رغم أن قضية ما يطلق عليهم الأفغان العرب يتجاوز عمرها الـ 20 عاما عندما سمحت بعض الأنظمة العربية بسفر هؤلاء الشباب إلى أفغانستان لمحاربة الإحتلال السوفييتي الشيوعي لهذا البلد المسلم، الا أنه لم ينظر إلى الجانب المأساوي منها إلا بعد ما تردد عن تعرض البعض منهم لمجازر وحشية في مدينة مزار الشريف وعقب إستسلامهم لقوات التحالف الشمالي، فمنذ ذلك الوقت والتعليقات والتحليلات السياسية للأفغان العرب لم تتوقف، وخاصة ما يتعلق بمصيرهم بعد هزيمة طالبان وسقوط نظامها السياسي، وحول الظروف التي دفعتهم إلى هذا المصير، ودور أمريكا والغرب في هذه القضية، وهل هم ضحية لعبة سياسية مارستها قوى متطرفة وقوى دولية، والكيفية التي يمكن بها منع تكرار مثل هذه الظاهرة، وهل هناك دور يمكن أن تلعبه الأمم المتحدة لانقاذ هؤلاء الأفغان العرب سواء من هم في الأسر أو المطاردين من قبل قوات التحالف والولايات المتحدة. (الملف) التقى الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم، وضياء رشوان الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية لإلقاء الضوء على حقيقة قضية الأفغان العرب والإجابة عن التساؤلات السابقة. تصفيات جسدية بداية يرى ضياء رشوان الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن التصفيات الجسدية التي تمت ضد الأفغان العرب في مزار الشريف هي مؤشر على المصير الذي ينتظر المجموعات التي مازالت على قيد الحياة منهم، فرغم أن ما يطلق عليهم الأفغان العرب ليسوا كلهم من جنسيات عربية بل منهم الباكستانيون والشيشانيون وغيرهم من الجنسيات الإسلامية الآخرى، فالواضح أن هناك تركيزا على العرب بعينهم وذلك لأنهم موضع إتهام من فصائل التحالف الشمالي لأنهم ساندوا طالبان ضدهم، كما أن الأمريكيين يرون أنهم أقرب إلى ابن لادن وأعضاء في تنظيم القاعدة ولذلك فهم الصيد الثمين سواء بالنسبة للأمريكيين الذين يواصلون الآن قصفهم بالطائرات والذين لم يتورعوا عن قصف أحد السجون في مزار الشريف بحجة إنهاء تمردهم، أو من قوات التحالف الشمالي التي ترى أنه من الأسهل تصفية الأفغان العرب لأنها لن تجد معارضة تذكر سواء على المستوى الدولي أو حتى العربي والإسلامي، في حين أنه لو فكرت هذه القوات الشمالية في تصفية الباكستانيين منهم فسوف تواجه بمعارضه شديدة وخاصة لتداخل الشعبين الأفغاني والباكستاني ومن هنا فالمصير الذي ينتظر الأفغان العرب غالبا سيكون التصفية الجسدية للبعض وبدون محاكمات، وجزء آخر سيتم القبض عليه للحصول على المعلومات ثم التخلص منه بعد ذلك، في حين سيتم اعتقال البعض منهم في إحدى الجزر الأمريكية كما تردد وإخضاعهم لمحاكمات عسكرية، ولكن هذا لا ينفي أن هناك جزءا منهم سوف يستطيع الهرب خارج أفغانستان إلى المناطق المجاورة في وسط آسيا، وهؤلاء سوف يكمنون دون أية تحركات لفترة من الوقت ثم يعاودون مرة أخرى نشاطهم . ـ هل يعني ذلك أن ظاهرة ما أطلق عليهم الأفغان العرب لن تنتهي بسقوط طالبان. يقول ضياء رشوان: بالطبع