بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وحسم الصراع مع هتلر بقيادة امريكا والاتحاد السوفييتي اجتمع القطبان وقد شعرا انهما انقذا العالم من الكارثة التي كادت أن تهلك العالم وهي النازية والفاشية. اما الفاشية بقيادة موسيليني فلم تكن إلا رديفا متواضعا لمارد كبير هو هتلر الذي تحطم عندما وصل القمة وما لبث أن سقط على رأسه. وكذلك فإن هتلر حطم فرنسا وعظمتها التي كانت تشكل القطب الاخر الاصغر الذي كان يسيطر على جزء كبير من العالم، حيث امتدت مستعمراتها من شمال افريقيا ودخلت في بعض اجزاء اسيا ولها هيمنة معتبرة داخل الدول الاوروبية. وخرج القطبان الاتحاد السوفييتي وامريكا كإفراز رئيسي لنتيجة الحرب العالمية الثانية، واعتبر الاتحاد السوفييتي وامريكا انهم انقذوا العالم من هتلر، وكيف لا وقواتهم التي حطمت المانيا تحطيما كاملا والتقت قوات الاضداد من الشرق والغرب لتقسم المانيا. وبعد أن طاب لها تقسيم المانيا شعرت تلك القوتان العظميان انه لا بد أن يكون الاستحقاق اكبر من ذلك وانه يجب أن يكون على مستوى الكرة الارضية فاجتمع قادة القطبين في يالطا ليعقدا مؤتمرهما الشهير بمؤتمر يالطا، وبه اتفقا على تقسيم العالم بينهما إلى معسكرين معسكر غربي ومعسكر شرقي . ومرت سنوات قليلة واذا بالسوفييت يقعون في الفخ الامريكي في فيتنام ، فقد تقدموا ليتلاعبوا بالمحظورات ولتمتد ايديهم إلى افغانستان للقيام بانقلاب شيوعي يأتي بقادة من الحزب الشيوعي ليقود دولة لم تعرف معنى الاستعمار في حياتها ودولة ربي مجتمعها على التدين الفطري وعلى منهج الاباء ووجدت امريكا أن الكرملين قد دخل إلى المصيدة في افغانستان، وبعد دراسة مستفيضة من قبل السي أي ايه والبنتاغون ومجلس الامن القومي الأمريكي ومراكز الدراسات رسمت خطت العمل ليستد الامريكان ثأرهم من السوفييت ولينتقموا لما حصل لهم في فيتنام فقامت أمريكا بالاتصال في الباكستان محذرة اياها أن الخطر الشيوعي مداهما لها إن لم يكن اليوم فغدا وانها يجب أن تقف بكل قوتها خلف المخطط الأمريكي وبدأت الباكستان من خلال امتداد القبائل الافغانية إلى داخل الحدود الباكستانية وخصوصا قبائل الباشتون بترتيب تلك القبائل لاشعال ثورة مسلحة ضد النظام الشيوعي في كابول وحتى تكون الثورة على نقيض من الفكر الشيوعي، وان تكون ثورة قوية بدعم روحي وعقدي، فلابد من أن تكون ثورة اسلامية فالاسلام هو اقوى فكر في مواجهة الفكر الشيوعي، وظهرت الثورة على اشدها ولم تتوقف امريكا عند هذا الحد فلجأت إلى خطة جهنمية، وهي أن تستقدم الدعم البشري النوعي من الشباب المسلم المقاتل الذي يطمح وينتظر أن يجاهد ضد الكفار في أي مكان وخصوصا اليهود، ولما وجدت أمريكا انها ستضرب عصفورين بحجر قررت أن تستقطب هؤلاء الشباب الذين يمتلكون العقيدة ويطمحون بالجهاد ويخططون له، وجاءت بهم إلى افغانستان ليقاتلوا النظام الشيوعي هناك، وبذلك تخلص الانظمة العربية من هؤلاء الشباب الذين بدأت بوادر تشكيلهم لخلايا تنظيمية ضد انظمتهم بالظهور لانهم كانوا يعتبرون انها تمنع الجهاد وهنا تكون امريكا قد خلصت هذه الانظمة من تلك الشباب وجعلتهم وقودا للمعركة ليذوق الشيوعيون الويلات من قبل هؤلاء الشباب الذين يطلبون الموت كما يطلب السوفييت الحياة. وفتحت المكاتب لجلب المجاهدين العرب في اكثر الدول العربية لتأمين وصولهم إلى افغانستان لقتال الروس وكان كل ذلك بعلم انظمتهم وموافقتها وبأمر امريكي وتوارد على افغانستان اكثر من 60 الفا من كل البلدان العربية وبرز اكثر قائدين رئيسيين عربيين: عبد الله عزام أحد زعماء الإخوان المسلمين في الاردن واسامة بن لادن الذي اتى بدعم مادي هائل من قبل ممتلكاته الخاصة وكان يسهل من خلال هذا الدعم امورا كثيرة تخص الدعم اللوجستي من قبيل تجهيز البنية التحتية للمجاهدين الافغان من بناء تحصينات وطرق امداد ولوازم طبية واغذية وغير ذلك. وعندما انهار الاتحاد السوفييتي عام 1990 كان اهم خطوة قام بها جورباتشوف ومن بعده يلتسين سحب القوات السوفييتية من افغانستان تاركين خلفهم حكومة مهلهلة في كابول بزعامة نجيب الله ولكن ذلك النظام كان كالقربة المخرومة فكل يوم تفر من بين صفوف جيشه الاعداد الغفيرة من الافراد لتلتحق بالمجاهدين وكل يوم تسقط منطقة في يدهم. وكانت الكارثة الكبرى عندما خانه دستم يوم كان وزيرا للدفاع ليلتحق بالمجاهدين عندما شعر أن كفة المجاهدين اجلا ام عاجلا ستحسم المعركة، وسقطت كابول، وتولى قيادة كابول مجددي بحكم أن قواته الاقرب الي كابول الامر الذي اثار حفيظة باقي المجاهدين، إلا انه قرر أن يتنازل عن الحكم لفترة انتقالية لمدة سنتين. اثناء ذلك فان المجاهدين العرب كانوا منتشرين بين الفصائل الافغانية المختلفة غير أن معظمهم وجد أن الافضل لهم أن يكون مع قوات حكمتيار، وكان بعضهم مع مسعود واخرون مع سياف. وقد لعب المجاهدون العرب دورا بارزا في تقوية حكمتيار وعندما خرج مجددي من السلطة وجاءت حكومة رباني، بدأ رباني يصطدم بالافغان العرب حيث بدأ يسلم بعضهم إلى دولهم واخرون إلى الباكستان لتتولى الأخيرة تسليمهم إلى دولهم. وفي هذه الفترة كان المجاهدون قد بدأوا بالفعل بالعودة إلى بلادهم وبعضهم استقر في افغانستان بعد أن تزوج وكون اسرة وانصهر في المجتمع الافغاني. وعندما عاد المجاهدون العرب إلى بلادهم حملوا معهم الشكل الافغاني إلى هذه البلاد ومنه الثوب الافغاني، وباتفاق مع قادة الافغان العرب في افغانستان واهمهم ابن لادن وايمن الظواهري ومحمد عاطف أبو حفص وغيرهم، بدأوا بعمل تكتلات تنظيمية داخل بلدانهم الامر الذي اثار حفيظة تلك الانظمة التي لم تعمل على معالجة امر هؤلاء بالحكمة ولكنها اصطدمت بهم على طريقة كسر العظم الامر الذي اوقف رجعتهم من افغانستان، لان كل عائد يعتقل وهذا المشهد دفع آلاف منهم إلى البقاء في افغانستان. ولما بدأت حركة طلبة الشريعة الافغان الذين درسوا في الجامعة الحقانية في الباكستان وهم ما عرفوا (بطالبان شريعتي) أي طلاب الشريعة بالتشكل بدعم من اسامة بن لادن نفسه والمجاهدين العرب، وبغض طرف من قبل باكستان التي لم تتصور في يوم من الايام أن أي حركة أو حزب ناشئ يمكن له أن يسيطر على النظام في كابول فهي لم تشعر بخطر تشكلهم وذلك لان الفوضى التي كانت تحدث في افغانستان وصراع الاحزاب المميت الذي يحدث في المدن الافغانية والذي دمر كل البنية التحتية وحتى الانسان حيث أن المجاهدين لم يرحموا السكان والمدن فقصفوا المدن بالمدفعية وراجمات الصواريخ، وقتلوا بعضهم في الشوارع وغذوا انفسهم بتجارة المخدرات هذه المخدرات التي اصبحت افغانستان اكبر منتج لها في العالم وبدأت تنقل إلى باكستان، ومن ثم ترويجها وتهريبها إلى الخارج والى ايران والدول المجاورة لافغانستان وهي اوزبكستان وطاجكستان وتركمانستان وباكستان والصين، وبدأت تلك الدول تشكو من هذا الوباء ولم تدرك امريكا التي كانت تريد أن يأكل المجاهدون الافغان بعضهم البعض لتنتهي من مصيبتهم لانها لا تقبل أي كيان اسلامي حتى لو كان عميلا لها في أي دولة من دول العالم، إلا انها عندما وجدت أن المخدرات بدأت تنتقل إليها من افغانستان بالاضافة إلى اوروبا. فالمهربون لا يصعب عليهم تهريب المخدرات عبر المحيطات والى ابعد القارات فهم شبكات تتصل بعضها ببعض. وأمام هذا الوضع اغمضت باكستان عينيها عن نشأت طالبان بالرغم من معرفتها بالمجاهدين العرب فالهم الذي يجري في افغانستان اكبر من علاقة طالبان بالمجاهدين العرب بل أن باكستان لم تتردد في تقديم الدعم إلى حركة طالبان والتسهيلات بالاضافة إلى الخبراء العسكريين وكانت المفاجأة للجميع أن هذه الحركة الناشئة استطاعت بعد اشهر من نشأتها أن تأخذ زمام المبادرة في افغانستان ولتقلب الطاولة على جميع الاحزاب والمنظمات التي لها ارتباطات بكل دول الجوار والدول الكبرى بما فيها امريكا وروسيا والهند وايران. وكان اكبر قادة الكتائب والفرق من المجاهدين العرب عند حكومة طالبان، الذين اشرفوا على تدريب طلاب الشريعة بل ان ابن لادن هو الذي وضع لهم هيكلية الدولة، واقنع الملا عمر أن يعلن نفسه خليفة للمسلمين وان يعلن انه امير للمؤمنين وان افغانستان ما هي إلا امارة من امارات الدولة الاسلامية الكبرى القادمة. لم يبق امام المجاهدين العرب بعد الاحداث التي توالت إلى يومنا هذا إلا امران اما المواجهة حتى اخر قطرة دم فيهم والا فانهم سيكونون عبرة لمن لا يعتبر اذا ما قبض عليهم أحياء، فالكل يشحذ السكاكين لهم وهم مدركون لذلك جيدا فأمريكا تتربص لهم بكل ثقلها العسكري والتكنولوجي والامني وكذلك انظمتهم. اما الحل العقلاني لهؤلاء حتى لا يدفعو إلى أن يكونوا قنابل موقوتة لكل دولهم ودول العالم أن استطاعوا الخروج من افغانستان أو أن تغير مجرى المعركة في افغانستان هو اللجوء إلى العقل بالتعامل مع هؤلاء فالقط حينما يحشر في الزاوية فانه يتحول إلى اسد في مواجهة خصمه، فكيف الامر بهؤلاء الذين يساوون بين الحياة والموت في جهادهم في سبيل الله كما يعتقدون إن حشروا بالزاوية سيتحولون إلى قنابل موقوتة. ولقد لفت انتباه المراقبين للاحداث في افغانستان المبادرة الليبية التي دعت إلى التعامل مع هؤلاء بأسلوب اخر وهو تسليمهم لدولهم لمحاكمة من يدان منهم بأية اعمال حصلت ضد دولهم والافراج عن الذين لا يدانون، بأن هذه المبادرة قد تكون اقرب للعقلانية بالتعامل مع هؤلاء، ومع ذلك الجميع يعلم أن الافغان العرب قد حرقوا سفنهم واصبح البحر من ورائهم والعدو من امامهم حتى اخر فرد منهم. بقلم: لقمان اسكندر