في أول مرة اسمع الاشارة إلى امريكا بطريقة حميمية، شعرت بأنني تحت تأثير انطباع بأن ذلك الاسم هو اسم فتاة جميلة، كنت واثقاً من انني سأقع بحبها في اللحظة التي يقع بصري عليها. والشابان اللذان استمرا في الاشارة إليها بابتسامات عريضة عرفا المدن ـ فأحدهما كان قد زار مقديشو، والثاني ترعرع في اديس ابابا. اما انا فلم اعرف مكاناً اكبر من «كلافو»، وهي بلدة زراعية في منطقة اوجادين المنعزلة الناطقة بالصومالية في اثيوبيا، حيث انتقلت عائلتي للعيش هناك عندما كنت لا ازال في الثالثة من عمري. استمعت اليهما، وانا اشعر بالانبهار، وهما يبهجان بعضهما البعض باكتشافهما الرائع، متخيلاً امريكا على هيئة حورية تعذب بغوايتها ستمنحني بطاقة الدخول إلى عالم البلوغ الفاسد. كنت ابلغ من العمر عشرة اعوام تقريباً في ذلك الوقت، والحياة في جزئنا من العالم كانت تتغير بوتيرة سريعة. قد لا نكون فكرنا بأنفسنا كريفيين اعيد بناؤنا حديثاً، ولكننا كنا جميعاً واعين لحقيقة اننا نعيش في اوقات خطيرة، وان طريقة حياتنا يجرى تغييرها على يد قوى لا تستطيع فهمها الا قليلاً. كنا نهجر عاداتنا الغذائية ونتخلى عن اطباقنا المعتمدة على الحليب واللحم مقابل وجبات سهلة التحضير كالارز والسباجيتي والاغذية الاخرى القائمة على النشا. اما مفرداتنا فقد جرى اغناؤها بشكل يومي بمفردات جديدة مشتقة من اصل اجنبي وكلمات مستعارة من الايطالية والعربية لملابس كانت حتى ذلك الوقت غير معروفة بالنسبة لنا مثل القميص الداخلي والجوارب والمحارم. وبينما كان الشبان يتسلون ذكر احدهم كلمة «ماريكان» وهو قماش خشن ورخيص من القطن مستورد من امريكا ويلقى اعجاباً كبيراً من جانب البدو الصوماليين. وعندما شاهدت اللباس الذي كانوا يشيرون اليه، لم استطع في البداية ان افهم سبب كل تلك الاثارة. غير انه سرعان ما اتضح لي بشكل كاف ان الشابين لم يكونا يتحدثان عن فتاة تدعى امريكا وانما عن قطعة من ملابس المرأة، رفعها احدهما قبالة نور الشمس ممسكاً بها بأصابعه من الطرفين. من المكان الذي وقفت فيه، لم تكن لدى اية فكرة عن الغرض الذي تستخدم من اجله هذه القطعة. ومع ذلك، فقد كان بمقدوري ان ارى ان المادة كانت موصولة بعناية. كانت عروات القماش الذي يتخذ شكل الكأس مبطنة على نحو سميك ومصنوعة من قطن قياسي والجانب الاكبر من القطب كانت مقواة بشكل مزدوج. وكانت تحتوي على مشابك معدنية في احد الطرفين وعلى عروات في الطرف الآخر. فسألت: «ما هذه؟» لكن احداً من الشابين لم يكلف نفسه عناء الاجابة. وفي ذاكرتي مازلت احتفظ بتلك التعابير المرهقة على وجهي الشابين عندما تخيلا نفسيهما بصحبة المرأة الامريكية التي يحملون صديريتها في ايديهما. احدهما اغمض عينيه فتخيل نفسه يأخذ حماماً معها وتحدث بفرح عن الماء النازل من اعلى. وزعم الثاني انه نام واضعاً الصديرية تحت وسادته وانه كان ينقل كل فجر لا إلى أرض الحليب والبخور وانما إلى أرض اللحم الأبيض والشعر المعطر. تفحصت عالم الصديرية ولدي هاجس شؤم، اغواء ذو حدين تم من خلاله اعادة صياغة رغباتنا الجسدية وذلك بفضل امتلاكنا لتجهيزات الحداثة الامريكية هذه. فلم نعد نسيطر على اجسامنا. اعتقدت انني كنت اعرف ماذا كان يعني احد الشابين عندما زعم ان الامساك بالصديرية، المسروقة من حبل غسيل المرأة الامريكية، جعله يشعر وكأنه يسافر إلى ما وراء الارض البعيدة، حيث ستتحول حياته كلية. هل افترض الصبية هؤلاء الآن ان لهم مكانة متطورة لأن الصديرية تعتبر اختراعاً عالي التقنية؟ لقد بدأ الاثنان يعتبران نفسيهما كعصبة مستقلة عن الجميع في بلدتنا، وكأن الادعاء بأن الصديرية لهما وضعهما أخيراً في منطقة ذهنية منفصلة. في «كلافو» كان النهر معلماً بارزاً يفصل جانبنا من البلدة عن الجانب الذي تقع فيه السلطة المحلية في «جوفرنمنت هيل»، قريباً من مدرسة تديرها احدى الكنائس والمجمع الامريكي، حيث تعيش المرأة التي لها الصديرية مع زوجها. وبدافع الفضول، اتجهت بشجاعة نحو المجمع الامريكي لاول مرة، مستقلاً احد القوارب بين جانبنا من النهر وجانبها. وهناك، عرفت انها زوجة مدير المدرسة. وقبل ان تنتهي السنة، كان الشابان قد سجلا في المدرسة التبشيرية الامريكية كطلاب، وبعد ذلك بوقت قصير اعتنقا المسيحية في الكنيسة. عن «نيويوركر»