من غرائب صنائع الادارة الامريكية انها ادرجت دولاً عديدة في قائمة الدول التي تدعم الارهاب العالمي ولكنها لم تدرج في تلك القائمة افغانستان، رغم انها تعرف ان افغانستان تؤوي اسامة بن لادن، وتنظيم القاعدة، ورغم ان الادارة الامريكية تلقت عدة تهديدات من اسامة بن لادن، ورغم اعلان ابن لادن الحرب على امريكا، وهو الاعلان المثبت بصورة دائمة على شبكة المعلومات العالمية الانترنت. ابن لادن.. لا طالبان! لم تدرج امريكا افغانستان في قائمة الدول الداعمة للارهاب، رغم ان ابن لادن وقف امام الكاميرا، واعترف صراحة بأن اتباعه هم الذين نفذوا المذبحة التي تعرض لها الجنود الامريكيون في الصومال. عندها صعق الامريكيون، واحرجت الـ CIA، وذكر مديرها العام في افادة للميديا اننا نصدق ابن لادن في دعواه تلك وان لم نتهمه بها، ولكن مع ذلك لم ينشط احد نحو ادراج افغانستان في القائمة اياها! وحتى بعد ان اتهمت امريكا اتباع ابن لادن بتفجير سفارتيها في كل من نيروبي ودار السلام 1998، فانها لم تجرؤ على ادراج افغانستان في قائمة الدول التي ترعى الارهاب، صحيح ان كلينتون امر بهجمات صواريخ كروز، طالت بعض المخيمات التي نسبت لمنظمة القاعدة، ولكنه لم يفكر قط في اضافة افغانستان الى القائمة. وعوضاً عن ذلك مارست الادارة الامريكية ضغوطاً من نوع اخر على افغانستان، تركزت على موضوع معاملة طالبان للمرأة، وتولت وزيرة خارجية كلينتون يومها مادلين اولبرايت مهمة التصعيد والتشهير اللفظي بطالبان بعيداً عن استخدام اي من آليات الضغط المباشر عليه. وقبل ارسال موضوع ارهاب طالبان الى مجلس الامن ادارت الخارجية الامريكية حوارات سرية طويلة مع طالبان، كان موضوع اسامة بن لادن على رأسها، ولكن الحقت بتلك الحوارات موضوعات اخرى، افسدت المساعي بجملتها. فبدلاً من التركيز على موضوع ابن لادن وحده، نوقش موضوع المرأة وحقوقها، كما نوقش موضوع توسيع الحكومة بما يضمن تمثيل عناصر اخرى، ونوقش موضوع الافيون، الخ، فكثرت الضغوط على طالبان مما حدا بها الى رفض تقديم التنازلات في كل تلك المطالب مرة واحدة! تحليلات قاصرة وبعد ان استصدرت امريكا من مجلس الامن الدولي قرارات العقوبات على افغانستان، فإن وزارة الخارجية الامريكية، لم تفعل سوى ان اعلنت تصنيفها لتنظيم القاعدة كتنظيم ارهابي، ولم تصنّف طالبان كذلك، ولم تضعها في تلك القائمة التي تضم كوريا الشمالية، وكوبا، وسوريا، والعراق، وايران وليبيا والسودان، وظل التلويح لافغانستان بادخالها تلك القائمة غامضاً متردداً وغير جدي على الاطلاق، وقد برّر احد الدبلوماسيين الامريكيين السابقين ذلك الغموض والتردد بانه ناتج عن قلة حيلة الادارة الامريكية مع الشأن الافغاني، فضم افغانستان الى قائمة الدول الراعية للارهاب كان يعني استخدام اخر سهم في الكنانة الامريكية ضد افغانستان، واستنفاد آخر كرت في الحوار مع طالبان، ولذلك ترددت امريكا كثيراً قبل اتخاذ ذلك الاجراء. وفسر محللون اخرون تردد امريكا حيال افغانستان بانه ناتج عن عدم وجود سياسة امريكية متكاملة للتعامل مع افغانستان عقب تحريرها من الاحتلال السوفييتي، وذلك بسبب ضعف مصالح امريكا في افغانستان. ولم تحرك امريكا ساكناً حتى بعدما بدا ان باكستان على وشك ان تحذو حذو افغانستان، وذلك عندما اعلن رئيس الوزراء السابق نواز شريف عن نيته تشكيل محاكم اسلامية على غرار محاكم طالبان، التي برهنت على جدواها في مكافحة الاضطرابات المحلية، وغزوات اللصوص وقطاع الطرقات، وقد غضت امريكا الطرف عن كل ذلك، كما غضت الطرف عن دعم