استطاعت الولايات المتحدة، منذ سبتمبر الماضي، ان تفرض شعار «الحرب ضد الارهاب» عنواناً للمرحلة القادمة، ليس بالنسبة لامريكا فحسب، ولكن بالنسبة لكافة دول العالم، وفي بحر عقد او اكثر من الزمن، ستشكل الحرب ضد الارهاب الملمح الرئيسي للمشهد السياسي العالمي، وستطال جبهات الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، بنفس القدر الذي ستطال مجالات الثقافة والتعليم والمواجهات الايديولوجية. ومع ان هذه الحرب قد بدأت فعلاً من خلال شن الغارات الجوية بالطائرات الحربية والصواريخ ضد حكومة طالبان في افغانستان، والمشاركة المباشرة، او بتقديم العتاد العسكري في اشعال الحرب الافغانية، ورعاية الترتيبات السياسية المرافقة لها، لتحديد مستقبل الدولة الافغانية، الا ان الجانب العسكري من الحرب اقتصر على دور منفرد للولايات المتحدة، التي حشدت اساطيلها في البحار القريبة من منطقة العمليات، والى حد ما على مشاركة محدودة ذات طابع تضامني من قبل القوات البريطانية، وبالرغم من ان البلدان الكبيرة في اوروبا واسيا، وعلى نحو اخص روسيا والصين وفرنسا، لم تعترض فعلياً على شن القوات الامريكية للحرب ضد طالبان ومعسكرات تنظيم القاعدة، ولم تزل تؤكد موقفها المبدئي المعادي للارهاب واهمية محاربته على نطاق العالم كله، الا انها لم تتخل بعد عن كثير من تحفظاتها على هذه الحملة، وتحديداً على احتمال استغراقها لوقت طويل، وعلى عدم تحديد اهداف محددة لها، ناهيك عن الاضرار الجانبية التي تطال المدنيين والاحياء السكانية، وانتشار الاوبئة وكارثة المجاعة الانسانية التي يتعرض لها الشعب الافغاني. وبطبيعة الحال تبقى المسألة الجوهرية التي تثير تحفظات غالبية بلدان العالم، بما فيها روسيا والصين وفرنسا، تكمن في استبعاد الولايات المتحدة لغطاء الشرعية الدولية المطلوب للعمليات الحربية ضد حكومة طالبان وعدم جعل الحرب ضد الارهاب تتم وفقاً لمفهوم شامل ومحدد، وعلى اساس قرارات المنظمة الدولية المتمثلة بهيئة الامم المتحدة، الامر الذي ينبئ عن مخاوف جمة في المستقبل، من بينها، ان تتصدى الولايات المتحدة منفردة بتشكيل النظام العالمي الجديد، وان تحل بنفسها محل الهيئات الدولية المتعارف عليها، والمدعوة للتصدي للمشكلات العالمية، وبمشاركة بلدان العالم ايضاً. ويكمن البعد الهام في هذه التحفظات في عدم الاخذ بمفهوم عالمي موحد لتعريف الارهاب، حيث سيكون من الصعب القبول بمفهوم الولايات المتحدة له، لانه يمكن ان يتجاوز حدود مشكلة الارهاب ذاتها ـ وهي مشكلة عالمية ـ الى ادراج خصوم الولايات المتحدة تحت طائلة الارهاب المستهدف، بما في ذلك القوى والجهات التي تستدعي مصالح الولايات المتحدة، وبعض حلفائها مثل اسرائيل، وضعها ضمن لائحة القوى والبلدان الارهابية، او الحاضنة للارهاب. وبهذا الصدد لا يبدو التعريف الامريكي للارهاب مقنعاً للكثير من دول العالم، من زاوية انه تعريف احادي من جهة، ومختلط من جهة ثانية، ومفتوح امام التفسيرات المتعسفة من جهة ثالثة، وتبدو هذه الاحادية والاختلاط والتعسف في المفهوم الامريكي للارهاب واضحة في موقفها من الصراع في الشرق الاوسط بين الشعب العربي الفلسطيني، وبين اسرائيل، حيث لا تبدي الولايات المتحدة الحزم الكافي ازاء الزام اسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، كما ان الموقف الامريكي دأب على تبرير الاعمال العدوانية الاسرائيلية، بما فيها اعمال العنف الارهابية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني على يد قوات الاحتلال، وانكار حقه في المقاومة، وبعد ذلك كله رغبة الولايات المتحدة في فرض المفهوم الاسرائيلي للارهاب، الذي يدعو الى وضع كافة فصائل المقاومة الفلسطينية ضمن لائحة القوى الارهابية، وبينما