أكد الكاتب السياسي العراقي أمير الحلو ان سقوط المشروع الامريكي ـ البريطاني حول العراق كان متوقعاً منذ البداية، لانه ليس من الذكاء ان يطلق أحد على برنامجه صفة (الذكاء) ويعلن صراحة انه (يريد الايذاء بذكاء) هذا المشروع سيعاد طرحه على مجلس الامن هذا الشهر، ولكن مع بعض التعديلات. وقال (الحلو) في حواره مع «البيان» في بغداد، ان احباط هذا المشروع عند طرحه في المرة السابقة، عبر عن وعي قومي متزايد، وان كان لا يرقى الى مستوى الطموح، الا ان الامل ما زال موجوداً في استعادة الشعب العربي وطلائعه المناضلة، لدورها الفاعل في التأثير على مجريات الامور في الساحة العربية. ويعد (الحلو) من الكوادر السياسية المؤسسة لحركة القوميين العرب، لذا فهو يرى ان الحركة القومية العربية لكي تتجنب الازدواجية، يجب ان تعتمد على الشعب وطلائعه اساساً، وان لا ترتبط بأي موقف رسمي، الا بالمقدار الذي يحقق لها مصالحها الوطنية والقومية، وعلى اساس المبادئ قبل أي شيء سواها. كان لابد ان نستقريء مع (امير الحلو) ابعاد المشروع الامريكي البريطاني، كما يراها، وكذلك المشروع الروسي الذي لم يطرح للمداولة بعد.. قال: بالنسبة للمشروع البريطاني.. فانه تعرض بصيغته الأولية، الى الكثير من الانتقادات، والمناقشات الحادة، داخل مجلس الامن الدولي وخارجه، فالذين وضعوا المشروع لم يخفوا منذ البداية، وقبل تقديمه انهم يرون (بألم) ان الكثير من اسوار الحصار على العراق قد تفتتت.. وشبهوا الوضع الراهن بالجبنة السويسرية كثيرة الثقوب.. لذا، فان من المطلوب اعادة ترتيب الاوراق أو (الطابوق) لغلق تلك الثقوب، واحكام الحصار بوسائل حديثة، تبحث عن الثغرات واسبابها واطرافها.. فالمشروع لم يكن لتخفيف قيود الحصار كما قالوا ـ، بل بالعكس، وهذا ما تبين فعلا من الطرح الأولي، وقدمت بعض الدول «بدائل» وتعديلات على المشروع الاصلي، وعملت فرنسا على تقليص عدد السلع والمواد المشمولة بالمنع، تحت عنوان (الاستخدام المزدوج).. ـ قبل ان نتحدث عن موضوع (الاستخدام المزدوج).. هل يمكن تقديم قراءة سريعة للمشروع الروسي (الذي دار كلام كثير حوله ويتوقع تقديمه الى مجلس الامن نهاية نوفمبر الحالي؟ ـ يجب هنا ان نتوقف عند حقائق عدة، أهمها ان الفقرات المعلنة من المشروع الروسي تحمل الكثير من ملامح القرار (4821) المرفوض عراقياً مع بعض التعديلات والتخفيفات، وباعتقادي ان موقف العراق ـ كما أقرأه ـ هو عدم التعامل مع أي قرار لا يضع افقاً لرفع الحصار، بعد ان انجز ما عليه من التزامات بموجب القرارات السابقة.. وهنا تتداخل بعض الامور، حيث اعلن العراق انه سيدرس بجدية المشروع الروسي، خاصة بعد ان تصدت روسيا للمشروع الانجليزي الامريكي، وهناك من يعتقد ان روسيا اجرت وستجري مشاورات مع العراق قبل تقديم مشروعها، الذي يتضمن افقاً لتعليق ورفع الحصار.. وتبقى مسألة عودة المفتشين الدوليين وشروطها وغير ذلك من الامور، مثار نقاش وجدال.. العراق والكويت ـ قلت ان فرنسا خفضت قائمة الممنوعات على العراق (ذات الاستخدام المزدوج).. والمشروع الروسي يبتعد كلياً عن (الاستخدام المزدوج).. ما علاقة كل ذلك بالحصار، وقرارات الحصار، والحالة بين العراق والكويت؟ ـ انا أتساءل هنا.. ما علاقة حرب 1991 باخراج القوات العراقية من الكويت؟ ولعل هذا التساؤل غريب.. فالهدف من الحرب هو اخراج القوات العراقية من الكويت كما كان يقال ولكن.. هل الكويت هي (ملجأ العامرية).؟ هل الكويت هي المنشآت المدنية العراقية والبنى الارتكازية التي دمرت بالكامل؟ ثم اذا كان هدف الحصار هو خروج القوات العراقية من الكويت، وقد خرجت قبل اكثر من عشر سنوات، وبقى الحصار.. أليس هذه مفارقة،؟ انها تشبه الى حد كبير موضوع المواد ذات الاستخدام المزدوج، ونحن نعرف (ديالكتيكيا) ان لكل شيء استخداماً مزدوجاً ومتضاداً. الغريب ان قرارات مجلس الامن ضد العراق فيها ما يعاكس هذا الطرح تماماً، وهو السماح للعراق بانتاج اسلحة وصواريخ يصل مداها الاقصى الى (150) كيلو متراً.. وهم يقولون انهم يريدون حماية الدول المجاورة من الخطر العراقي.. ويمنعون المواد ذات الاستخدام المزدوج، ويسمحون بانتاج صواريخ يصل مداها الى الكويت والسعودية وايران.. وغيرها، ولكنها لا تصل الى (اسرائيل)..، هذه مفارقات غريبة، ولكنها واضحة. ان موضوع الحصار مخطط له لكبح النمو الاقتصادي العراقي، ولاخراج العراق من حلبة الصراع العربي الصهيوني. هناك ملاحظة ينبغي ان لا تفوتنا.. لماذا العراق هو المستهدف..؟ والجواب على ذلك هو ان الدول الاخرى تمتلك قدرات بشرية ولا تملك قدرات مادية، او تملك قدرات مادية ولا تمتلك قدرات بشرية، بينما العراق يمتلك القدرات المادية والبشرية والعقلية المبدعة، اضافة الى العمق السياسي.. فكان الهدف هو (تحطيم او تحجيم العراق)، واستخدام شتى الذرائع والوسائل من اجل تحقيق ذلك. ـ في الواقع الحالي، هناك طروحات (قومية) ليست ذات منطلقات قومية، فالبرهان على مواقف الدول العربية، لا يستند الى دور شعبي قومي وانما الى مصالح تجارية واقتصادية.. بمعنى ان الدول يمكن ان تغير مواقفها لصالح من يدفع اكثر.. الا يعني هذا انحداراً في المواقف القومية..؟وهل اصبحت القومية العربية ممثلة بالمسئولين والتجار والرأسماليين.. ما هي اسباب التشتت والانحسار في الحركة القومية..؟ ـ لاشك ان العلاقات التجارية والاقتصادية، وحجوم المبادلات، عوامل اساسية ومهمة في تحديد المواقف ازاء العراق وازاء الحصار (أليس الحصار اقتصادياً..،،؟)، فدول الجوار، وغيرها، تحرص على مصالحها الاقتصادية. ومن الواضح ان بعض دول الجوار، وغيرها، قد ارتبطت مع العراق بعلاقات اقتصادية كبيرة ومتطورة، وهي ليست على استعداد للتضحية بها من اجل وعود وهمية بالمساعدات، أو تحت وقع الضغط والتهديد. اما عن الموضوع القومي.. فأقولها بألم إنني كقومي عربي كنت اتمنى ان تبنى المواقف من الحصار على العراق من منطلق قومي، يدرك الهدف السياسي الامريكي ـ الصهيوني من ضرب قوة العراق الاقتصادية والعسكرية، وان ما حصل للعراق يمكن ان يحصل لأية دولة عربية لها موقف مغاير للموقف الامريكي ازاء القضية الفلسطينية، وتمتلك من القوة ما يمكنها من مواجهة التهديدات الصهيونية، وجعل تلك القوة في خدمة النضال القومي. ولا شك انه ذلك يمثل خللاً في المواقف القومية المبدئية.. وهنا علينا أن نفرق بين المواقف الرسمية، والمواقف الشعبية، كما ظهر من خلال الرفض القاطع للحصار على العراق، والاعتداءات العسكرية عليه، يشكل موقفاً قومياً قد لا يرتقي الى المستوى المطلوب، ولكن يعبّر عن حالة علينا تطويرها، وتنظيمها، وحجم التحديات التي تواجهها الامة العربية.اما بشأن الانحدار القومي، او الانحسار الكلي للحركة القومية العربية، فانا أميل الى استعمال تعبير (الضعف في الموقف القومي).. فما زال الامل موجوداً في الشعب العربي وطلائعه المناضلة، لاستعادة دورها الفاعل في التأثير على مجريات الامور على الساحة العربية.. ولا شك ان التشتت في الحركات القومية وتنظيماتها قد عكس حالة سلبية، ولكن بالامكان تجاوزها، والعودة الى العمل المشترك، ثم الموحد. وأود ان اقول في هذا الصدد، ان المواقف الرسمية ستبقى مترددة ومتراجعة، اذا لم تجد على ساحاتها قوى نضالية حقيقية، تعبر عن رأي الشعب ومصالحه، وتتصدى لمواقف الحكام السلبية بشتى الوسائل، لتكون منسجمة مع الموقف القومي المطلوب. ازدواجية الحركات السياسية ـ نلاحظ ان هناك ازدواجية واضحة في قومية الاحزاب والحركات القومية..وتشمل هذه الازدواجية التيارات الدينية والاممية.. فهي ان حاولت كسب الحكومات، فقدت ثقة الشعوب، وان حاولت كسب الشعوب كسبت عداء الحكومات.. هل الكفة الراجحة الآن ـ وليس لحالة معينة بالذات ـ هي كفة الحكومات.. وان الشعوب فقدت ثقلها السياسي..؟ ـ الحركة القومية العربية حركة جماهيرية، وليست حكومية، وان معالجة الموقف الشعبي العربي لا يعتمد على قرار او موقف حكومي.. الحالة المطلوبة هي العكس تماماً أي أن تؤثر الحركة الشعبية على الموقف الرسمي، بوسائلها النضالية الضاغطة، ووصولاً الى ذلك، لا بد من اعادة الوحدة والفعالية للحركة الشعبية، وعدم خضوعها للمواقف الرسمية التي لا تعبر عن اهداف الجماهير العربية. وهناك من (الارهاصات) التي ظهرت على بعض الساحات العربية، ما يؤكد امكانية التأثير الشعبي، ولا بد من تطويرها لتصبح حالة ثابتة. ـ في الاحزاب الحاكمة، القومية، او الدينية او الاممية.. الا ترون ان الفصل بين الدولة والحزب، قد يمنع الازدواجية، او يخفف منها في اقل تقدير؟ ـ لا يمكن بناء المواقف على حالات طارئة، او استثنائية، والا توقفت حركة التاريخ. ولا يمكن الاعتماد على نموذج ما لتعميمه على كل الساحات العربية في موضوع الازدواجية.. فالحركة القومية يجب ان تعتمد على الشعب وطلائعه أساساً، وان لا ترتبط بأي موقف رسمي الا بالمقدار الذي تحقق لها مصالحها الوطنية والقومية، وان ترفض الانجرار، او الارتباط بالمواقف الواقعة تحت ضغوط خارجية. ولا شك ان كفة الشعوب ستبقى هي الارجح، بالرغم من بعض المظاهر المحبطة والمؤقتة. لقد اكد التاريخ الحديث وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية بأن تلك الازدواجية كانت سبباً من اسباب الانهيار، خصوصاً إذا تحولت الدولة الى آلة بيروقراطية ذات مصالح تتقاطع مع مصالح الحركات الجماهيرية، وان الاحزاب (وطنية او قومية او دينية او اممية) يجب ان تدرك، وحسب قناعتها الفكرية، بان ما تؤمن به لا ينهار لمجرد سقوط تجربة ما، على قساوتها، وانعكاساتها السلبية الواسعة.. وان علينا الحفاظ على منطلقاتها الفكرية الصحيحة، مستفيدة من التجارب التي مرت بها، ولا تربط ذلك بعلاقتها بالسلطة، سواء القائمة حالياً او التي انهارت، وان تفرّق بين كياناتها الجماهيرية المناضلة، على طريقتها، ووفق مبادئها، وبين الحكم ومتطلباته السياسية والدبلوماسية والاقتصادية. التحالفات المطلوبة ـ الواقع الشعبي العربي يشهد الآن حالة من إلصاق التهم والاخطاء بالآخرين، دون أي تحرك نحو تحالفات شعبية حقيقية.. كيف تفسرون ذلك..؟ ـ ان حالة رمي الاخطاء على الآخرين ليست حالة جديدة.. والمطلوب من القوى الشعبية العربية ان تتجاوز حالة الصاق التهم والاخطاء بالآخرين، وان تبحث عن ذلك في داخلها، لمعالجة الاسباب، ووضع الحلول اللازمة لها.. انا لا أرى الصورة سوداوية تماماً، فهناك قوى شعبية أطّرت نضالها من خلال منظمات ومؤتمرات وتحالفات، وقامت ببعض النشاطات، وان لم ترقَ الى مستوى الطموح المطلوب، وبما يتلاءم مع حجم وطبيعة التحديات الداخلية والخارجية.. ولكن اذا توفرت النوايا المخلصة، فبإمكان هذه التحالفات ان تحدث تأثيراً حقيقياً في الواقع، وان تلعب دوراً طليعياً في الاحداث. بغداد ـ كامل عبد الله: