نظم المجلس الوطني لأخلاقيات المهنة في الجزائر وهو «هيئة عقلاء منتخبة» بالتنسيق مع التلفزيون الجزائري مؤتمرا دوليا حول موضوع «الأخلاقيات في مهنة الصحافة» وامتدت اعماله على ثلاثة أيام. وشارك فيه خبراء في ميدان الاعلام والاتصال من عدد من الدول منها فرنسا وايطاليا والبرتغال ومنظمات اتحادات اقليمية وجهوية كاتحاد الاذاعات العربية واتحاد الاذاعات والتلفزيونات الافريقية والندوة الدائمة للسمعي ـ البصري في حوض البحر المتوسط... فضلا عن أساتذة مختصين جزائريين في الميدان وصحفيين من مختلف وسائل الاعلام الجزائرية. وتناول المؤتمِرون بالدرس والتحليل التطور المذهل الذي يشهده عالم الاتصال وتأثيراته على قواعد المهنة وضوابط أخلاقيات الممارسة الصحفية استنادا الى تجارب متنوعة في العالمين المتطور والسائر في طريق النمو. ولقد احتلت التجربة الجزائرية في مجال حرية التعبير حيزا مهماً من وقت المناقشات كونها تشكل نموذجا لتحدي رجال المهنة للمحن التي تفرزها التحولات المفاجئة وتلك التي تفرضها قوانين سيطرة جماعات المصالح الحاكمة في بلدان ما يسمى بالعالم الثالث. وبقدر ما حملت المداخلات من ثناء على تجربة الصحافة المستقلة في الجزائر والخطوات التي سجلتها في مجال حرية التعبير ومن عطف على الصحافة الحكومية التي تبقى حبيسة الأوامر الفوقية، تناولت بالنقد طابع الاثارة الذي بات يطغى عليها في كثير من الأحيان الى درجة تغليب الجانب الاستعراضي والنزعة الدعائية على المادة الخبرية حتى في المآسي والأحداث المروعة مثلما تعكسه معالجة الأحداث الراهنة في أمريكا وأفغانستان. ويعتقد الأستاذ محمد عناسة وهو خبير اعلامي تجاوزت شهرته حدود الجزائر وهو صاحب معهد مختص في سبر الآراء أن مصطلحي «الصحافة المستقلة» و«الصحافة العمومية» تعبيران خادعان سواء تعلق الأمر بأجهزة الاعلام الثقيلة أو الخفيفة. وقال ان الصحافة العمومية ليس لها وجود بما تحمله عبارة «عمومي» من معنى ولم يكن لها وجود من قبل. وان كانت من الناحية الشكلية تؤدي أدوارا تبدو خدمة عمومية فهي في الحقيقة حكومية. وهناك فرق شاسع بين «عمومية » و«حكومية» من حيث الوظيفة التي تؤديها أو يفترض أن تؤديها. وهي بالتالي تعكس توجه الحزب أوالأحزاب والجماعة السياسية التي تنتمي اليها الحكومة بشكل مطلق لكنه غير معلن، وهذا أول انتهاك لأخلاقيات المهنة. ويرى المتحدث من جهة أخرى أن اضفاء صفة الاستقلالية على صحافة القطاع الخاص مغالطة كبيرة أيضا، ولاحظ أن معظم العناوين التي تزين سوق الصحافة اليوم لم تتخلص خاضعة بدورها لارتباطات إما مع أجنحة في السلطة أو الأحزاب أو المجموعات المالية المافياوية كما سماها. وخلافا لهذه النظرة أبرز الأستاذ خالد بورايو وهو محام وجها آخر للصحافة المستقلة وركز على الضغوط التي تمارسها عليها السلطة لتقليص مجال التعبير والحريات، وهو مؤشر من مؤشرات استقلاليتها. وكشف عن أساليب اتبعتها السلطة لكسر شوكة الصحافة بجر مسئولي العناوين المستقلة باستمرار الى المحاكم وأحيانا تقوم هيئات القضاء بتحريك الدعاوى حتى دون أي شك. وأحيانا تبقى الدعوى قائمة حتى عند اعلان الشاكي عن تنازله عنها. ومن أكثر الحالات غرابة ـ حسب المحامي خالد بورايو ـ الدعوى القضائية التي رفعها الارهابي التائب أحمد بن عيشة قائد جيش الانقاذ سابقا في غرب الجزائر ضد مدير جريدة الخبر علي جري، وهنا كما قال تحول الارهابي الذي ينتمي لجماعة قتلت نحو 70 صحفيا في ظرف خمس سنوات الى ضحية في حين أصبح مدير صحيفة قتلت نفس الجماعة رئيس تحريرها عمر ورتيلان عام 1995 جانيا لمجرد انتقاد مقال في جريدته سيرة هذا القائد الارهابي. وتلقت الصحافة المستقلة الجزائرية اشادة واعترافا من الخبراء الأوروبيين خاصة وثمنوا التجربة في أبعادها ودورها كرأس حربة التحول الديمقراطي في البلاد. وقد عبر السيد بيارجانين وهو صاحب تجربة كبيرة في الاعلام وتولى مسئوليات عالية منها منصب مدير قناة «منتي كارلو» ثم «أوروبا1» ثم «R.T.L» قبل أن يؤسس وكالة خاصة للاتصال، عن اعجابه بالتنوع الذي تتميز به الصحافة المستقلة في الجزائر وبالجرأة التي تتمتع بها وقال إنه سيحمل معه عددا من العناوين لتكون موضوع دراسة وبحث مع أصدقائه في فرنسا. وحمل تقرير مجلس أخلاقيات المهنة للمؤتمِرين مجموعة من الشكاوى التي وصلته من أشخاص وهيئات تتعلق بالقذف الذي مارسته الصحافة المستقلة منذ بداية هذا العام، ويرى المجلس أن تلك الشكاوى تعكس في مجملها انتهاكا لأخلاقيات المهنة بممارسة القذف وتعابير الشتم والامتناع عن نشر توصيات المجلس. ودق الشاعر عز الدين ميهوبي وهو نائب في البرلمان ورئيس اتحاد الكتاب الجزائريين ناقوس الخطر أمام «الشتم الداخلي» بين الصحفيين من خلال صحفهم و«الاتهامات المتبادلة والعجز التام عن تجاوز بعض الاختلالات الثقافية والتباينات الايديولوجية التي توارثها كثير من الصحفيين ولم يتمكنوا حتى الآن من تجاوز بقايا ثقافة الشك والاقصاء». سقوط الأخلاقيات ولقد شكلت أحداث الساعة على المستوى العالمي وبالتحديد ما يجري في أمريكا وأفغانستان من تداعيات اعتداءات 11 سبتمبر الماضي وفصول ما أصبح يعرف الآن بالحرب على الارهاب النموذج السانح لقياس المسافة التي صارت تفصل بين مفهوم الأخلاقيات وواقع الممارسة الصحفية. وقد استدل بعض المتدخلين أثناء جلسات المؤتمر بهذا المشهد الآني لتبيان ما يمكن وصفه بـ «ديكتاتورية الصورة في الاعلام الحديث الذي كسر كل الحدود والضوابط وأسس ما يجوز تسميته بالعولمة التجارية للسوق التلفزيونية. وبدا الخبير الايطالي روبيرتو موريوني مدير قناة «راي نيوز 24» «rai news24» متشائما للغاية أمام التطورات المتسارعة التي سجلتها بداية القرن الجديد ويقول إن رياح الحرب التي تهز العالم اليوم بعد اعتداءات 11 سبتمبر الماضي وانعكاسات الرد العسكري الأمريكي ضد أفغانستان في طريقها الى تغيير الخارطة السياسية والاقتصادية للكون وزرع بذور نزاعات جديدة بين الثقافات والديانات والشعوب واللغات «وأضاف في واحدة من أهم المحاضرات التي ألقيت في المؤتمر بأن الطريقة التي أُطلقت بها المحاكمات السياسية والاقتصادية والمدنية بعد 11 سبتمبر 2001 في الفضاء الاعلامي هي انتهاك للأخلاقية في المسئولية قبل أن تكون مساسا بالأخلاقية المهنية، خاصة وأن الاعلام في أيامنا المأساوية هذه المتأثرة بمشاعر مصدومة من شأنه أن يساهم إما في تعميق الهوة بين الأطراف المتنافرة أو في بناء جسور بينها... وهو لعمري خيار بين المأساوية والأخلاق. وتناول الخبير الفرنسي جيرار سباغ صاحب الدراسات المعمقة في مجال توجيه الرأي العام تفاعل المتلقي مع ما تقدمه وسائل الاعلام من أحداث، وما يجب أن يسبق ذلك من احتياطات ووعي من بالمسئولية من ناقل تلك الأحداث وقال إن احترام الأخلاقية الصحفية في التلفزيون عادة أصعب مما تكون في الصحافة المكتوبة لأن وقع الصورة التلفزيونية أقوى بكثير من المادة المكتوبة، ولأن جمهور التلفزيون واسع جدا وبالغ التنوع ويفتقد في كثير من الأحيان للمعرفة العميقة للمواضيع المعالجَة. إننا نسعى من خلال الصورة أن نقاسم الجمهور إحساسا ما. ولكن الاحساس يعني أيضا اللعب على الوتر الحساس للمتلقي، وهذا يتم أحيانا على حساب الرصانة. وهو ما يعبر عنه عادة بـ «تغليب القلب على العقل». تأسيس مراصد للأخلاقيات وسجل المشاركون في المؤتمر أن التحولات التكنولوجية المتسارعة التي تلقي بتأثيراتها بشكل متزايد على المهن المرتبطة بالاعلام والاتصال، تفرض على المحترفين بحكم حيازتهم على امكانيات مذهلة تؤثر على الرأي العام، التحلي بيقظة عالية ازاء التلاعب بالصورة والصوت والنصوص المكتوبة في اطار الاحترام الصارم للقواعد المهنية والمبادئ الأخلاقية. كما ألحوا على أن يكون انتشار الديمقراطية مرفوقا بفتح المجال الاعلامي لاسيما السمعي البصري بعيدا عن أي ضغط من سلطة السياسة وسلطة المال. وتوج المؤتمر بوثيقة حملت توصيات تتضمن خصوصا السعي لاقامة مجالس جهوية للأخلاقيات انطلاقا من مجلس نموذجي لبلدان حوض البحر المتوسط والتشجيع على اقامة مراصد لوسائل الاعلام داخل كل بلد وانشاء معاهد خاصة تعنى بتكوين وتأهيل الصحفيين. وأوصت أيضا بضرورة استحداث وسائل الاعلام شروطا جديدة في انتقاء الصحفيين أهمها توقيع الصحفي المبتدئ على وثيقة الالتزام باحترام ضوابط وأخلاقيات المهنة. وفي نهاية أعمال المؤتمر أقر الجميع بضرورة مواصلة التنسيق وبذل جهود اضافية لتطوير الدراسات الأكاديمية والجوانب التكوينية المختلفة التي تحصن رجل الاعلام وتحميه من التأثيرات التي يمكن أن تدفع به الى دور خطير على الجمهور ومن أجل ذلك تقرر اجراء دورات مماثلة في المستقبل عملا على تحقيق هذا المسعى. الجزائر ـ مراد الطرابلسي: