كان دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي واضحا حين أعلن أنه يفضل حرق عناصر طالبان والعرب الأفغان في الكهوف والمخابئ بدلا من القبض عليهم وتحمل عناء محاكمتهم وعقابهم. ويبدو أن قوات تحالف المعارضة الشمالي في أفغانستان تعتنق نفس وجهة نظر رامسفيلد تجاه رجال طالبان وأنصارهم من الأفغان العرب، لذلك ارتكب مقاتلو الأوزبك والطاجيك في مزار الشريف وكابول وقندوز مذابح بربرية ضد الأسرى من مقاتلي طالبان تعبر عن عدوانية مفرطة وغير مبررة بكل المقاييس الإنسانية والأخلاقية. واليوم تطلب واشنطن من قادة تحالف المعارضة الشمالي تسليم زعماء طالبان، وأعضاء تنظيم القاعدة ، الذين أسرتهم القوات الشمالية ، للتحقيق معهم بواسطة المخابرات المركزية وتقديمهم إلى محاكم عسكرية أمريكية ، وبينهم بالطبع عدد غير صغير من الأفغان العرب.أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر ، فهي معنية حاليا بدفن المئات من ضحايا مذبحة جانجى ، ولا تزال تتردد في تسلم الأسرى غير الأفغانيين ، وإن كانت قد أعلنت أنها في حالة تسلمهم ، لن تعيد أسيرا أجنبيا إلى بلاده إلا إذا وافقت على ذلك الحكومة الأفغانية القادمة في كابول كشرط أول ، وقبلت دولته عودته إليها كشرط ثان ملزم. وهكذا ، فإن مصير الأفغان العرب قد أصبح محصورا في نطاق الأسر أو الاعتقال ، والمحاكمة والإعدام ، أو القتل عند الاستسلام ، وبخاصة بعد انهيار مقاومة طالبان العسكرية أمام الضربات الصاروخية والجوية ، وتقدم قوات المعارضة الشمالية بدعم مباشر من القوات الخاصة الأمريكية لاستكمال السيطرة على شرق أفغانستان بعد أن كادت تحكم قبضتها على شمال وغرب البلاد. ولم يعد متاحا لمقاتلي طالبان سوى اللجوء إلى المناطق الجبلية الصحراوية في جنوب وبعض مناطق شرق أفغانستان استعداداً لبدء حرب عصابات قد يطول مداها أو يقصر حسب التطورات الداخلية والإقليمية المنتظرة في الشهور القادمة ، وبخاصة مع إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على الاحتفاظ بقواعد عسكرية في أفغانستان لمدة 5 - 15 سنة قادمة طبقا لتطورات الموقف السياسي العسكري في آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية ، مع استمرار احتفاظها بالتسهيلات الكاملة في ثلاث قواعد جوية في طاجكستان وفي قاعدة جوية رابعة في أوزبكستان - هي الأكبر في آسيا الوسطى كلها - لبضع سنوات قادمة ، ومحاصرتها البحرية لشواطئ باكستان على بحر العرب. وقد ضاقت الحلقات حول الأفغان العرب بعد أن بدأ عدد من زعماء قبائل الباشتون أنفسهم يرفضون استمرار بقاء المقاتلين الأجانب في أفغانستان حتى ولو كانوا مسلمين ممن جاهدوا ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان. ويتبنى حميد قاراداى أحد أبرز قادة الباشتون هذا الموقف ، ويعتبر أن الأفغان العرب قد قاموا بدور رئيسي في تحالف تنظيم القاعدة مع نظام طالبان وفي جلب الكارثة الحالية إلى أفغانستان ، وهو أمر بدأ يقتنع به بعض السياسيين البارزين في دول آسيا الوسطى الإسلامية ممن يخشون المد الإسلامي إلى الحد الذي بدأت فيه أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية في إثارة وتعميق محاولات فتح جبهة صراع جديدة بين ما يطلقون عليه «الإسلام العربي » ، «والإسلام الآسيوي » بهدف تعميق الفرقة والانقسام بين الدول الإسلامية. ولا يجد الأفغان العرب ترحيبا من أغلب حكومات أوطانهم بعودتهم إليها ، إذ يعتبرونهم عناصر مناهضة تهدد الاستقرار الداخلي وتعادي بعض نظم الحكم ، ويرون فيهم سببا رئيسيا في اتهام المسلمين والعرب كذبا وظلما بتهم التطرف والتحريض على الإرهاب أو رعايته. ولا تقبل باكستان ، التي كانت حليف طالبان الرئيسي منذ عام 1996 ، دخول الأفغان العرب إلى أراضيها منذ طردتهم منها في بداية عقد التسعينيات، وبخاصة خلال عام 1992 الذي شهد دخول بعض فصائل المجاهدين للعاصمة الأفغانية كابول، وكذا استخدام القوة العسكرية لإجلاء بعضهم الآخر عن منطقة الحدود المشتركة بين باكستان وأفغانستان ، ولا يزال رفات أكثر من مائة من الأفغان العرب يحيط بمنفذ طورخم الحدودي بين باكستان وأفغانستان منذ تلك السنة. أشباح مذبحة جانجى عندما طوقت القوات الأمريكية والبريطانية كل الطرق المؤدية إلى مزار الشريف لتقتل كل من يغادر المدينة فور سقوطها من مقاتلي طالبان ومن بينهم الأفغان العرب وضح التوجه الأمريكي تجاه الأسرى من رجال طالبان. وبمجرد أن تمرد أولئك الأسرى في قلعة جانجى قرب مزار الشريف يوم 25 نوفمبر الماضي ، واستولوا على أسلحة فصيلة من الحراس ، قصفهم الأمريكيون بشدة بنيران طائراتهم ، وضربتهم مدفعية قوات تحالف المعارضة الشمالي لأكثر من يومين متصلين ، وأبادهم جنود التحالف على مرأى من رجال المخابرات المركزية الأمريكية ورجال مفرزة متقدمة من الفرقة العاشرة مشاة جبلية التي دفعها الأمريكان إلى مطار مزار الشريف الذي أصبح قاعدة جوية لضرب قندهار وما جاورها بالطيران. وسحقت دبابات الجنرال عبد الرشيد دوستم جثث الأفغان العرب في غلٍ شيطانى ، ونزع جنوده الأسنان الذهبية من القتلى ، وفتشوا ونزعوا ملابسهم بحثا عن أى شئ له قيمة ، ليلقى 600- 650 أسيراً باكستانياً وعربياً وشيشانياً مصرعهم بطريقة يندى لها جبين كل من قرأ أو سمع من الأمريكان والأفغان باتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 بشأن معاملة أسرى الحرب علما بأن أفغانستان قد وقعت هذه الاتفاقية عام 1956 . وعندما تطالب مارى روبنسون ، المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ، بالتحقيق في مذبحة جانجى ، ترفض واشنطن أى تحقيق دولى في الموضوع بدعوى أنه لا توجد شكوى مقدمة من دولة معينة إلى الأمم المتحدة بشأنه ، فليست هناك حكومة بعد في كابول ، وطالبان غير معترف بها دوليا ، وهكذا فلتذهب دماء أسرى جانجى إلى الجحيم. وفي قندوز التي استولى عليها تحالف المعارضة الشمالي يوم 26 نوفمبر الماضى، استسلم ألفا مقاتل من طالبان لقوات الجنرال عبد الرشيد دوستم ، وكان من بينهم 750 مقاتلا من الأفغان العرب ، وتكررت المأساة وبدأ ذبح بعضهم ، فأسرعت باكستان بإرسال طائراتها العمودية لتحميل مجموعات من الأسرى الباكستانيين في قندوز ونقلهم إلى منطقة نائية داخل باكستان ، أما ذوو الأصول العربية فقتل بعضهم في قندوز وقتل البعض الآخر خلال مطاردتهم في ممر أنداناك الجبلى المؤدى إلى مزار الشريف. وينتظر أفراد اللواء 55 قوات خاصة، وأغلبهم من الأفغان العرب، محنة الموت أو الأسر والتصفية في قندهار. أطلقت تسمية الأفغان العرب على المقاتلين الذين جاءوا من أرجاء العالم الإسلامي إلى أفغانستان ليشتركوا مع شعبها في مقاومة الاحتلال السوفييتي لها الذي بدأ في ديسمبر 1979 وانتهى بسقوط نظام نجيب الله في كابول عام 1989. وكان المجاهدون العرب عنصرا متميزا بين أولئك المجاهدين الذين تطوعت غالبيتهم للقتال في المسرح الأفغاني، الشهير بوعورة جباله وصحاريه وبقسوة ظروفه الجوية في بعض فصول السنة، وكان دافعها الدفاع عن بلد إسلامي ضد الغزو الأجنبي ودعاوى المادية والإلحاد. ومع ذلك فقد اتجه بعض أعضاء المنظمات المتطرفة في العالم العربي إلى أفغانستان تحت وطأة المطاردة الأمنية في بلادهم، وهربا من الاعتقال أو المحاكمة، ومن هؤلاء بعض أعضاء تنظيم الجهاد في مصر بعد دورهم المباشر في اغتيال الرئيس محمد أنور السادات في أكتوبر 1981. وقد تخلى أولئك الفارون من مصر، ومن دول عربية أخرى كاليمن والسودان عن فكر محمد عبد السلام فرج صاحب كتاب «الفريضة الغائبة»، والذي أعدم بعد مقتل السادات، ذلك الذي اعتبر فيه قتال «العدو القريب» للدولة الإسلامية خيرا وأفضل من قتال «العدو البعيد»خارج إطار الوطن سواء كان ذلك في أفغانستان أم في البلقان. وقد أجادت الولايات المتحدة استخدام المجاهدين في استنزاف قوات الجيش 40 الميداني السوفييتي في أفغانستان طيلة عشر سنوات متصلة، ولم تبخل عليهم بالمقذوفات الموجهة المضادة للدبابات وللطيران المنخفض، والمدفعية الصاروخية، وأمدتهم بأغلب احتياجاتهم الإدارية عبر الحدود الباكستانية الأفغانية، وأشركت دولا عربية في دعمهم، وأعدت ومولت معسكرات تدريبهم في عدة دول إسلامية في مقدمتها باكستان وتركيا. وبعد هزيمة الروس في أفغانستان، وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق، بدا أن الأمريكيين ينتظرون التوقيت المناسب للتدخل في آسيا الوسطى، وأن مسألة الاستقرار الداخلي وتعمير أفغانستان لم تكن ضمن اهتمامات واشنطن في نهاية عقد الثمانينيات، واتجهت الجهود الأمريكية الرئيسية إلى الخليج العربي، واستغلال مأساة الغزو العراقي للكويت في تحقيق الهيمنة السياسية والعسكرية والأمنية على منطقة الخليج العربي دون منازع كنقطة انطلاق أساسية لتعزيز الوجود الأمريكي في جنوب القارة الآسيوية. ووجد الأفغان العرب أنفسهم في محنة حقيقية بعد أن بدأت نذر الحرب الأهلية في أفغانستان ثم اشتعلت عام 1992، وبعد أن فقدوا المساعدات المالية والمادية التي كانت المخابرات المركزية الأمريكية تقدمها إلى المتطوعين لقتال السوفييت وإلى أسرهم. وانخرط بعض أولئك الأفغان العرب في اقتتال طوائف الشعب الأفغاني، وبخاصة إلى جانب قبائل البشتون التي تشكل نحو 55 - 60% من تعداد شعب أفغانستان، ومن ثم بدأوا يكتسبون عداء أقليات الأوزبك والطاجيك. وبين عامي 1992، 1996 اتجه بعض العرب الأفغان للقتال في صفوف المسلمين في كشمير وفي البوسنة والهرسك إلى أن سيطرت حركة طالبان على كابول فعاد بعضهم إلى أفغانستان، واشتركوا في قتال طالبان لتحالف المعارضة الشمالي في شمال وغرب البلاد. يتعرض العرب الأفغان في قندهار، وفي جلال أباد، وبخاصة منطقة تورا بورا الجبلية الحصينة جنوبها، لمحاولات إبادة حقيقية باستخدام الضربات الجوية والقنابل الذكية وإغارات القوات الخاصة الأمريكية. ولن يبقى بعضهم في أفغانستان إلا إذا استمرت طالبان كقوة معارضة بارزة في بعض المناطق الجبلية والصحراوية في شرق وجنوب البلاد، واستطاعت تخزين بعض أسلحتها لبدء حرب عصابات ضد التحالف الشمالي والقوات الأمريكية اعتبارا من الربيع القادم. وقد بدأت بالفعل محاولات اختراق الحصار البري على أفغانستان بواسطة بعض الأفغان العرب ومقاتلي طالبان من خلال التسلل على باكستان بالاستفادة من التداخل الديموجرافي لقبائل الباشتون على جانبي خط الحدود المشتركة الذي يتجاوز طوله 1600 كيلومتر. ولكن واقع الأمر، أن الأمريكان قد نجحوا في ضرب الأفغان العرب كظاهرة سياسية وإيديولوجية في العالم الإسلامي، وينفردون بتقرير مصير من يبقى منهم على قيد الحياة في أفغانستان بعد أن عجزت الدول الإسلامية عن القيام بدور يذكر في حل مشكلة المصالحة الوطنية الأفغانية قبل أو بعد الغزو الأمريكي أو حتى في تشكيل قوة حفظ سلام دولية أو إسلامية تضع حدا للحرب الأهلية في أفغانستان. وهذا نذير خطر ماحق إذا امتدت الحملة الأمريكية ضد الإرهاب إلى دول إسلامية أخرى. بقلم: لواء أح/ صلاح الدين سليم محمد ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط