هذا الكتاب الذي نقدمه للقارئ العربي بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر قبل ان تصدره الأخيرة في مجلد كبير لا يستمد قيمته من جيرتروود بيل وحدها، وانما من انه يقدم لنا صوراً حية لشخوص عامة واحداث في طور التكوين وأسرار عن الحياة السياسية العربية لم تر النور حتى الآن. وربما كان أفضل تعريف بهذا الكتاب هو الذي قاله «لورنس العرب» في حديثه عن أوراق جيرتروود بيل: «انها انعكاس دقيق لذاتها، وقد كانت في غاية السعادة عند موتها على ما أظن لأن عملها السياسي كان متقناً. ان دولة العراق هذه صرح رائع، حتى لو قدر له ان يبقى قائماً لبضع سنوات». في بغداد راحت جيرتروود مرة أخرى «تقضي أكثر الأوقات متعة». وقد تضمن الإعلان الإنجلوفرنسي الذي صدر في الثامن من شهر نوفمبر 1918 وعداً نص على «ضرورة قيام السكان المحليين بممارسة حق تقرير المصير فيما يتعلق بنظام الحكم الذي يرغبون العيش في ظله». ونتيجة ذلك كانت بغداد تعيش جواً من الإثارة، وكانت جيرتروود الجهة التي اتجهت صوبها أنظار المعنيين من أبناء البلد الذي راحوا يتوافدون على دارها في محاولة منهم للوقوف على بعض ما استعصى عليهم فهمه من أمور ومناقشة ما تضمنه الإعلان من أبعاد. وفي الثامن والعشرين من نوفمبر كتبت جيرتروود قائلة: «إن الرأي العام في حالة توتر وانفعال شديدين، وبإمكان أبسط الأمور وأكثرها تفاهة أن تثير سخط الناس وذعرهم وتدفع بهم إلى القيام بأعمال صبيانية، وإن كل ما نصرح به من أمور ونقوله من كلام لا يعكس بالضرورة ما نضمر، أي إننا نجهر بشيء ونبطن شيئاً مغايراً تماماً. أقضي معظم أوقات الصباح في أحاديث ونقاشات متواصلة. وكان القائد الأعلى عوناً لنا في كل الاحوال والظروف بفضل ما عكسه من حكمة وتعقل واعتدال، وبغياب السير برسي فإنه كان ملاذي الوحيد ومصدر راحة يصعب علي تقويمه. وفيما يتعلق الأمر بي شخصياً، أشعر وكأنني قد أصبحت سياسية محنكة! قضيت يومين في جولة قصيرة ومسلية للغاية أمضيتها بصحبة أسقف سنغافورة الذي جاء خصيصاً لمشاهدة آثار بابل. وبعد مشاهدة مستفيضة قفلنا نسير الهوينى. وفي محضر تبادلنا المعلومات التأريخية ذكر الأسقف قصة راحيل الأمر الذي دفع بي إلى التأمل وأنا أرى أمامي عدداً من حفيداتها اللاتي انهمكن بحمل جرار الماء بعد ملئها من الترعة، وعدداً من أحفاد إبراهيم وهم يقفون وسط خيامهم السود. أجل ! رحت أتأمل وأعلق متساءلة بتعجب: ترى كيف امتزجت هذه القصص القبلية ذات الأصول السامية القديمة بالدين المسيحي؟ بوغت الأسقف بسؤالي هذا ليخرج بعد ذلك بإجابة نمت عن بلاهة وتفاهة واضحتين: «إنها استهدفت تحقيق أفضل النتائج على ما أفترض! » كم أردت إحراجه بالاستفسار عما كان يقصد «بأفضل النتائج » ولكنني كنت واثقة من عجزه التام عن الخروج بأي جواب». كان السير هيو بيل يواصل سعيه من أجل تدبير زيارة لابنته التي عمدت إلى ذكر هذا الجانب من خلال رسالة قصيرة قالت فيها: «يتوجب علي قضاء فصل الشتاء المقبل هنا على ما أظن. لقد قام مؤجري موسى جله بي الباجه جي بمنحي إلى أجل غير مسمى منفعة استخدام حديقة المنزل الذي أقيم فيه. وقد اقترحت عليه بدوري تناوبنا على ملكيتها بحيث تكون له صيفاً ولي شتاءً وهو إجراء منصف إذ أنه يرغب في امتلاكها في الصيف. وإلى جانب ذلك فإني منشغلة ببناء غرفة إضافية. ويتملكني شعور رائع بالراحة نتيجة ذلك بعد أن بات لدي مكان دائم ألجأ إليه متى أردت، وهو مكان يلبي كل احتياجاتي إلى جانب ما يتميز به من جوانب جميلة للغاية». اختلاف العرب رحمة! في الخامس من ديسمبر كتبت قائلة: «أشعر بصحة تامة، أما اهتمامي بعملي فقد ازدادت جذوره تأصلاً. يراودني الآن تساؤل. كم أتمنى انصرافهم (أي العراقيين) عن فكرة (الانضواء تحت راية ) أمير عربي. ينتابني شعور بالملل لمجرد التفكير بأمر إنشاء بلاط ملكي جديد هنا. واحسرتاه ! إنهم ميالون إلى تحقيق هذه الفكرة. قد لا يصلون إلى اتفاق حول شخص معين - وهنا يكمن أملي ورجائي. في مثل هذه الحال سيكون السير برسي كوكس البديل الوحيد، وهو شيء رائع. أما أنا فأمثل الخيار الثاني لمنصب المندوب السامي حسبما طرق سمعي. ترى ما هو موقف كبار المسئولين إزاء ذلك؟ انطلقت اليوم في نزهة على ظهور الخيل بصحبة الجنرال ستيوارت - وورتلي. كانت الصحراء رائعة ورطبة ولكنها لم تكن موحلة، وكان العشب الأخضر يغطي المنخفضات الصغيرة في الأرض، ولبست الذرة حلة خضراء رائعة. لا أظنك تدرك مدى ما تتركه صفرة الخريف من أثر في نفوسنا، فعندما تكتسب أشجار الفاكهة لوناً ذهبياً فإن الذرة تحتها تكتسب بدورها لوناً زمردياً - إنه منظر رائع يفوق جماله كل قدراتنا على وصفه. أما أزهاري الخريفية فإنها تواصل عكس ما تتميز به من جمال وما تضفيه من روعة: فالبنفسج مزدهر والأقحوان ينتشر بأعداد كبيرة. وقد قمت بزراعة بذور الكبوسين والخزام الفواح والقرنفل الذي كان هانغان قد أرسلها لي من حديقة منزلنا في إنجلترا أما بذور القنطريون العنبري التي زرعتها في العام الماضي فقد راحت تنثر بذورها. وصلنا فرانك بلفور صباح هذا اليوم. إنني أشعر بسعادة عارمة لعودته بيننا لا سيما بعد جلبه لنا أخباراً مهمة من لندن ومن مصر وسوريا، فالأخبار لا يطرق سمعنا منها سوى النزر اليسير. الله أعلم بما ستؤول إليه الأمور في بلاد فارس إذا ما رفض الأمريكيون تولي مسئوليتها، وإذا صح ما يتواتر إلينا من معلومات فإنهم غير تواقين إلى القيام بذلك على ما يبدو. أن أبناء فارس ليسوا ممن يمكن التعامل معهم بسهولة، فهم صعبو المراس والإرضاء. إنهم يقفون تقليدياً موقفاً مناهضاً من أي نظام للحكم قد يفرض عليهم. إنني شخصياً أكن لهم كل مودة وأرغب في لقائهم والاختلاط بهم، كما أن وجودي بينهم لايشعرني بالغربة، ومع ذلك لا أجدني راغبة بأي شكل من الأشكال بالتورط في توجيه خطواتهم التي تتميز بالتناقض وعدم المسئولية إلى جانب بعدها عن كل ما هو منطقي وعقلاني». وفي الثالث عشر من ديسمبر كتبت تقول: «إن الوجهاء وأصحاب الشأن في المناطق القروية والريفية يقفون بحزم ضد فكرة ولاية أمير عربي وذلك انطلاقاً مما عبروا عنه من عدم رغبة في التخلص من طغيان حكم جائر ليرموا أنفسهم في براثن آخر لا يقل استبداداً وتعسفاً. آمل أن يبقى الحال هذا على ما هو عليه، بل وأتمنى أن يعم أرجاء القطر إذ أنني لا أرغب في إقامة بلاط ملكي هنا مع كل ما يواكب ذلك من ضجة لا جدوى منها وما يترتب عليه من مشكلات لا حدود لها.كما أن وجود بلاط - أي بلاط كان - لا يخفق في تشكيل عائق في طريق أية مسيرة». وفي السابع والعشرين من ديسمبر كتبت إلى والدها قائلة: «أبتى الحبيب» استلمت رسالتك المؤرخة في الثاني والعشرين من شهر أكتوبر والبرقية التي أعقبتها والتي تخبرني فيهما عن عدم تمكنك من زيارتنا هنا. ولا أخفيك أنني لم أصب بخيبة أمل كبيرة نتيجة هذه المعلومة إذ يراودني شعور أكيد بما سيطرأ على مخططاتي من تغير في أية لحظة، وذلك من قبل السلطات العليا هنا، بيد أنني آمل مخلصة ان تتمكن من النظر في إمكانية لقائي في مصر في شهر مارس من العام الجديد. على الرغم من أن أيامي مليئة بالعمل والواجبات، لا أجدني أنجز الكثير على ما يبدو. ومن جانب آخر فإنني منهمكة مع القائد العام في التشاور والتأمل حول المواقع المستقبلية للثكنات والأماكن العسكرية الدائمة والتي تدخل في الإطار العام للتوسع المحتمل لنشاط الإدارة المدنية. لقد قمنا بزيارة موقعين شمال بغداد وجنوبها، أما شغلنا الشاغل فيتمحور حالياً حول التخطيط المدني لبغداد وغيرها من المدن الرئيسة. ومن خلال مساعينا بهذا الصدد تم لنا اكتشاف مهندس معماري شاب ذي مواهب عالية هو السيد جاي. ام.ويلسون احد تلامذة لوتينس الذي يقوم برسم المخططات الهندسية التي ننصرف إلى دراسة تفاصيلها بدقة واهتمام بالغين. إن لديه آراء قيمة. مع شيخ بني تميم قضيت يوماً ممتعاً بصحبة كل من ايفلن هاول وفرانك بالفور: بعد أن قمنا بإرسال عدد من الخيول لتسبقنا إلى المثابة المحددة استقلينا سيارة نقلتنا إليها ومن ثم مضينا على ظهور الخيل إلى موقع أثري بابلي يدعى عقرقوف وهو برج هائل لم يسبق لي مشاهدته عن كثب. وفي هذا الموقع التقينا شيخ عشيرة بني تميم الذي كانت مضاربه تقع على مقربة من الموقع الأثري سالف الذكر. وقد جاءنا بصحبة اثنين وثلاثين من فرسانه الذين قاموا بعدد من الحركات البهلوانية الجريئة من فوق ظهور جيادهم الأمر الذي عكس قدرتهم العالية في فن الفروسية. وبعد أن شربنا القهوة العربية في مضارب بني تميم عدنا إلى الكاظمية حيث تناولنا طعام الغداء على مائدة رئيس بلديتها، صديقنا الحميم السيد جعفر عطيفة. وأثناء ذلك تم لي قضاء ما يقرب من نصف ساعة بصحبة ابنة السيد جعفر وأطفالها. كم أحزن لحال هذه المنكودة التي كتب عليها أن تكون حبيسة بيتها لا تغادره ولا ترى أحداً. هناك عدد من العوائل التي تعمد إلى عزل النساء عن العالم بشكل يكاد يكون تاماً، وهو جانب لابد من الاعتراف بأنهن يكرهنه كرهاً شديداً كما أنه يثير في نفسي الحزن تعاطفاً معهن. كم أشعر بالسأم لمجرد التفكير بمثل هذا الوضع». وفي الثالث من يناير 1919 كتبت قائلة: «كانت فترة أعياد الميلاد مليئة بالبهجة والسعادة وقد حضرت حفلتين من الحفلات التي تقام في المستشفيات تم لي أثناء الأولى منهما ربح جائزة بعد فوزي في لعبة الكراسي، أما الثانية فكانت حفلة راقصة كدت أكون خلالها قاب قوسين أو أدنى من هلاك أكيد لاسيما أثناء فترات الاستراحة بين الرقصات التي راحت تدور فوق أرض رصفت بالطابوق، إلا أن عزوفي عن البقاء إلى ساعة متأخرة هو الذي أنقذني من هلاك محقق. وإذا ما استثنينا برودة الطقس يمكنني القول بأنني قد أمضيت وقتاً ممتعاً للغاية. «إلا أن الجانب الأكثر أهمية وإثارة تمثل بالمحاضرة التي ألقاها الأستاذ مارغوليوت، أستاذ اللغة العربية في جامعة أكسفورد والذي قد جاءنا بمهمة كان يقوم بتنفيذها لصالح القيادة العامة للجيش. كانت المناسبة إنجازاً أكاديمياً رائعاً تم للأستاذ مارغوليوت من خلالها التحدث على مدى خمسين دقيقة عن روعة بغداد القديمة لقد ألقى محاضرته بلغة عربية فصحى لم يتخللها خطأ واحد، والأكثر مثاراً للإعجاب في هذا الأمر أن الأستاذ هذا راح يلقي محاضرته من غير الاستعانة بأية ملاحظات مدونة ! إنه إنسان رائع بكل ما تنطوي عليه العبارة من معان فضلاً عن كونه تجسيداً حياً لأفضل ما يمكننا أن نطرحه من الجوانب الدعائية. إن العرب يحبونه، ويقدرون ما يتمتع به من خبرة وعلم خير تقدير، وهكذا الحال بالنسبة لي ايضاً. وإلى جانب علمه وأفقه الواسع فإنه حاضر البديهة، قوي الملاحظة وسريع الخاطر. إن أخبار الانتخابات تثير في نفسي شعوراً بالرضا والارتياح، فإن من شأن أغلبية تضم ائتلافاً كبيراً أن يكون غاية ما أتمنى تحقيقه من اهداف. إنني في الواقع لم أكن أجرؤ على تمني مجيء أغلبية (برلمانية) بهذا الكم الكبير. ترى هل سيتقاعد اسكويث من الخدمة العامة ؟ هناك أخبار تفيد بأنه مرهق للغاية وأن زوجته باتت قاب قوسين أو ادنى من جنون محقق ! ترى هل الأمر على هذا الحال حقاً أم أنه مجرد إشاعة ؟ لقد تم تعيين فرانك بلفور حاكماً عسكرياً لمدينة بغداد إنه لمن دواعي غبطتي وسروري أن يكون فرانك من بين زملائي». وفي العاشر من شهر يناير كتبت قائلة: «بعد أن هدأت الامور وتجاوز المرء منا مرحلة ما اعتراه من دهشة وذهول إزاء مسيرة الأحداث، فإن قيامنا بالنظر إلى واقع الحال نظرة دقيقة ومتفحصة سيكشف لنا من غير أدنى شك أن عالمنا لا ينعم بالسلام حقيقة. فأوضاع ألمانيا من جانب، وأحوال روسيا من جانب آخر وبشكل أكبر، لا توحي بما يبشر بخير بل على العكس من ذلك إذ أن هذين الكيانين يشكلان مصدر قلق كبير لنا. إن العالم على ما أرى لن يعود بسرعة إلى ما كان عليه (قبل الحرب العالمية) من نظام وسكينة». وفي محضر ما ذكرت حول ما كان يجابه الإداريين البريطانيين في بغداد من صعوبات تضيف جيرتروود قائلة: «إن إدامة توازن الأوضاع لن تكون ممارسة سهلة إذا ما تواصل تعرضها إلى تيارات الهواء الساخن الآتية إلينا من الوطن (بريطانيا) بصيغة إعلانات عالمية. إن السواد الأعظم من أبناء هذا البلد لا رأي لهم فيما يدور من أحداث وما يتمخض عن ذلك من نتائج، وإن القسم الأكبر من بين أهل الفكر فيه راغبون في إدارتنا في ظل قيادة السير برسي كوكس وتوجيهاته. بيد أن هناك مجموعة صاخبة تدعى بأنها قادرة على تسيير دفة الأمور بمفردها. إنها بالتأكيد تود إزاحتنا عن طريقها ليخلو لها الجو، وإذا ما تحقق لها ذلك فإنها ستنعم بالتجربة ، وستتمتع بحلاوة الحكم. بيد أن ذلك إذا ما تحقق فسيكون لفترة قصيرة جداً، إذ أنها ستنتهي بسرعة جداً، ولن تكون الثمار بالنتيجة سوى الفوضى وإراقة الدماء. لا فكرة لدي بالمرة عما ستؤول إليه الامور في