الظاهرة لن تنتهي عند حدود أفغانستان وخاصة إذا ما عرفنا أن هناك قطاعا كبيرا من هؤلاء الأفغان العرب يقدرون بالآلاف قد عادوا إلى بلادهم بمجرد إنتهاء العمليات ضد الروس وهذا القطاع كله إسلامي وأفراده لهم مشاعرهم تجاه إخوانهم الموجودين في أفغانستان فهم كانوا رفقاء السلاح بالنسبة لهم وسبق أن قاتلوا جنبا إلى جنب، وأعتقد أنه لا أحد يتوقع ماذا سيكون عليه سلوك هؤلاء في المستقبل وهو ما يعني أن الأمر لن ينتهي بمجرد الإنتهاء من العمليات العسكرية في أفغانستان وتشكيل الحكومة الإئتلافية هناك. حرب أمريكية وحول مدى إمكانية قيام الأمم المتحدة بدور في إنقاذ الأفغان العرب الموجودين في أفغانستان يشير ضياء رشوان إلى أن الأمم المتحدة تدرك جيدا أن هذه حرب أمريكية، وأمريكا تديرها كما تريد وأنها تريد هؤلاء الأفغان العرب، كما أن الأمم المتحدة تنظر إلى هؤلاء الأشخاص على أنهم غير مواطنين ومن الممكن أن يطلق عليهم مرتزقة وبالتالي ليس لهم حقوق، ومن هنا فهي لن تقدم على أية إجراءات أو خطوات لحمايتهم حتى لا تغضب الولايات المتحدة الأمريكية وعندها الكثير من الأعذار والمبررات التي تقدمها، ورغم كل ما قيل من مطالبات بالتحقيق في المجازر الوحشية التي وقعت في سجن مزار شريف فإن الأمم المتحدة لن تتحرك في الغالب. ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للأطراف العربية حيث يستبعد رشوان أن تظهر أية مبادرات عربية بشأن هؤلاء الأفراد، وهذا يتضح من عدم صدور أية تصريحات رسمية عربية حول هذا الموضوع حتى الآن وخاصة أن الأفغان العرب بالنسبة لدولهم كانوا مصدر قلق وتخوف وبالتالي هم لا يريدونهم ولن تكون هناك مبادرات أو مطالبات بشأنهم سواء للأمم المتحدة أو للولايات المتحدة، رغم أنه كان من المنطقي أن تكون هناك مساع من أجل أن يتم تسليمهم إلى الأمم المتحدة لكي تقوم بتصفيتهم وتحديد المتورطين منهم والآخرين الموجودين لأسباب أخرى كالعمل على سبيل المثال، فكما أن هناك مذنبين هناك ضحايا، ولاشك أن المصير الذي ينتظر الباقين منهم على قيد الحياة لا يتناسب مع ماضي الكثيرين منهم الذين حاربوا إلى جانب الأفغان لتحرير أفغانستان من الروس، وقد قتل منهم كثيرون، وقد كان يمكن القصاص من المذنبين منهم بطرق قانونية بدلا من التصفيات الجسدية البشعة التي إرتكبتها القوات الأمريكية وقوات التحالف الشمالي دون تحقيق وعن طريق القصف الجوي البشع ضد أفراد عزل في أحد السجون وكثير منهم مقيدون بالحبال. لقد كان من المفروض ـ يضيف رشوان ـ أن يتولى طرف دولي الإشراف على قضية الأفغان العرب سواء الأمم المتحدة أو الصليب الأحمر ويقوم هذا الطرف الدولي بدوره تجاه تصنيف هؤلاء الأفراد وتحديد المتورطين منهم والبحث في الاجراءات التي سيتم اتخاذها تجاه المتورطين، والكيفية التي سيتم التعامل بها تجاه من لم تثبت ادانتهم، وذلك، بدلا من الأسلوب الهمجي الذي تعاملت به الولايات المتحدة تجاههم والذي سيترك بدون شك مرارات ورواسب على المدى الطويل، ولن يحل المشكلة. ومن