ان توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين اكبر دولة عربية والكيان الصهيوني المغتصب للحقوق والارض العربية والاسلامية في نهاية السبعينيات وازدياد القمع الحكومي لعدد من الحركات والمنظمات الاسلامية في بلدان عربية مختلفة اوائل الثمانينيات، ودخول حركة التحرر الفلسطيني في نفق المطاردة المظلم من جانب التحالف الامريكي الصهيوني والذي افضى الى الغزو الاسرائيلي للبنان واحتلال اول عاصمة عربية (بيروت) في العام 1982 في ظل صمت عربي واسلامي مريب في حينها ، وانشغال اكبر دولتين اسلاميتين قويتين آنذاك (العراق وايران) في حرب عبثية مفروضة على الامة استهدفت استنزاف طاقات العالمين العربي والاسلامي دامت للأسف ثماني سنوات عجاف ، واستمرار الكثير من النخب العربية والاسلامية الحاكمة منها والمثقفة بجذور وعمق الثقافة والهوية الدينية الاصلية لهذه المهمة والمراهنة بالمقابل على كل ما هو قادم من الغرب والشرق الاستعماري. كلها ظروف موضوعية ساهمت في خلق ونشأة وتنمية ظاهرة الافغان العرب التي عرفناها بعد ذلك والتي امتدت الى بيت كل عربي واسلامي تقريبا وها هي اليوم تشغل العالم كله انطلاقا من اضعف وحدات تكوينه واعضاء اسرته الدولية ـ افغانستان. وفي ظل تلك الظروف المشار اليها والتي كادت ان تنعدم فيها المشاركة للمئات بل الآلاف من ذوي الاصول الميسورة والمتعلمة والمثقفة من الشباب العربي سواء في مطبخ صناعة القرار في بلدانهم، او في الانخراط في مهمة ايجاد حل عادل لقضية مركزية يعتبرونها قضيتهم المركزية بسبب انعدام القيادة «الصالحة» بنظرهم من جهة ومنع ظروف بلدانهم من العمل لاجل فلسطين من جهة ثانية من خلال اغلاق كل الحدود المؤدية الى فلسطين عمليا. وفي ظل حصار فكري رهيب ساهموا هم ايضا في ايجاده حول انفسهم بسبب آرائهم وافكارهم «النقية» و«الخالصة» والتي لا تقبل المساومات والتسويات وانصاف الحلول ولا تتحمل الدخول في حوارات مع الآخر، ظهر من الرجال العرب اصحاب الكاريزما القيادية الميسوين من يدعو هؤلاء الشباب الى معركة سهلة من الناحية الروحية والفكرية الى «مقاتلة الكفر كله بالايمان كله» كما كان ظاهرا ومتبلورا في افغانستان آنذاك. وهي البلاد الاسلامية التي كانت تتعرض لغزو شيوعي سوفييتي كافر. لا سيما وان قيادات الدفاع عن بلاد الافغان من المشايخ الصالحين «الانقياء» من شوائب الافكار الغربية! وفي ظل اجواء وفضاءات وحدود مفتوحة لبلاد الافغان». في هذه الاثناء فإن العديد من الانظمة العربية التي كانت تعاني من عجز داخلي مصحوب بضغط مزدوج من الخارج الذي يطالبها بالمزيد من التنازلات امام زحف الهيمنة الغربية على بلادنا والمطالبات الجماهيرية بالتغيير فقد اختارت تلك الانظمة الطريق الاسهل لحل ازمة اولئك الآلاف من الشباب «فصدرتهم» عمليا الى افغانستان للتخلص منهم اولا والتفاخر بهم ثانيا والمساومة عليهم او عقد الصفقات باسمهم ثالثا مع القوى الدولية العظمى. القوى الغربية الحليفة للكيان الاسرائيلي من جهتها وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية والتي كانت تخطط لمعركة شاملة ضد عدوها الرسمي المعلن وهو الاتحاد السوفييتي آنذاك، وجدت بعض ضالتها في هذه الظاهرة الدسمة فاستغلتها في تأجيج نار الغضب الاسلامي ضد «الشيطان الاحمر» من جهة والعمل مبكرا في وسط من يمكن ان يمسك الحكم مستقبلا