأمنية إلى اسرائيل يوم الأربعاء الماضي، ثم أوفد وزير خارجيته أحمد ماهر إلى تل أبيب في اليوم التالي، وأجرى الاثنان مباحثات عاجلة مع القادة الاسرائيليين والفلسطينيين لاحتواء الموقف المتفجر في الأراضي المحتلة. وفي اطار هذا الخضم من الاتصالات الدبلوماسية، أعربت مصادر سياسية مطلعة ل« البيان» ان التحرك المصري جاء بعد تلقي القيادات المصرية والعربية معلومات مؤكدة، تفيد ان شارون يستعد لخوض مغامرة عسكرية واسعة النطاق، مستغلاً الظروف الدولية المعقدة الراهنة، يعمد فيها إلى ضرب أهداف محددة داخل دول عربية.. محاولاً تصوير الأمر على انه يضربها بالوكالة عن الولايات المتحدة، وفي اطار الحملة الدولية ضد الارهاب. وقالت تلك المصادر ان تلك الأهداف تشمل قواعد لحزب الله في الجنوب اللبناني، ومنشآت وقواعد تابعة لمنظمات فلسطينية داخل سوريا، أو في أراضي تسيطر عليها سوريا داخل لبنان، بهدف احراج دمشق وجرها لحرب لم تختار توقيتها، كما ان الضربات الاسرائيلية قد تشمل العراق أيضاً. الدبلوماسي العربي الذي تحدث ل«البيان»، قال ان قرار الغاء اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة.. وعقده في الدوحة «جاء ليزيل الحرج عن معظم الأطراف»، وأردف قائلاً: «التأجيل سيعفي بعض الدول العربية التي تطالب باتخاذ مواقف متشددة من التصعيد الاسرائيلي، من حرج قبول التهدئة.. بل انها ربما لن تحضر الاجتماع أصلاً، باعتبار انه كان يجب أن يعقد في مقر الجامعة العربية. كما سيزيد من هامش حركة الدول العربية التي تقود تيار التهدئة، بضم دول اسلامية أخرى تؤيد الموقف نفسه». الطريف ان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، عندما بدأ القصف الاسرائيلي الوحشي الاسبوع الماضي، لم يطلب ـ كعادته ـ عقد قمة عربية طارئة ـ أو حتى اجتماع لوزراء الخارجية العرب، بل طلب رسمياً من أمير قطر ـ بحكم رئاسته لمنظمة المؤتمر الاسلامي في دورتها الحالية ـ عقد اجتماع طاريء للمنظمة. القاهرة ـ كارم محمود: