منذ أن وجهت واشنطن الاتهام بالمسئولية عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر الدامية الى تنظيم «القاعدة» بزعامة أسامة بن لادن، وأعلنت الولايات المتحدة «الحرب على الارهاب» كان واضحا أن مطاردة أمريكية طويلة ودامية للافغان العرب قد بدأت، وسوف تستمر طويلا عبر العالم بأسره. فإسناد المسئولية عن أحداث سبتمبر الى تنظيم القاعدة يعني ان الولايات المتجدة قد رهنت استرداد هيبتها الضائعة بتوجيه ضربة قاصمة الى هذا التنظيم الذي يمثل «الأفغان العرب» قيادته وعموده الفقري. ومادامت افغانستان تمثل مقرا لزعماء التنظيم ومعسكرات تدريب كوادره واعضائه، فإن على حكومة «طالبان» أولا: أن تقوم بتسليم زعماء «القاعدة» وفي مقدمتهم ابن لادن وأيمن الظواهري الى الولايات المتحدة على وجه السرعة، وبغض النظر عن ثبوت التهمة في حقهم أو وجود أدلة قوية على هذه التهمة من عدمه!! وعليها ثانيا: ان تصفي جميع معسكرات وقواعد الارهاب على أراضيها. وان يتم هذا على وجه السرعة.. وتحت اشراف أمريكي بالطبع.. والا فانها الحرب !! وقد بدأت الحرب بالفعل قبل مرور شهر واحد على أحداث سبتمبر «في السابع من أكتوبر» ولسنا في حاجة الى استعراض أحداث هذه الحرب. لكننا نود لفت النظر الى أن مايحدث في افغانستان يشير بوضوح الى أن الولايات المتحدة التي أعلنت ان هدفها من الحرب على افغانستان هو«جلب زعماء القاعدة للمثول امام العدالة» تفضل في الحقيقة قتل كل من تصل اليه ايديها أو ايدي حلفائها من«الأفغان العرب» ولم تكتف واشنطن بالامتناع عن ادانة لجوء قوات التحالف الشمالي الى قتل الأسرى منهم في كابول ومزار الشريف وجلال آباد وغيرها.. بل أعلن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بوضوح عدم تفضيله لأخذ الاسرى!! الأمر الذي يعني بوضوح تحريض «الشماليين» على قتلهم. وماحدث في قلعة «جانجي» بالقرب من مدينة قندوز الشمالية كان مجزرة مروعة لعدد يتراوح بين «400و 600» من الاسرى العرب والشيشان والباكستانيين، بزعم انهم تمردوا على حراسهم واشتبكوا معهم.. وجاءت دبابات القوات الشمالية والقاذفات الأمريكية لتدك القلعة على هؤلاء الاسرى الذين وجد كثيرون منهم مقيدي الأيدي خلف ظهورهم!! أما وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد، فقد رد على مطالبة منظمة العفو الدولية وغيرها من منظمات حقوق الإنسان بالتحقيق في مجزرة قلعة «جانجي» بابداء «استغرابه» من الطلب!! وتأكيده استحالة اجراء مثل هذا التحقيق!! وأضاف رامسفيلد: بكل بساطة أقول انني لم أفكر في هذه المسألة! ومادام الأمر كذلك فلنا أن نتوقع مصيرا أسود لكل من يقع في الأسر من «الأفغان العرب» سواء كان ذلك أسر قوات التحالف الشمالي أو القوات الأمريكية فواضح ان قيادات الطرفين لا يقيمون وزنا للقوانين الدولية بشأن الأسرى وضرورة حسن معاملتهم، وخاصة اتفاقيات جنيف. فالولايات المتحدة - التي يفترض أنها دولة متحضرة - لم تتعود ان تحترم القوانين والاتفاقيات الدولية الا اذا كانت هناك ضغوط قوية تجبرها على ذلك. فما بالنا وهي اليوم القوى العظمى الوحيدة في العالم. ولديها آلة اعلامية جبارة تستطيع ان تسدل ستارا من التعتيم الكثيف على أي حدث، وان تقلب الحقائق رأسا على عقب!! أما قوات التحالف الشمالي فهي أسوأ حالا فيما يتصل باستعدادها لاحترام أي قانون دولي، أو حتى عرف إنساني. وقد شاهد العالم كله الصور البشعة لجنود شماليين يركلون رؤوس القتلى أو يبحثون في أفواههم عن أسنان ذهبية!! دون أدنى اعتبار لحرمة الموت.. فضلا عن كون هؤلاء الموتى مسلمين مثلهم، وعن كوننا في شهر الصوم، فهل يمكننا توقع ان تأخذهم الرحمة بالاسرى العرب؟! الواقع ان قوات التحالف الشمالي تكن كراهية اضافية «للأفغان العرب» لأن الاخيرين حلفاء «طالبان» قاتلوا في صفوفها ضد القوات الشمالية طوال الاعوام الماضية، واذا كان «الشماليون » ممكن ان يحسبوا حسابا لثأر «البشتون» فلا يمعنون قتلا واذلالا في مقاتلي«طالبان»الذين يستسلمون، فإن هذا الاعتبار غير قائم فيما يخص «الأفغان العرب». وبالرغم من تحالف ابن لادن والظواهري مع قيادة «طالبان» البشتونية وزعيمها الملا محمد عمر، فإن التقارير الصحفية تتحدث عن كراهية لا يستهان بها لدى مقاتلي «طالبان» تجاه رفاقهم العرب بعد أحداث سبتمبر وبداية الحرب الجارية. ذلك لأن هؤلاء المقاتلين يعتبرون العرب وزعيمهم ابن لادن مسئولين عما حل ببلادهم وشعبهم على أيدي الأمريكيين، ولا يغيب عن الذاكرة ماحدث في قندوز حينما أطلق المقاتلون العرب النار على رفاقهم من جنود«طالبان» الذين أرادوا الاستسلام لتحالف الشمال تاركين العرب لمصيرهم. واذا كان عدم سقوط حكومة «طالبان» حتى الآن في قندهار وماحولها يوفر حماية نسبية للافغان العرب رغم قسوة حصار قوات التحالف الشمالي والقصف الأمريكي، فإن احتمال سقوط تلك الحكومة يعرض المقاتلين العرب للوقوع بين شقى الرحى، تحالف الشمال والأمريكيون من جانب، وانقلاب البشتون من جانب آخر واذا حدث ذلك فإن من يقع في الأسر من هؤلاء الافغان العرب سيكون سعيد الحظ أو سيكون أسعد حظا مما اذا تم تسليمه لحكومة بلاده، حتى اذا كانت تنتظره محاكمة هناك!! فمثل هذا الاحتمال يظل أرحم بكثير من الوقوع في أيدى أحد الأطراف الافغانية، أو حتى في أيدي القوات الأمريكية، والتي يفضل قادتها عدم أخذ اسرى!! وبتعبير آخر، قتل الاسرى! وتشير التقارير الصحفية - والتكهنات الى ان كثيرين من المقاتلين «الافغان العرب» يتسللون الى الجبال المحيطة بقندهار أملا في الفرار من افغانستان كلها، أو على الاقل لتتاح لهم فرصة القتال دفاعا عن أنفسهم، بدلا من الوقوع في الأسر، وبالتالي ملاقاة حتفهم دون قتال. الا ان فرصة الفرار من افغانستان تظل ضيئلة بالنسبة لهولاء اذ ينبغي عليهم قطع مسافات طويلة جدا في«مناطق غير صديقة»، مع احتمال ابلاغ السكان المحليين عنهم، أو رصد دوريات القوات المعادية، أو الطائرات الأمريكية لهم. وسوف يصلون في النهاية الى حدود خاضعة لمراقبة صارمة، ومرة أخرى فإنهم سيكونون سعداء الحظ مما اذا تم اعتقالهم وتسليمهم لبلادهم! أما أولئك الذين يريدون أن يتحصنوا بالجبال لخوض حرب