يعد الهمس في حياة الافراد العاديين وسيلة مهمة للتعبير عما يدور في خاطرهم من افكار ومشاعر، لا يريدون البوح بها للعامة بل لشخص محدد، لكنه في حياة الزعماء المسئولين ليس كذلك، اذ ان الهمس يعبر عن سياسة خالصة حيث لا يمكن ان تتصور ان يسلم رئيس دولة او وزارة او حتى وزير احد اذنيه، لمساعده او صديقه امام وسائل الصحافة والاعلام، دون ان يكون هناك سبب قهري لا يحتمل التأجيل او معلومة لا يصلح تأخير اطلاع هذا المسئول او ذاك عليها. واذا كان الامر كذلك، فاننا نستطيع الابحار في هذا الموضوع مع هذه اللقطات التي يُهمس فيها في اذن ابرز زعماء العالم، لنعرف ماذا يدور، خاصة اذا اسقطنا كل هذا الهمس على ما يحدث على الساحة الدولية، وبالتحديد على حرب امريكا ضد فتوات طالبان والقاعدة. ففي اللقطة الاولى، وفي خضم اصرار الرئيس الامريكي جورج بوش على ملاحقة زعماء طالبان والقاعدة، يأتي اليه اندى كارد، كبير موظفي البيت الابيض ويخبره بان الملا عمر واسامة بن لادن لا يزالان بعيدين عن ايدي القوات الامريكية، ولم يصبا باي اذى في الغارات المستمرة منذ قرابة الشهرين. لكن معلومة اندي التي غيرت ملامح وجه الرئيس، لم تثنيه عن المزح مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قائلاً له: الم تسمع بالمثل العربي «علمته الرماية فلما اشتد ساعده رماني»، هذا هو واقع الحال الآن، فالافغان الذين حاربناكم بهم هم انفسهم يحاربوننا الان ومع هذا سوف ننتصر عليهم بدونكم ولكن مساعدة الاصدقاء الاعزاء المستمرين معنا على الدوام. الصديقان الدائمان للولايات المتحدة فرنسا وبريطانيا واللتان تعتمد عليهما كثيراً في السراء والضراء، يبدو انهما لم يعد لديهما الحماسة للسير وراء بوش في طريقه الوعرة، اذ يهمس الرئيس الفرنسي جاك شيراك في أذن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ويقول له (ترى ميسو توني ان صديقك بوش يسير بنا في طريق مظلمة.. اتمنى لو تهدي اندفاعه حتى لا يثير غضب دول اسلامية وعربية علينا، خاصة وانهم سيقولون عنا اننا «صليبيون جدد). لكن تهدئة الحماس والاندفاع الامريكي لا تروق لمسئولي الادارة الامريكية، وهذا ما يشدد عليه همساً وزير الخارجية الامريكي كولن باول الذي يقول لنظيرته اليابانية ماكيكو تاناكا: «نحن استخدمنا السلاح النووي ضد بلادكم في منتصف القرن الماضي ولا مانع لدينا من استخدامه مجدداً ما لم تقفوا معنا ـ ليس بجنودكم واسلحتكم ـ وانما باقتصادكم القوي حتى لا يتأثر اقتصادنا بالحرب التي نشنها حفاظاً على الحرية والقيم الرأسمالية ضد قواعد الجهل والتخلف في العالم». من جانبها تسلم مستشارة الامن القومي الامريكي كوندليزا رايس احدى اذنيها لسفير بلادها في اوكرانيا كارلوس باسكال الذي يؤكد لها همساً ان كافة دول الاتحاد السوفييتي السابق على اتم الاستعداد للتعاون مع واشنطن، خاصة وانها يخشون تهديدات الادارة الامريكية وفي الوقت ذاته عينها على الدولارات الخضراء التي حجبها الدب الروسي عنهم طويلاً. ورغبة في الاستفادة من حرب امريكا تغطي رئيسة الفلبين جلوريا ماكابال ارويو وجهها وتهمس في اذن رئيس اركان جيشها الجنرال انجلو ريس قائلة له: يجب ان نستفيد من الهوس الامريكي ضد كل الحركات الاسلامية والاصولية، وعلينا ان نطلب عون الولايات المتحدة للقضاء على صراع «ابو سياف» الذي آلمنا كثيراً وذلك بأن نوحي لواشنطن ان زعماء القاعدة على علاقة وثيقة بجماعة «ابو سياف» ومن المحتمل ان يفر ابن لادن لجزيرة باسيلان؟ العالم كله يغلي والرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون يضحك. ويهمس في اذن زوجته السناتورة هيلاري كلينتون قائلاً لها: هل ترين كيف وصل الحال بأمريكا؟ أليس عهدي كان افضل، حيث لم تجرؤ طائرة مدنية على اهانة كرامة بلادنا وقت ان كنت رئيساَ؟ صحيح ان فترة حكمي شابها بعض الاهانة لمقر الرئاسة جراء ممازحتي لمونيكا، لكن ذلك لم يؤد الى تدمير برجي مركز التجارة العالمي رمز القوة الاقتصادية الامريكية او دك مبنى البنتاجون رمز القوة العسكرية لبلادنا.. ترى لو انني مازلت في رئاسة البلاد هل كان سيحدث كل ذلك؟ ما حدث حدث، وما على الجميع الا التعاون مع امريكا والاستفادة من ذلك لعلاج امراض ظلت مزمنة لفترة طويلة، هذا ما قالته دوريس شرويدر همساً لزوجها المستشار الالماني جيرهارد شرويدر، حيث رأت في حديث الهمس: «ان المانيا ظلت دولة على الهامش طوال الخمسين عاماً الماضية، بلا سلاح او جيش قوي، وبلا هيبة بعد ان نزعت منها امريكا كل ذلك بعد الحرب العالمية الثانية وجعلتها دولة لا قوة لها ولا خوف منها، ومن ثم كما تقول درويس ـ يجب الاستفادة من الاوضاع في امريكا والخروج من هذه العزلة وافهام العالم اننا دولة لها مخالب وانياب وليست مثل الخراف الـ «مخصية». والى الشرق الاوسط، حيث يكتسب الهمس مذاقاً وطعماً جيداً، تفوح منه رائحة المحبة لاسيما بين رجال اوسلو ومسئولي اسرائيل، حيث يقول محمود عباس «ابو مازن» امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لصديقه ديفيد ليفي وزير خارجية اسرائيل السابق: «ترى لقد صححنا خطأ اغسطس 1990 عندما ايدنا العراق، وادنا على الفور الاعتداءات ضد امريكا وقام «الختيار» ابو عمار بالتبرع بالدم لعل وعسى ان يرضى عنه بوش ويضغط على السفاح «شارون» ويرحمنا من قصفه وتدميره وارهابه؟!. وينتقل الهمس اخيرا الى لغة نسائية جميلة بين الملكة نور ارملة العاهل الاردني الراحل الملك حسين وناني عنان زوجة كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة، حيث تقول لها نور: «ناني صديقتي.. زوجك في احداث امريكا لم يسمع له صوت، ورغم ذلك حاز على جائزة نوبل للسلام.. لماذا لا يحاول عنان وقف الانتقام الامريكي لكي لا يصل الى دول عربية اذ يمكن ان يجرده العرب والافارقة من الجائزة؟!». وهكذا يتواصل الهمس في آذان الزعماء والمسئولين، للتعبير عن لغة سياسية فريدة، تكشف عن المسكوت عنه في التصريحات المبرمجة لوسائل الاعلام واللغة الدبلوماسية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.