في افغانستان لعله يضمن لها قاعدة مستقبلية لنفوذها بعد خروج المحتل السوفييتي. وهكذا سارعت في تسهيل ومساعدة مهمة القادمين من بحر العرب والمسلمين سواء بشكل مباشر او غير مباشر وتحديدا عن طريق حليفتها «المسلمة» باكستان ظنا منها ان بالامكان تعميم ظاهرة الصديق الحاكم في باكستان الى افغانستان. الآن وقد حصل ما حصل، وبعد انقلاب الاوضاع في افغانستان لغير صالح الامريكيين اولا من خلال تحول الطالبان وهم الفصيل الاكثر «نقاوة» في طرحهم المعادي لكل ما هو مخالف للنص والاصول والسلف الاسلامي وثانيا: من خلال التحام شباب «القاعدة» المساندة للجهاد الافغاني ضد امة الكفر مع هذه الحركة «النقية» بعد ان وجدوا فيها ضالتهم المفقودة في بلادهم. وثالثا: من خلال اتهام ابن لادن وتنظيم القاعدة بأحداث 11 سبتمبر المروعة ورابعا: من خلال تحول وتغير الظروف الدولية والاقليمية والمحلية الخاصة بنشوء جماعات الافغان العرب فإن العالم يجمع او يكاد على ضرورة تصفية هذه الظاهرة لما باتت تشكله من تمرد مزدوج «ونشاز» على كل ما هو مظهر من مظاهر العولمة لا سيما تلك المتبلورة على الطريقة الامريكية. ومع انهيار النظام السياسي للطالبان وتقهقرهم العسكري المريع يصبح شباب القاعدة والافغان العرب في مهب الريح تماما. وبذلك يكون الافغان العرب قد دفعوا بأنفسهم ضحية التطاحن الافغاني ـ الافغاني اولا والنزاع الاقليمي والدولي حول مناطق النفوذ والاستراتيجية ثانيا وضحية تصلبهم وتشددهم الذي لا يقبل بانصاف الحلول ثالثا. لكننا كعرب حاكمين ومحكومين وايضا كمسلمين حاكمين ومحكومين نتحمل مسئولية كبرى برأيي امام هذا التدهور الذي حل بهؤلاء الآلاف من شباب الامة وهي مسئولية تتطلب مبادرات اهلية وحكومية لانقاذ من تبقى منهم سواء الواقعون في الاسر او المطاردون في الجبال والكهوف الافغانية او المنتشرين في العالم ومن ثم اعادة دمجهم في مجتمعاتهم الاصلية عبر آلية مشاركة حقيقية وعدم تركهم لقمة سائغة سواء بيد آلة الانتقام العمياء الميدانية في افغانستان او لقمة سائغة بيد اجهزة الاستخبارات العالمية او اجهزة الاستخبارات المحلية التي ستعاملهم كقضية امنية محضة. ان اي خطأ او اغفال في اطار التعامل مع هذه الظاهرة قد يدلنا على الطريق السهل للتخلص من عواقبهم ومخاطرهم كما نظن كأن نقوم بدفعهم الى خارج مناطق اهتمامنا او ان ننتظر تصفيتهم البطيئة على يد خصومهم واعدائهم، او ان نطالب بتسليمهم لمحاكمتهم في اطار ملفات تتعلق بالأمن القومي لبلداننا. كلها طرق سهلة نعم لكنها الابعد عن الحكمة في التعامل الصحيح مع هذه الظاهرة التي ساهمنا جميعا في خلقها للعالم. ذلك لاننا سنقوم بتكرار ما قمنا به في بداية الثمانينيات عمليا وهذه المرة بصورة تراجيدية من شأنها ان تخلف تداعيات غير قابلة للسيطرة.. يمكن ان تحول منطقتنا العربية والاسلامية في المستقبل الى ساحة عنف وعنف مضاد لا سابق له وسيخرج من بين صفوف شباب اليوم الذي يعاني اصلا من احباط دوله ومجتمعاته مئات الألوف من المتطرفين والمتشددين الذين يريدون الانتقام لمن سبقوهم على طريق الحرب «النقية» بين الايمان والكفر. ونكون بذلك قد اطلقنا رصاصة الرحمة على مدرسة الاعتدال والتسامح في ثقافتنا وهويتنا الدينية بدلا من القضاء على جذور «الارهاب» وتجفيف منابعه كما نظن. بقلم: محمد صادق الحسيني ـ محلل سياسي ايراني