رغم موجة التفاؤل التي بدت تهيمن على الأجواء في مؤتمر بون على اجتماعات الفصائل الأفغانية الأربعة بإعلان الاتفاق التاريخي على تشكيل الحكومة، وقيام مبعوث الأمم المتحدة ببذل جهود جبارة في تصفية أكثر من 150 اسماً للخروج ب29 اسماً فقط هم وزراء الحكومة الجديدة الانتقالية، مع خلق معادلة كانت صعبة باختيار رئيس الحكومة من الباشتون وهو حميد قرضاي، وفي المقابل اعطاء تحالف الشمال 3 حقائب وزارية مهمة، رغم هذا إلا ان المخاوف لاتزال تسيطر على الأمم المتحدة وعلى كافة دول الجوار الأفغاني من المرحلة المقبلة، والتي في تصور المراقبين السياسيين هي أخطر المراحل السياسية التي تمر بها أفغانستان منذ بدء انهيار حكومة طالبان. وتأتي المخاوف من عدم وجود ضمانات دولية أو آليات لتطبيق هذا الاتفاق، والزام الفصائل بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في بون حال عودتهم إلى أفغانستان، بجانب غياب الضمانات الأمنية التي تخول انتقال السلطة من الرئيس الحالي برهان الدين رباني للحكومة الجديدة المشكلة، فالرئيس الأفغاني السابق «رباني» لم يحقق أي مكاسب حقيقية في الواقع من تشكيل السلطة أو الحكومة الجديدة، ولم يعد له دور كما كان يأمل بعد المساعدات وابداء التعاون الذي قدمه من أجل توصل تحالف الشمال وبقية الفصائل إلى الاتفاق على الحكومة الانتقالية، وغياب الضمانات، وافتقار الآليات لتطبيق الاتفاق، انما تصعد من مخاوف التهديدات التي قد تعرقل البدء الفعلي لسلطات الحكومة الجديدة، والمقرر له في 22 ديسمبر الجاري.يضاف إلى ذلك ان الاتفاق لم يضع في اعتباره المعتدلين من حركة طالبان، والذين تم عزلهم الآن بصورة شبه نهائية عن الحكومة الجديدة، ومصير الحركة لايزال غامضاً حتى الآن مع بقاء الملا عمر بعيداً عن أيدي القوات الأمريكية، ومن خلفه قواته الداعمة أسامة بن لادن. واستمرار توتر الأوضاع الداخلية في أفغانستان يهدد أيضاً نجاح هذه الحكومة في بدء مهامها، كما انه لا توجد آليات لتطبيق الاتفاق حول تاريخ دخول القوات الدولية المرتقب لحفظ السلام توضح عدد هذه القوات وفترة تواجدها، ودورها على التحديد، اذ لايزال تحالف الشمال حتى تلك اللحظة في بون لديه اعتراضات كبيرة على دخول قوات أجنبية متعددة الجنسيات لحفظ أمن البلاد، لكن من المؤكد انه أمام ضغوط الأمم المتحدة والترضية الكبيرة في التشكيل الحكومي الانتقالي الذي حظيت به بالفوز بثلاث حقائب وزارية مهمة هي الداخلية والخارجية والدفاع، سيوافق التحالف على هذه القوات، ولكن أولاً يجب أن تبدأ الحكومة في مهامها الجديدة بأفغانستان، ويجب أن تتضح الرؤيا السياسية لأداء هذه الحكومة، وقبل هذا كله أن يتحدد مصير الضربات العسكرية الأمريكية على آخر معاقل طالبان في كاندهار ومنطقة تورا بورا. وستبقى المخاوف والشكوك تحيط بالحكومة الانتقالية حتى تهدأ الأوضاع العسكرية تماماً وتبدأ المرحلة السياسية الحقيقية في أفغانستان، فالحكومة الحالية لا تمثل أي ارادة للشعب، وقد استبعد مؤتمر بون عملية انشاء برلمان يضم 200 عضو في المرحلة المقبلة، وتأجل ذلك لحين اثبات الحكومة الانتقالية لنجاحها في أداء دورها خلال المرحلة الخطيرة المقبلة، وستستمر الشكوك والتساؤلات ليس فقط حتى يوم تسلم السلطة فعلياً من رباني يوم 22 ديسمبر، بل حتى يتضح أداء هذه الحكومة، ومدى نجاحها في القضاء على خلافات القبائل وتصارعها واعادة الأمن والهدوء للبلاد. بون ـ سعيد السبكي: