لعل المتتبع لمسيرة العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية يمكنه بسهولة إدراك كم التعقيدات التي تكتنف هذه العلاقات التي تحولت مع اندلاع الثورة الإيرانية من علاقات تحالف استراتيجي وثيق كانت إيران تلعب بموجبه دور شرطي الخليج إلى علاقات عداء وصدام. وعلى مدى العشرين عاما الماضية، انصبت التفاعلات الإيرانية الأمريكية جميعها في إطار التفاعلات الصراعية، حيث فرضت الأخيرة على إيران حصارا اقتصاديا واستراتيجيا صارما. فمن الناحية الاقتصادية عمدت الولايات المتحدة إلى إيقاف التبادل التجاري المشترك، منع الدول الأخرى من الاستثمار في إيران وتفعيل الحظر الاقتصادي من خلال ما يطلق عليه قانون «داماتو» الذي يفرض عقوبات على إيران وليبيا. وعلى الصعيد الاستراتيجي فقد قامت الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات ضد إيران منها: تسليح العراق وتشجيعه على فرض حرب على إيران دامت ثماني سنوات، ومعارضة مرور أنابيب النفط والغاز الخاصة بمنطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى عبر الأراضي الإيرانية التي تمثل أقصر الطرق وأرخصها والأكثر أمنا لتصدير نفط هذه المنطقة. إلا أنه أيضا وفي المقابل، تم رصد محاولات للتقارب مع إيران، لاسيما في النصف الثاني من التسعينيات وتحديدًا مع قدوم الرئيس محمد خاتمي إلى سدة الحكم في الجمهورية الإسلامية. إلا أن محاولات التقارب هذه تعثرت مع جمود الجانبين وإصرارهما على عدم التنازل عن خطوط معينة. الموضوع الوحيد وقد جاءت التفجيرات الإرهابية الأخيرة لتشكل نقطة تحول في العلاقات بين واشنطن وطهران، وإن كان من الصعب تحديد توجه هذا التحول هل هو باتجاه التقارب بين البلدين أم التنافر؟ وحول أهمية الملف الأفغاني في العلاقات الإيرانية الأمريكية أوضح دبلوماسي غربي أن أفغانستان تمثل بين الأزمات الإقليمية الموضوع الوحيد الذي تجرى بشأنه محادثات بين الإيرانيين والأمريكيين، وذلك منذ سنوات في إطار مجموعة (6 + 2) التي شكلتها الأمم المتحدة. وأوضح الدبلوماسي أن «الدولتين تكونان أحيانا على اتفاق، وهما على يقين في مطلق الأحوال من أن رأي الآخر له وزن كبير». والجدير بالذكر أن اللقاء الوحيد الذي عقد بين وزيري خارجية البلدين منذ الثورة الإسلامية تم أساسا في إطار هذه المجموعة بين كمال خرازي ومادلين أولبرايت في سبتمبر 2000. وفي المقابل فإن الأطراف المختلفة في أفغانستان نفسها تدرك أهمية العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية لحسم المعركة في أفغانستان. حيث أكد وزير خارجية تحالف المعارضة الأفغانية عبد الله عبد الله أن الحرب ضد طالبان ستنظم بشكل أفضل فيما لو توصلت طهران وواشنطن للاتفاق وطي صفحة العداوة. وصرح في حديث مع وكالة فرانس برس: «بطبيعة الحال سيكون الوضع أحسن بكثير لو كانت العلاقات عادية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، لأن إيران ـ البلد الشيعي ـ تؤدي دورا مهما منذ فترة طويلة في الحرب الأهلية الدائرة في أفغانستان وهي حاليا من أقوى دعائم التحالف الشمالي السني الذي يقاوم طالبان. وفي هذا السياق فإن من مصلحة إيران أن ينتهي نظام طالبان تماماً في أفغانستان فهي عملت على التخلص منه طوال السنوات الخمس الماضية وساندت من أجل ذلك قوات التحالف الشمالي المناوئة لحكم طالبان، وأمدته بالمال والسلاح والمعلومات. إلا أنها أيضًا وفي سبيل إسقاط حكم طالبان حرصت على أمرين. 