ناحيته يرى الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم أن موقف مايطلق عليهم الافغان العرب في منتهى السوء حيث لم يعد أمامهم مكان يلجأون اليه، وصاروا محظورين في أفغانستان، لقد كانت طالبان هي الوحيدة التي قبلت أن تحتضنهم خلال الفترة الماضية، أما الآن وبعد أن سقط نظام طالبان، فهؤلاء الافغان العرب قد سقطوا هم الاخرون ولابد أن هناك مصيرا مظلما ينتظرهم ظهرت بوادره في مزار الشريف، وخاصة انه لا توجد دولة عربية واحدة لديها الاستعداد للتعامل مع هذا الملف الشائك، أي انه ليس هناك مجال للحديث عن مبادرات عربية أو غيره لايجاد حل لهؤلاء ينقذهم سواء من المجازر التي تنتظرهم عند السقوط في أيدي التحالف الشمالي، أو من القصف المتواصل فوق رؤسهم من جانب القوات الأمريكية أي أن وضع هؤلاء الأفراد عربيا اصبح منتهيا وخاصة بعد كم من المتاعب التي سببوها في بعض الدول العربية مثل مصر والجزائر. وفيما يتعلق بإمكانية أن تقوم الأمم المتحدة بدور لانقاذ الافغان العرب الموجودين في افغانستان وخاصة بعدما تردد عن مطالبات بالتحقيق في المجازر التي وقعت في مزار الشريف ضدهم يقول اللواء طلعت مسلم: لا أعتقد أن الأمم المتحدة يمكنها القيام بدور فاعل في هذه المسألة، وحتى مايقال عن ضرورة التحقيق في المجازر التي ارتكبت بحق الافغان العرب في مزار الشريف هي مجرد تصريحات اعلامية ولا مجال للمضي فيها على أرض الواقع وخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي بيدها كل خيوط اللعبة هناك وهي غالبا لن تسمح بوجود دور لها فيما يتعلق بالافغان العرب، أو بحدوث تحقيقات حول المجازر التي ارتكبت، الولايات المتحدة تنظر للأمر الآن على انه موضوع شخصي ستتولى هي انهاءه بمعرفتها وعموما هي لم تكن بعيدة عن الأفغان العرب ومعروف دورها السابق في دعمهم ماديا وتسليحيا، بل انها هي التي أطلقت عليهم لقب المجاهدين وذلك كله كان بهدف مواجهة التواجد والغزو الشيوعي لأفغانستان، أما الآن وبعد ان انقلبوا عليهم، فهم في الغالب الذي سيتعاملون مع هذا الملف سواء بالقصف الجوي للقضاء عليهم، ومن ستكتب له النجاة أعتقد أن هناك مصيرا أسوأ في انتظاره. ظروف صعبة وفي النهاية يعتقد اللواء طلعت مسلم ان هؤلاء الشباب قد غرر بهم وضحك عليهم باسم الدين والجهاد، كما ساعدت الاغراءات الأخرى التي قدمتها بعض الجهات وخاصة الأمريكان من أموال وفرص للسفر والتنقل في الدول الغربية على أن يقعوا في الفخ الذي هم فيه الآن، لقد أدت الظروف الصعبة الموجودة في غالبية الدول العربية مثل البطالة وغيرها إلى أن يرمي هؤلاء الشباب بأنفسهم في هذا الفخ بحثا عن حلول لمشاكلهم، وياحبذا لو أن هذه الحلول هي في الوقت نفسه تمثل من الناحية الدينية وكما قالوا لهم، جهادا ضد اعداء الاسلام، واحتضنهم طالبان وكونوا أسرا وعائلات هي الآن تحت رحمة صواريخ وقنابل وكل ترسانة الأسلحة الأمريكية المحرمة وغير المحرمة دون أن يجدوا صوتا واحدا يطالب ولو حتى بإنقاذهم. القاهرة ـ مكتب «البيان» :