باكستان المطلق غير المشروط لطالبان، وعجزها عن الضغط عليها لاخراج ابن لادن، او تحجيم تنظيمه، الذي سمي بواسطة وزارة الخارجية الامريكية كأخطر تنظيم ارهابي عالمي على الاطلاق! دور شركات النفط ان تهاون امريكا في الحاق افغانستان بقائمة الدول الراعية للارهاب لم يكن بسبب مما سبق ذكره من تعليلات، وبشكل ادق يمكن القول ان تلك التعليلات لم تكن هي العوامل الاساسية وراء الاهمال الامريكي لشأن طالبان، ذلك ان العوامل الاساسية تمثلت في ضغوط شركات النفط الامريكية الكبرى على صناع القرار الامريكي لكيلا يفعلوا ذلك. فطوال عقد التسعينيات كانت شركات النفط الامريكية تتنافس سراً على استرضاء طالبان حتى تتمكن من الفوز بعطاء اقامة خط انابيب النفط والغاز الطبيعي من تركمانستان الى موانئ باكستان عبر افغانستان، وهذا خط يكلف نحو 4.5 مليارات دولار، ولاجل انفاذ ذلك كان لابد من تحقيق خطوتين، الاولى: سلبية وتتمثل في عدم انتهاج الادارة الامريكية خطاً عدائياً لطالبان، والثانية، ايجابية وبمقتضاها تعترف الادارة بنظام طالبان وتبادل التمثيل الدبلوماسي مع افغانستان. ولتحقيق هاتين الخطوتين استأجرت شركة النفط الامريكية العملاقة Unocal خدمات مستشارين سياسيين من الوزن الثقيل، شأن مستشار مجلس الامن القومي الامريكي الاسبق هنري كيسنجر، والسفيرين السابقين جون ماريسكا، وروبرت اوكيلي، ومستشار ادارة ريجان لشئون افغانستان زالمي خليل زادة وكلفتهم باقناع الادارة الامريكية بعدم اتخاذ خطوات عدائية من نظام طالبان، والحيلولة دون ادراج افغانستان في قائمة الدول راعية الارهاب. ومن غرائب الموافقات ان كلاً من روبرت اوكيلي، وخليل زادة، قد تم استئجار خدماتهما لهذا الخصوص بواسطة وزارة الخارجية الامريكية ايضاً كما جرى اخيراً انتداب خليل زادة ليكون مستشاراً للرئيس الحالي بوش لشئون افغانستان، وهكذا تطابقت مطالب شركات النفط مع اتجاهات وآراء وزارة الخارجية الامريكية بخصوص افغانستان، واعطيت شركات النفط لاسيما شركة Unocal اشارات الضوء الاخضر للتعامل مع نظام طالبان، والتمهيد لامضاء الصفقات الكبرى معه. تناقض المصالح ومن طرفها ابدت طالبان مرونة فائقة في التعامل مع شركات النفط، ذلك ان عائدات نقل النفط عبر افغانستان كانت تكفل لحكومة طالبان مبلغ مئة مليون دولار سنوياً، وهكذا قامت شركة Unocal بترتيب زيارة لقادة طالبان الى امريكا في اواخر 1997 حيث طافوا بمكاتب الشركة والتقوا ببعض اعضاء الكونجرس، ووزارة الخارجية، وعقدوا عدة مؤتمرات صحفية ردوا فيها على الدعاوى الرائجة، في امريكا حول اضطهاد طالبان للمرأة، وقد ساعد غباء الصحفيين في تضخيم ذلك الجانب من سلوك طالبان، وتعتيم الجانب الاخر المتصل بشئون الارهاب، وقد انساقت مادلين اولبرايت كما اسلفنا في ذلك الخط الاعلامي، وقامت بنفسها بزيارة نساء الافغان في المخيمات، وجاءت لتزيد نار الحملة الاعلامية اشتعالاً، وربما كان ذلك مقصوداً من جانبها اتساقاً مع خط شركات النفط التي كانت تهون من شأن الارهاب، وتتعجل امضاء اتفاقياتها مع طالبان. مهما يكن فقد تعمدت الادارة الامريكية ان تفرط في شئون الامن القومي الامريكي تفريطاً خطيراً تماشياً مع اطماعها، وذلك هو التفسير الاصح، ان لم يكن هو التفسير الصحيح الوحيد، لعدم قيام الحكومة الامريكية بادراج افغانستان في قائمة الدول الراعية والداعمة للارهاب.. كما انه يصلح ايضاً عاملاً تفسيرياً لكثير من تصرفات الحكومة الامريكية التالية في اعقاب الحرب الدائرة حالياً ضد فلول طالبان. د. محمد وقيع الله