1 ـ ألا تستبدل حكومة معادية بأخرى مناوئة لها بل يجب أن يكون النظام الجديد وفق خططها ومصالح في المنطقة، وقد يكون في هذا تعارض مع مصالح الولايات المتحدة على المدى البعيد. 2 ـ أنها لا توافق على التخلص من نظام حكم سبب لها كثيراً من المشكلات لتستبدله بتواجد أعظم لقوات دولة تعاديها. فهي وإن كان عداؤها شديدًا لنظام طالبان السني في أفغانستان، إلا أن عداءها أشد للنظام الأمريكي العلماني. وفي هذا الإطار فإن الوضع في أفغانستان جاء ليشكل العلاقات الأمريكية الإيرانية من جديد على أرضية المصالح المتبادلة للطرفين إلا أن تحديد طبيعة هذه العلاقة تتوقف على قدرة البلدين على بلورة مصالح «مشتركة» وفيما يلي إشارة إلى مصالح كل من الطرفين في إطار هذه القضية، ثم محاولة لاستشراف طبيعة هذه العلاقة المستقبلية. صداع مزمن أولاً: فيما يتعلق بإيران: من المعروف أن طالبان سببت ولا تزال قلقا أمنيا لإيران أو على حد تعبير الخبراء «صداعا مزمنا» للسياسة الإيرانية، وتشكل بسياساتها المتطرفة وخطاباتها المعادية للشيعة، وتحريضها لأبناء الأقلية السنية في إيران مصدر تهديد للأمن القومي الإيراني، وقد كان الطرفان على شفا مواجهة عسكرية عام 1998 في أعقاب سيطرة طالبان على مدينة مزار الشريف، وقتلها كل العاملين في القنصلية الإيرانية هناك. وثمة بعد آخر في علاقة إيران بأفغانستان، يتمثل في التحالف بين طالبان وباكستان، ذلك التحالف الذي ضيق على الإيرانيين هامش المناورة في لعبة المصالح الدائرة حاليا في آسيا الوسطى. وإزاء هذا الوضع، فقد كان من المتوقع أن تشعر إيران بالارتياح تجاه أي تحرك يضيق الخناق على حركة طالبان ويسهم في تخفيف أعبائها الأمنية على الحدود الشرقية مع أفغانستان. إلا أن اتخاذ قرار بهذا الشأن لا يعد بالأمر الهين في ضوء تعقيدات الموقف داخليا وخارجيا. ومن ثم بات على حكومة خاتمي أن تحسم خياراتها، فإما الانضمام للائتلاف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب أيا كانت مستويات المشاركة والدعم له وهو الخيار الذي سيضمن مكانة ومقعد إيران في رسم التوازنات الاستراتيجية فيما بعد طالبان بشكل يؤمن لها مصالحها في تلك المنطقة الحيوية لأمنها القومي، وإما أن ترفض المشاركة بكل ما يحمله هذا الخيار في طياته من تداعيات مستقبلية تتمثل في: استبعاد إيران من تلك التوازنات ليس في أفغانستان وحدها، وإنما أيضا في منطقة وسط آسيا والقوقاز ومن ثم إعاقة التحركات الإيرانية شرقا وكبح مساعيها لترتيب الأوضاع في تلك المنطقة بعيدًا عن التدخلات الخارجية. المصلحة الأمريكية ثانيا: فيما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية: أما الولايات المتحدة الأمريكية، فلها هي الأخرى مصالح لدى إيران. فالولايات المتحدة الأمريكية وإن كانت قادرة وحدها على تنفيذ وتوجيه عمل عسكري انتقامي لما حدث يوم 11سبتمبر سواء على مستوى القدرات والإمكانات الفعلية أو على مستوى الإطار القانوني الحاكم لمثل هذا العمل بعد الموافقة الأخيرة لمجلس الأمن تخويلها حق الرد على الهجمات دون الرجوع إليه. بالرغم من ذلك، فإن الولايات المتحدة ترغب في حشد عدد أكبر من المؤيدين إلى جانبها وتحديدا من الدول الإسلامية، وعلى رأسها إيران. وعلى الرغم من أن إيران أبدت ردود فعل إيجابية جدا بتنديدها الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن هذه الأخيرة لا تبدو أنها مكتفية بذلك، حيث يشير البعض إلى أن أمريكا لن تكون على استعداد لرفع ما أسماه البعض «السيف المسلط دوليا على إيران» باعتبارها دولة راعية للإرهاب لمجرد أن هذه الدولة سوف تساندها «دبلوماسيا» في حربها ضد الإرهاب، لأنها في واقع الأمر تريد ما هو أكثر من ذلك ـ تريد قواعد ومجالا جويا ومعلومات استخبارية وإعلانا صريحا بموافقة إيران باعتبارها من أكبر الدول الإسلامية ـ على الحملة الأمريكية ضد الإرهاب. ويشير الخبراء في العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية، إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية، ربما تنظر لما أبعد من حربها ضد الإرهاب، فإيران لديها الكثير لتقدمه للولايات المتحدة الأمريكية لاسيما على صعيد الشرق الأوسط باعتبارها تمتلك «مفاتيح مهمة» في هذا الشأن تتمثل في علاقاتها الجيدة بكل من حزب الله في جنوب لبنان وحركتي الجهاد الإسلامي وحماس الفلسطينيتين. وفي هذا السياق فإن الولايات المتحدة في حال تقاربها مع إيران ربما تسعى إلى حثها على الضغط على هذه الفصائل والتنظيمات اللبنانية والفلسطينية من أجل وقف عملياتها لتهيئة المناخ أمام ما تسميه الحوار السياسي في الشرق الأوسط. رؤيتان وفي ضوء العرض السابق لمصالح كل من الولايات المتحدة وإيران، تجدر الإشارة إلى ملاحظة مهمة، وهي أنه على الرغم من وجود مصالح مشتركة لكل من الطرفين تتمثل في التخلص من طالبان في أفغانستان، فثمة مصالح أخرى متناقضة، وبالتالي فإن استشراف مستقبل العلاقات بين الطرفين يتوقف إلى حد كبير على غلبة أيهما على الآخر. وإزاء هذا التعقيد الماثل في العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية فإن ثمة وجهتي نظر طرحتا كمحاولة لاستشراف مستقبل هذه العلاقات. وتستند كل رؤية أو وجهة نظر على أدلة وأسانيد تدعمها وفيما يلي عرض لهاتين الرؤيتين. ـ الرؤية الأولى: ويرى أنصار هذه الرؤية أن التفجيرات الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة، وما تبعها من تطورات عالمية وإقليمية، شكلت مظهرا من مظاهر التقارب بين البلدين، حيث سارعت إيران إلى إدانة الهجوم الإرهابي على المؤسسات الحيوية في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أجرى الرئيس الإيراني محمد خاتمي اتصالاً هاتفيا مع رئيس الوزراء البريطاني، واستقبلت طهران لأول مرة منذ انتصار الثورة وزير الخارجية البريطاني جاك سترو، الذي جاء لحشد التأييد الإيراني للموقف الأمريكي في إطار الحملة الدولية لمناهضة الإرهاب كما استقبلت طهران وفد المفوضية الأوروبية لذات الغرض. ويرى هؤلاء أنه على الرغم من الإدانة الإيرانية للضربات العسكرية الأمريكية ضد أفغانستان، فإن إيران لم تتخذ أي مواقف معادية للولايات المتحدة، ولم تشهد شوارع طهران مظاهرات شعبية ضد «الشيطان الأكبر». وفي هذا الإطار أكد المرشد الأعلى للثورة بأن الخلاف مع الولايات المتحدة ليس حول المبدأ ولكن على الآلية، وقال «إننا ندعو لإجراء جماعي لمعاقبة المجرمين ومكافحة الإرهاب» وهو ما دفع صحيفة صنداي تايمز البريطانية إلى القول بأن إيران بعد هجمات 11سبتمبر الإرهابية تحولت من دولة تعتبرها الولايات المتحدة أكثر الدول نشاطا في دعم الإرهاب إلى حليف محتمل لأمريكا. ويشير أنصار هذه الرؤية إلى جملة من المؤشرات تدعم وجهة نظرهم بشأن التقارب الأمريكي ـ الإيراني المحتمل، وفيما يلي إشارة إلى أهم هذه المؤشرات: 1 ـ اللقاء الذي تم بين سفير طهران لدى الأمم المتحدة ومجموعة من أعضاء الكونجرس ومجلس الشيوخ، وحقيقة أن الدعوة جاءت من السيناتور أرلن سبنسر السياسي اليهودي والشخصية البارزة بين مؤيدي إسرائيل في واشنطن ـ وهو ما اعتبره البعض مؤشرا على استعداد طهران للتغاضي عن دعايتها المناوئة لإسرائيل حينما يكون الأمر متعلقا بمصالحها. 2 ـ التقرير الذي أصدرته اللجنة البرلمانية الإيرانية الخاصة بالأزمة الأفغانية، والذي أوصى بفتح حوار مع الولايات المتحدة الأمريكية ولو عبر مجموعة (6 + 2)، حيث صرح الناطق باسم اللجنة إبراهيم باي سلامي، بأنه ينبغي على إيران استغلال ما وصفه بحاجة أوروبا وأمريكا الحالية لإيران ودورها في حل الموضوع الأفغاني وتوظيف ذلك لتحقيق مكاسب وطنية على حد تعبيره. ظروف غير مهيأة وثمة وجهة نظر مقابلة تقلل من شأن هذا التقرير كمؤشر للتقارب، انطلاقا من موقف خاتمي نفسه من توصيات اللجنة، إذ أثار تحفظات على هذه التوصيات مبررا موقفه بأن الظروف الداخلية والخارجية «غير مهيأة» بعد لفتح هذا الحوار خصوصا أنه شدد على أن الحوار موجود حاليا عبر مجموعة ( 6 + 2) ولا توجد ضرورة لفتح هذا الملف الشائك في هذا الوقت. بل ذهب خاتمي إلى أبعد من ذلك عندما صرح بأن إيران لا ينبغي أن تعطي ضوءا أخضر للولايات المتحدة لأن ذلك سيعود بالضرر على الأمن القومي. 3 ـ ما ورد في النشرة الخاصة للمخابرات الدولية حول قيام الجانبين الإيراني الأمريكي بإجراء مباحثات، هي الأعلى منذ 22 عاما، بين مسئولين كبار من المخابرات المركزية الأمريكية وحكومة الرئيس محمد خاتمي، والتي انصبت على أمرين هما الإطاحة بحكومة طالبان والإتيان بنظام حكم جديد في بغداد، وأشارت النشرة إلى أن المحادثات التي جرت بسرية تامة في السفارة الأمريكية في أنقرة في 11/10/2001 سهلت دخول إيران في الخطط العسكرية الأمريكية المعلنة بالإطاحة بحكومة طالبان في أفغانستان وتنصيب حكومة ائتلافية يمثل فيها الشيعة المرتبطون بإيران، كما أشارت النشرة كذلك إلى قيام مجلس الأمن الإيراني وهو أعلى جهة تدير أمور النظام في إيران بإصدار ما يمكن أن يسمى «بالصفح عن الولايات المتحدة» وأمر بفتح صفحة جديدة للتعاون معها. 4 ـ يشير البعض إلى أن العلاقات بين البلدين شهدت تطورا تمثل في توقيع اتفاق سري برعاية سويسرا ينص على: قيام إيران بتقديم المساعدات لأي جنود أمريكيين جرحى أو يضطرون للهبوط في الأراضي الإيرانية، في مقابل ضمانات باحترام الولايات المتحدة سلامة وسيادة الأراضي الإيرانية ومجالها الجوي. قيام إيران بتقديم معلومات استخباراتية عمن تتهمهم الولايات المتحدة بالتورط في الهجمات على نيويورك وواشنطن في مقابل منع إدارة بوش لجماعة أمريكية من تقديم شكوى ضد إيران حول قضية احتجاز الرهائن عام 1979 والمطالبة بتعويض يصل إلى 10 مليارات دولار. كما اشتمل الاتفاق على تعهد إيران بالتعاون مع واشنطن في المجال الاستخباراتي ومكافحة الإرهاب شريطة أن تخضع لإشراف الأمم المتحدة. 