سوريا، إذ لا علم لنا عما يدور هناك من أحداث بسبب عدم قيام أية من الجهات المعنية بإخبارنا وهو خطأ كبير على ما أظن. وبهذا الصدد، أرى لزاماً علي التوقف في سوريا للاطلاع على سير الأمور هناك وما يدور خلف الكواليس، وذلك في طريق توجهي إلى الوطن. إن ما كتبته والدتي من أخبار تتعلق ببزتها الرسمية وبكل ما لهذا الأمر من تفاصيل، إنما يثير إعجابي ويملؤني فخراً واعتزازاً». وفي السابع عشر من شهر يناير كتبت تقول: « إني في صراع متواصل مع رشح تعرضت له خلال هذا الأسبوع إلا أن نهايته تكاد تكون قريبة جداً على ما يبدو. ولقد حضرنا الدرس الأول من دورة تثقيفية تتعلق بالجوانب الصحية وتعقد في دار زوجة أحد الباشاوات بإشراف وإعداد طبيبة جديدة انضمت إلى كادرنا مؤخراً. ولعدم قدرتها التحدث بالعربية توجب علينا جلب من تولى مهمة الترجمة. كانت دورة مفيدة للغاية، وقد قامت الطبيبة بدورها بكفاءة وجودة عاليتين. وكان عدد اللواتي حضرن هذه الدورة من السيدات ثلاثين مشاركة أغلبهن من المسلمات واليهوديات. وسيكون موعد الدرس التالي في الأسبوع المقبل. فضلاً عن ذلك فإنني مدعوة لحضور حفلة شاي لدى إحدى العائلات المسلمة عصر غد. إن حفلات الشاي تهطل علي هطول الأمطار ! يقوم فرانك بلفور بأداء مهام واجبه بكفاءة تامة وهو أمر يثير الإعجاب إذا ما أدركنا أن الاضطلاع بمهمة الحاكم العسكري لمدينة بغداد ليس بأمر سهل أبداً. إنه اعتاد زيارتي في المكتب وموافاتي بتفاصيل ما يدور من أحداث. كم أتمنى أن يكون السير برسي معنا هنا، بيد أنه يقوم بعمله بتفوق وامتياز ملحوظين الأمر الذي يعني صعوبة جره من عمله هناك لكي يتسلم مقاليد الأمور هنا». الطريق إلى لندن أراد العقيد ويلسون من الآنسة جيرتروود أن تقوم بدور ضابط الارتباط له شخصياً وذلك أثناء تمتعها بإجازتها في إنجلترا، وقد قام بإرسال برقية إلى لندن يقترح من خلالها فكرة إيفاد جيرتروود بهذه الصفة. ولم تكن جيرتروود متفائلة بإمكانية استجابة لندن لمقترحه. وهذا ما تم فعلاً. وفي الحادي والثلاثين من شهر يناير كتبت حول هذا الموضوع قائلة: «لم تبد لندن أية رغبة في أن يكون لأي منا حضور في العاصمة أساساً، وبذلك لا أجد أي سبب يدعوهم الآن إلى إعادة النظر في موقفهم هذا، ومع ذلك فقد أخبرت ولسون بأني سأبذل قصارى جهدي للقيام بما يرغب في تكليفي به من مهام. سنكون محظوظين للغاية إذا ما نجحنا في الخروج بصيغة دائمة للحكم هنا في هذا الوقت من العام المقبل. أما في الوقت الراهن فإننا سنواصل جهودنا للقيام بما نكلف به من أعمال على ما أفترض وذلك تنفيذاً لأوامر القائد العام وتوجيهاته. وطالما أن شاغل الموقع هو السير وليام فلا ضير في بقائه مهما طال أمد ذلك نظراً لما يتمتع به من حكمة وتسامح في مضمار تعامله مع الجوانب الادارية لا سيما رأيه في فسح المجال أمام الإدارة للقيام بواجباتها وتطوير أدائها على الوجه الأكمل بعد أن وضعت الحرب أوزارها وعم السلام ربوع هذه الأجزاء من العالم. أتوقع أن أكون منهمكة في العمل (عند وجودي في إنجلترا) اللهم إلا في حالة عدم رغبتهم في الاستماع إلى آراء من يوجدون فعلاً في موقع الحدث، وهو أمر محتمل جداً»