عصابات الى جانب من يمكن ان يتبقى من أنوية من مقاتلي طالبان الاكثر صلابة، فإن فرصتهم في النجاة ليست افضل بكثير، اللهم الا اذا صمدت نواة من«طالبان» في قندهار، وتغيرت ظروف التحالفات الداخلية بصورة تدفع بعض القبائل البشتوية لتغيير موقفها الحالي. وهذا بدوره احتمال ضئيل في ظل علاقات القوى الراهنة، والموقف الأمريكي المعروف من«طالبان» والقاعدة. معروف أن بعض الحكومات العربية كالسعودية ومصر والكويت، طالبت بتسليم ابناء دولها من«الأفغان العرب» اليها، كما تقدمت ليبيا بمبادرة تدعو لتسليمهم الى الأمم المتحدة لترحيلهم الى بلادهم، ومفهوم انه ستتم محاكمة هؤلاء في بلادهم ومعاقبة من يثبت تورطه منهم في أعمال ارهابية لكن الولايات المتحدة لم تبد حتى الآن أي اهتمام بمثل هذه النداءات. والأرجح انها تعد لهم مصيرا مشابها لذلك الذي لقيه رفاقهم في كابول ومزار الشريف وجلال أباد وقندوز. ونعتقد أن واجب الحكومات العربية تجاه مواطنيها يقتضي السعي بحزم لتحقيق هذه المطالب، والتقدم بها الى الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية بكل إلحاح ممكن. فالكثيرون من هؤلاء «الأفغان العرب» الذين يعدون بالالاف - من الشبان الصغار الذين تعرضوا للتغرير بهم، أو تصوروا انهم يلجأون الى مجتمع يتميز بنقاء تطبيق الشريعة الاسلامية فيه، وليس لهم علاقة بالارهاب، أو لم يتورطوا في أنشطة خطرة، بل كانوا في بداية الطريق، وليس من العدل ان يلاقوا مصير من ارتكبوا جرائم ارهابية. علما بأنه حتى هؤلاء الأخيرين من حقهم أن يلقوا محاكمة عادلة، حتى لو حكمت عليهم بالإدانة. كما ان المغرر بهم لابد أن يتعرضوا للتحقيق، وان يلقى المذنب منهم جزاءه بعد محاكمة عادلة. ولا شك أن هذه مسئولية أكيدة للحكومات العربية تجاه مواطنين لها قد تكون ضلت بهم السبل. علما بأن «باب الأفغان» تم فتحه منذ البداية برضاء عدد من الحكومات العربية، أو على الأقل دون معارضتها. كما ان هذه الحكومات تتحمل مسئولية اعادة تأهيل غير المتورطين في الارهاب، وارشادهم الى سوء السبيل، واعادة دمجهم في مجتمعاتهم. بل وتتحمل مسئولية محاولة اعادة تأهيل من يبقى فيهم بارقة أمل من المتورطين، بعد أن ينالوا عقابهم العادل بالطبع. إن أطلاق العنان لغرائز الانتقام أمر يتنافى مع السلوك المتحضر، حتى بفرض صحة كل اتهامات الولايات المتحدة للقاعدة وطالبان، والا فبم تتميز الدول المتحضرة عن المنظمات الارهابية اذا كانت الأولى لا تتورع عن انتهاج نفس السلوك الذي تنتهجه الاخيرة؟! فالمطلوب هو تحقيق العدالة وليس الانتقام العشوائي الذي يتساوى مع الارهاب، وهذه مسألة يمكن أن يتفهمها الكثيرون في الغرب، وخاصة في صفوف المثقفين وناشطي حقوق الإنسان، وأن يتحركوا على أساسها لممارسة ضغط على الولايات المتحدة، المهم ان نتحرك نحن بسرعة.. حكومات ومثقفين لانقاذ أرواح يمكن أن تتعرض للإزهاق ظلما، في صحارى وجبال ومدن افغانستان البعيدة وهي أيضا أرواح بشرية تماما مثل أرواح ضحايا برجي مركز التجارة العالمي. بقلم: د. محمد فرج أبوالنور ـ كاتب مصري