5 ـ أما المؤشر الأخير والأهم في إطار مؤشرات التقارب الأمريكية ـ الإيرانية فيتمثل في زيادة وتيرة وقنوات الاتصال بين إيران والولايات المتحدة مؤخرا، والذي ارتفع من وسيلتي اتصال عند بداية الأزمة إلى نحو خمس قنوات في الوقت الراهن، وفيما يلي إشارة لهذه القنوات. ـالقناة التقليدية والمتمثلة في السفارة السويسرية والتي تتولى رعاية المصالح الأمريكية منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة عام1979، وتلعب السفارة السويسرية وسفيرها تيم جولد يمان دورا مهما كقناة غير مباشرة للاتصال بين الطرفين، وقد يتم تفعيل هذا الدور مؤخرا حينما تم استدعاء السفير السويسري إلى مقر الخارجية الأمريكية في واشنطن لدراسة سبل الارتقاء بالتقارب مع إيران ورؤيته لإمكانية ذلك، كما أكد من محورية هذه القناة تصريح وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي في 23 سبتمبر الماضي أن بلاده «على اتصال دائم ومنتظم وبشكل غير مباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية فيما يخص خطط محاربة الإرهاب» وأن «موقف الولايات المتحدة معروف بالنسبة إلينا، وأنها تبعث برسائل إلينا عبر السفارة السويسرية وإيران ترد عبر نفس القناة». ـالوساطة الدولية الأوروبية تحديدا، التي يقوم بها العديد من المسئولين الأوروبيين، حيث يرى بعض الخبراء أنه على الرغم من الدور المركزي والمحوري لإيران في منطقة آسيا الوسطى، وعلى الرغم من أهمية دورها في مكافحة حملة الولايات المتحدة ضد الإرهاب إلا أن الولايات المتحدة في واقع الأمر لا تستطيع أن تفتح مع إيران حوارا مباشرا بهذا الصدد نظرا لتعقيدات العلاقات بين البلدين، فقد كانت طهران محطة رئيسية لعدد من وزراء الخارجية الأوروبيين ومسئولي الاتحاد الأوروبي الذين انصبت جهودهم على الترويج للحملة الأمريكية، وقد جاءت زيارة سترو وزير الخارجية البريطاني بعد يوم واحد من لقائه مع نظيره الأمريكي، وعلى الرغم من أن الجانب الأمريكي نفى أن يكون سترو قد حمل رسالة مطالب أمريكية إلى إيران حول آليات دعمها للحملة الأمريكية ضد الإرهاب فإن الواقع يشير إلى عكس ذلك، لاسيما بالنظر إلى الرسالة التي وزعتها السفارة الإيرانية قبل مجيئه بيومين والتي تضمنت التأكيد على أن «إيران شأنها شأن بريطانيا طالما كانت ضحية الإرهاب، وبالرغم أنه في الماضي لم تكن بريطانيا وإيران متفقتين على تعريف الإرهاب أو كيفية التصدي له، فإنني أتمنى أن يكون بداية حوار يؤدي لتعاون أوثق بيننا في هذه القضية المهمة، وفضلاً عن الزيارة البريطانية، فإن وفد الترويكا الذي زار طهران بعد ذلك بعدة أيام ربما حمل المضامين ذاتها لطهران. ـ الرؤية الثانية: ويرى أنصار هذه الرؤية أن الموقف الإيراني لن يصب أبدا في مصلحة التقارب بينها وبين الولايات المتحدة ولدى أنصار هذه الرؤية عدد من المؤشرات ويأتي على رأس هذه المؤشرات تصريحات المسئولين الإيرانيين، والتي بقدر ما عكست تعاطفا في أعقاب الضربات الإرهابية على الولايات المتحدة بقدر ما عكست رفضا قاطعا للحملات العسكرية على أفغانستان. فعلى قمة النظام السياسي الإيراني، حذر الرئيس الإيراني محمد خاتمي من نتائج العمليات العسكرية التي تشنها القوات الأمريكية ضد أفغانستان مؤكدا «أن القصف الأمريكي على أفغانستان بعيد جدا عن التصدي لجذور الإرهاب وربما يؤدي إلى المزيد من العنف»، وشدد على ضرورة وأهمية تحديد مفهوم الإرهاب وأكد على ضرورة أن يشمل هذا التعريف الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. وحول إمكانية التقارب مع الولايات المتحدة، استبعد الرئيس الإيراني محمد خاتمي أي احتمال لتطبيع وشيك للعلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية نافيا وجود «اتصالات سرية» بين البلدين، وقال أنه لا جديد في هذه العلاقات وأن موقف إيران حيال هذا البلد لم يطرأ عليه أي تغيير. ومن جانبه اتهم مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي الولايات المتحدة «بالكذب» حول نواياها الحقيقية، كما أدان أكثر من 150نائبا إيرانيا بشدة القصف العشوائي على أفغانستان، وأعلن النواب في بيان تلته الإذاعة الرسمية «إننا نحن أعضاء البرلمان ندين كل أشكال الإرهاب في أي مكان وزمان وندين بشدة الهجمات غير المنطقية والعشوائية التي تشنها الولايات المتحدة على الشعب الأفغاني وقتل النساء والأطفال» وأوضح النواب أن هذه العملية الأمريكية لم تفشل في القضاء على الإرهابيين الذين تشير إليهم الولايات المتحدة فحسب، ولكنها كانت أيضا تكراراً للعملية الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة وأسفرت عن مقتل الأبرياء. الموقف من الهجمات ومن جانبه أطلق وزير الاستخبارات الإيراني علي يونس مواقف حادة ضد الإدارة الأمريكية وحركة طالبان، معتبراً الحملة العسكرية الأمريكية على أفغانستان «بداية انهيار الولايات المتحدة ـ كما الاتحاد السوفييتي السابق ـ على المستوى الدولي» وأكد على أن الولايات المتحدة ستكون الخاسر الرئيسي من حرب أفغانستان، وأن أبرز المتضررين سيكون الرئيس جورج بوش بينما سيكون الرابح الأكبر أسامة بن لادن. واعتبر أن واشنطن قد وقعت في فخ نصبته بنفسها عندما دعمت مع بعض الدول تنظيم «القاعدة» قبل أن ينقلب عليها. أما وزير الخارجية كمال خرزاي فقد جدد موقف إيران الرافض للهجوم العسكري ضد أفغانستان «مؤكداً أنه» لا يمكن القضاء على الإرهاب بهذه العمليات الحربية الواسعة، وإنما يجب البحث عن جذوره النفسية والسياسية والاجتماعية والأيديولوجية والتاريخية، وأن هذه العمليات غير مجدية لأن غالبية ضحاياها من المدنيين العزل الأبرياء وأنها سوف تؤدي إلى أضرار كثيرة لأنها ستؤلب الرأي العام الإسلامي وتدفعه إلى تبني موقف مؤيد لحركة طالبان وتنظيم القاعدة وأن الاستراتيجية الأمريكية المتبعة حالياً تعتبر أفضل وسيلة لحشد التأييد لهؤلاء وتحويلهم إلى أبطال. إضافة إلى ما سبق، فقد انتقد وزير الدفاع الإيراني شمخاني موقف حكومة الرئيس خاتمي بوصفه «متساهلاً» أكثر مما ينبغي تجاه الهجمات الأمريكية على أفغانستان وأن إيران تتجاهل المشاعر المناهضة لأمريكا المتصاعدة في العالم الإسلامي. بل والأكثر من ذلك دعا إلى العودة للأفكار الراديكالية للزعيم الراحل آية الله الخميني، مؤكدا أن ابتعادنا عن أفكار الإمام الخميني التي تدعو إلى حرب لا هوادة فيها ضد الظلم والإجحاف يخاطر بدفعنا إلى السلبية. وقد اتهم الرئيس الإيراني السابق ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام واشنطن بالسعي إلى «تطويق» إيران، وصرح بأن نشر التجهيزات العسكرية شديدة التطور والتي لا يمكن مقارنتها مع قدرة طالبان العسكرية في المنطقة دليل على أن الولايات المتحدة أعدت خطة دقيقة لتوسيع الأزمة إلى باقي المنطقة. ويثير أنصار الرؤية الثانية