تذهب تصريحات العديد من المسئولين الامريكيين الى وصم اعمال الانتفاضة والمقاومة داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة بالارهاب، فانها تدافع عن التصرفات الاسرائيلية البالغة في قساوتها وتوحشها، وفي اقصى الحالات تنظر اليها كتصرفات مخالفة لاتفاقية جنيف بشأن الحرب، وليس كجرائم ارهابية. والاهم من ذلك كله، انه ليس لدى الولايات المتحدة سجل نظيف فيما يتعلق بقضية الارهاب، فالاحداث والوقائع التاريخية تشهد ليس فقط بتواطؤ امريكا مع القوى والجماعات الارهابية، التي وجهت حرابها ضد العديد من الدول، مثل مصر والجزائر، ولكن يشير سجل الارهاب ايضاً الى تورط جهات رسمية امريكية في دعم وتنظيم ورعاية العديد من الاعمال والنشاطات الارهابية في فترة الحرب الباردة، والتي وجهتها ضد خصومها بصورة مباشرة او غير مباشرة. واذا ما استعاد المرء الخلفيات التاريخية، التي نشأت عليها القوى السياسية المتهمة بالارهاب في الوقت الراهن، فإن ضلوع الولايات المتحدة في تنشئتها من الامور البينة تماماً، بما فيها تنظيم القاعدة نفسه، الذي يقوده اسامة بن لادن، والمتهم في تفجيرات سبتمبر الماضي في مدينتي نيويورك وواشنطن، وقبلها تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام، وكذا تفجيري الخبر والرياض في السعودية، والمدمرة الامريكية «كول» في ميناء عدن في 12 اكتوبر من العام الماضي. وقد تعاظم دور الولايات المتحدة في تنشئة ورعاية بعض المنظمات الاسلامية المتطرفة التي تلتزم بنهج العنف في تحقيق اهدافها، وفقاً لفتاوى دينية تستند الى نوع من الفهم المتشدد للشرع الاسلامي، في نهاية العقد السابع من القرن الماضي، حيث شهدت تلك الحقبة اشتداد الحرب الباردة مع دخول القوات السوفييتية لافغانستان بدعوة من الحكومة الافغانية آنذاك الموالية لموسكو، وسعت الولايات المتحدة الى اشعال حرب دينية ضد الاتحاد السوفييتي، ولهذا الغرض حشدت امريكا الموقف الرسمي لبعض الدول الاسلامية، واقامت تحالفاً اسلامياً واسعاً، كانت الجماعات الاسلامية المتطرفة جزءاً منه، ولاكساب المعركة ضد السوفييت في افغانستان، طابعاً دينياً محضاً، وجعلها معركة مقدسة منعمة بالحماس، روجت الولايات المتحدة العديد من المفاهيم الضارة، من نوع، الحرب بين معسكر الايمان ومعسكر الالحاد، وبمساعدة واشراف اجهزة المخابرات الغربية وفي طليعتها المخابرات المركزية الامريكية، ومشاركة اجهزة المخابرات في عدد من الدول العربية والاسلامية الحليفة لواشنطن، جرى تجنيد الآلاف من الشباب العرب للالتحاق بحركة الجهاد الافغانية، وتدريبهم ونقلهم الى افغانستان، ومدهم باسلحة امريكية متطورة لمحاربة معسكر الالحاد باسم معسكر الايمان، وكانت الفرصة سانحة امام العديد من المنظمات الاسلامية المتطرفة لاستقطاب اولئك الشباب وضمهم الى صفوفها. وكما جرى على الصعيد العسكري، نشطت الدوائر الامريكية لاذكاء الحرب الايديولوجية داخل البلدان العربية والاسلامية ذاتها، واقيمت مراكز التنظير المعنية بخوض الحرب في هذه الجبهة، وبدعاوى الاستعداد لمواجهة شاملة وحاسمة ضد معسكر الالحاد، شجعت الولايات المتحدة، وفي بعض الحالات غضت الطرف عن انتشار الميول الفكرية المتطرفة لبعض الجماعات الاسلامية. وما ان خرجت القوات السوفييتية من افغانستان، وبعد ذلك بفترة وجيزة انهيار الاتحاد السوفييتي نفسه، وتفكك منظومته، حتى كانت البيئة الثقافية قد شهدت درجة كبيرة من الانتشار والترسيخ للمفاهيم الاصولية المتشددة، مهيئة الاجيال الجديدة للانخراط في عضوية المنظمات الاسلامية المتطرفة، او التأثر بادعاءاتها والمفاهيم التي وضعتها للاسلام، ثم ان الآلاف من الشباب العرب الذين شاركوا في الجهاد الافغاني، ممن اصطلح على تسميتهم بعد ذلك بالعرب ـ الافغان، وجدوا انفسهم يعودون الى بلدانهم ليشهدوا ان الاوضاع فيها لا تتفق مع المفاهيم التي يحملونها عن نظام الحكم الاسلامي، والتي تشربوها على يد شيوخ الجماعات الاسلامية المتطرفة المتعطشين للاستئثار بالسلطة والنفوذ في بلدانهم. والاكثر من ذلك ان الولايات المتحدة ومصالحها وسياساتها في هذه المنطقة، كانت هي الاخرى تتعارض مع المفاهيم المثالية عن النظام الاسلامي وتلقي المسئولية على وجدان العرب ـ الافغان، وغدت تشكل قضيتهم الرئيسية ان لم تكن الوحيدة، وغدا الكفاح من اجل انتصارها الرسالة النبيلة لحياتهم. لقد عاد الآلاف من الشباب العرب ـ الافغان الى بلدانهم، وهم في غاية النشوة والحماسة، ولديهم تجربة يعتدون بها من المعارف العسكرية، والتدرب على فنون القتال، والخبرة في خوض المعارك، الى جانب الاسلحة المتطورة التي حصلوا عليها، بما فيها صواريخ «ستنجر» الامريكية، التي استخدموها في اليمن ـ على سبيل المثال ـ ضد اهداف سياسية محلية، كما حاولوا استخدامها ضد اهداف امريكية ايضاً، حيث احبطت محاولة ضرب فندق عدن بصواريخ «ستنجر» في وقت كان فيه الفندق يعج بعشرات الضباط والجنود الامريكيين، المتجهين الى الصومال، ضمن الجهود الامريكية لوقف الحرب الاهلية الدامية هناك. لقد شهد العديد من البلدان العربية، بينها مصر والجزائر واليمن وسوريا والسعودية خلال السنوات الماضية نشاطات قتالية خطيرة، شارك فيها العرب ـ الافغان، وتبين ان جماعاتهم اتخذت من الولايات المتحدة، ومن عدد من البلدان الاوروبية ملاذات لها. ان الولايات المتحدة لم تستشعر الخطر القادم، عندما كانت تحشد لحرب دينية شاملة ضد ما اسمته بمعسكر الشر والالحاد، ثم لم تستشعر هذا الخطر وهي تشاهد ما ترتكبه الجماعات الارهابية المتطرفة من اعمال عنف وتدمير واغتيالات في مصر والجزائر واليمن وغيرها، وما دام الارهاب يطال غيرها، ظلت الولايات المتحدة تعتقد انها بمأمن من شروره، ولذلك اعتقدت ان مكافحة الارهاب وتعقب نشاط منظماته امر لا يعنيها، فاغمضت عينيها، وتركت الخطر ينتشر ويستفحل، لكنه من سوء طالعها، ان خطر الارهاب امتد اليها في اخر المطاف، بل وطال اهم رموزها قوة ومنعة، مركز التجارة العالمي بنيويورك رمز السيطرة الاقتصادية على العالم، ومبنى البنتاجون (وزارة الدفاع) في واشنطن، رمز السيطرة العسكرية على العالم ايضاً. لقد اصيبت امريكا بالهلع الشديد وبالذهول، واستولت عليها رغبة الثأر والانتقام، غير انها وهي في اوج غضبها وهياجها، لم تجد الحماسة والتأييد من العالم بقدر ما كانت تريد وتأمل، وان كانت قد وجدت لديه التعاطف والرغبة في التعاون، ومع ذلك لم تدرك الولايات المتحدة ما يشعر به العالم من حاجة حقيقية لان تكون حربة ضد الارهاب شاملة وفاصلة، وان من اجل ذلك يحتاج لأن يرتب افكاره، ويضع خططه، ويحشد قواه، وان عاصفة الانتقام، التي اندفعت اليها الولايات المتحدة، لا تخدم الاهداف الحقيقية من اجل القضاء على الارهاب، واستئصاله من الجذور، والتخلص من شروره نهائياً. ولكي لا تضع الولايات المتحدة امام ظروف تنبعث فيها ذرائع جديدة، واسباب جديدة للمزيد من الاعمال الارهابية، عليها ان تقبل بشراكة العالم كله في هذه المواجهة، وان تضع دورها في اطار ارادة دولية واضحة، ومحددة، ترسم الاهداف وتتخذ الوسائل، وتحدد الخطوات، فمعركة كبيرة كهذه لا تحتمل التهور والطيش، عليها ان تراجع مواقفها واساليبها. لكي لا يكون العالم ضحية انفعالاتها المؤقتة. لقد كان العالم ضحية تمجيد الولايات المتحدة لنموذج العرب ـ الافغان في حرب معسكر الايمان ضد معسكر الالحاد، وقد آن الاوان لكي لا يكون ضحية جنون غضبها مرة اخرى، وهي تلاحق نفس العرب ـ الافغان الارهابيين. بقلم: علي محمد الصراري ـ كاتب يمني