القاضية بعدم وجوب إحداث تقارب بين إيران والولايات المتحدة جملة الحجج لتدعيم وجهة نظرهم، ومن هذه الحجج: أن قدرة إيران على المناورة سوف تتقلص إلى حد كبير بمجرد أن تقوم الولايات المتحدة بترسيخ أقدامها في المنطقة ونشر قواعدها العسكرية بما يضيق الخناق على إيران ويحد من حريتها في الحركة السياسية ويقلص من دورها الإقليمي. أن ثمة شكوك مثارة حول حقيقة النوايا الأمريكية من حملتها الحالية على أفغانستان. حيث يرى الكثيرون أن هذه النوايا تذهب إلى أبعد من مجرد إسقاط طالبان أو القضاء على تنظيم القاعدة أو إلقاء القبض على ابن لادن، ويؤكدون أن الهدف الحقيقي هو الهيمنة على المنطقة بأثرها. الخوف من أن تمارس على إيران ضغوط تجبرها على إدخال تعديلات في خطابها السياسي، وحتى على أسلوبها في التعاطي مع قضايا المنطقة ولاسيما القضية الفلسطينية وما يرتبط بمشاريع التسوية والدور الإيراني في آسيا الوسطى وقضايا الطاقة والسياسات النفطية والتعاون مع الروس. معوقات التقارب الإيراني ـ الأمريكي وبغض النظر عن المؤشرات والحجج التي يدفع بها أنصار أي من وجهتي النظر، إلا أن ثمة حقائق على أرض الواقع تعيق أي محاولات تقاربية للجانبين، نذكر منها على وجه التحديد معوقين أساسيين وهما: تعقيدات الداخل الإيراني والبعد الإيديولوجي. بلورة الموقف الايراني أولاً: تعقيدات الداخل الإيراني: وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن بلورة موقف حيال القضية الأفغانية ومن ثم حيال التقارب أو التباعد عن الولايات المتحدة ـ أمر ليس هيناً في الداخل الإيراني، بالنظر إلى وجهات النظر المتباينة بين تيارين أحدهما يرى أن الفرصة سانحة وينبغي عدم تفويتها من أجل الحوار الإيراني ـ الأمريكي بأفضل الشروط لمصلحة إيران، والثاني يرى أنه لا ينبغي إحداث أي تقارب مع أي نوع من الجانب الأمريكي. بمعنى آخر فإن اتخاذ موقف إيراني مؤيد للحرب الأمريكية ضد أفغانستان سيكون من شأنه تفجير معركة داخلية عادة من جانب التيار المحافظ ضد التيار الإصلاحي الذي يتجسد في السلطتين التنفيذية (رئيس الجمهورية وحكومته) والتشريعية (مجلس الشورى) وفي المقابل فإن اتخاذ موقف عدائي من هذه الحرب سوف يفجر غضب التيار الإصلاحي ومعه قوى جديرة بالاعتبار في الشارع الإيراني تتهم السلطة بالتضحية بالمصالح الوطنية الإيرانية، ويضع إيران في قائمة الدول المرشحة للتعرض لعدوان أمريكي أو على الأقل توجيه ضربات عنيفة لحلفاء إيران وخاصة منظمات المقاومة العربية في لبنان (حزب الله) وفي فلسطين (حماس والجهاد). إلا أن هناك من يعطي وزناً هامشياً لاختلافات وتباينات الداخل الإيراني بشأن الانفتاح، ويرى هؤلاء أنه بالرغم من الخلاف الظاهري بين جناحي الحكم في طهران، والذي اتضح في انتقاد على شامخاني وزير الدفاع، والمحسوب على الولي الفقيه لسياسة الرئيس محمد خاتمي من الحملة في أفغانستان والانفتاح على واشنطن. فإن كلا التيارين لديهما أهداف مشتركة وهي: أولاً: تجنيب إيران أي مغامرة مستقبلية تحت مظلة مكافحة الإرهاب بعد أن تركت الإدارة الأمريكية جميع خياراتها مفتوحة. ثانياً: العمل على تقليص نفوذ باكستان في أفغانستان من خلال معارضتها لإشراك عناصر موالية لإسلام أباد. ثالثاً: التخلص من العناصر الحالية في كابول بعد أن اختارت سياسة الصدام مع إيران لما أتضح في مواقفها من الأقلية الشيعية الأفغانية، وفي إعدام 9مسئولين إيرانيين وصحفي في مدينة مزار الشريف عام 1998. العداء لامريكا ثانياً: البعد الأيديولوجي في العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية: مما لاشك فيه أن العداء لأمريكا هو حجر الأساس لأيديولوجية النظام الثورية. وبالتالي فإذا «أزيح ذلك الحجر سينهار كل البناء العتيد الذي أقامه الإمام» وذلك على حد تعبير على أكبر ولايتي وزير الخارجية السابق. كذلك يعتقد آية الله على خامنئي مرشد الجمهورية أن إيران لا تزال في حاجة إلى عدو خارجي يساعد على رص الصفوف الداخلية كلما دعت الحاجة، كما يرى أن حواراً جوهرياً مع أمريكا يفضي إلى تطبيع كامل للعلاقة هو حوار مبكر وسابق لأوانه من منطلق المسيرة التاريخية لهذه الثورة والنظام الإسلامي في إيران. وانطلاقاً من هذا البعد الأيديولوجي، أعلن رئيس السلطة القضائية أية الله محمود شهرودي أن القضاء سوف يلاحق قانونياً من يدعو إلى الحوار مع «الشيطان الأكبر» معتبراً أن دعوة كهذه مناقضة لقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي وهو أعلى سلطة قرار في السياسة الخارجية والمسائل الأمنية والدفاعية. والجدير بالذكر أن خامنئي ينطلق من أرضية أيديولوجية ليضع أسساً موضوعية لمعارضة أي تقارب مع الولايات المتحدة. فأولاً: لا يرى خامنئي حاجة ملحة للتطبيع مع واشنطن فهو يؤمن بأن المرحلة الماضية أكدت أنه في إمكان إيران الاستغناء عن أمريكا وبناء قوة ذاتية على كافة المستويات، وذلك رغم السياسات المعادية من قبل الولايات المتحدة ورغم استراتيجيتها التي أخفقت في عزل إيران سياسياً على الصعيد الإقليمي والدولي وفي تطويقها اقتصادياً من خلال استمرار الحظر المفروض عليها. وثانياً: يستند خامنئي في رفض تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة إلى ثلاثية الشروط الأمريكية القائمة مع إيران وهي «توقف إيران عن معارضة عملية السلام مع إسرائيل»، «التوقف عن السعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل»، «والتوقف عن دعم الإرهاب». وثالثاً: يعتقد خامنئي أن تطبيعاً محتملاً للعلاقات الشاملة بما فيها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة يمكن أن يسهم في استهداف بعض أركان نظام الحكم الإيراني لاسيما «ولاية الفقيه». نظرة أخيرة وفي التحليل الأخير تجدر الإشارة مرة أخرى إلى الموقف الإيراني الذي يتسم بكونه موقفاً مركباً يقترب من السياسة الأمريكية في نقاط، ويبتعد عنها في نقاط أخرى متعددة. وهو الأمر الذي يؤكد أن إيران تتخذ موقفاً من القضية الأفغانية يعظم مصالحها بغض النظر عن كون هذا الموقف يساعد على تقاربها مع الولايات المتحدة أم العكس. ويقوم الموقف الإيراني من قضية مكافحة الإرهاب على عدد من النقاط أوضحها حميد رضا آصفي المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإيرانية فيما يلي: 1 ـ أن الولايات المتحدة غير مؤهلة لقيادة العالم في مكافحة الإرهاب فهي أصلاً ـ وفقاً لإيران ـ تمارسه وترعى الذين يمارسونه، وبالتالي فكيف يتم العمل تحت إمرتها وهناك عدم اقتناع بعدالتها. 2 ـ أن إيران لا تقبل أن تتخذ الولايات المتحدة إجراءات من جانب واحد في مكافحة الإرهاب وأن أي مكافحة للإرهاب يجب أن تتم بالتنسيق والتعاون مع الأوساط والمنظمات الدولية وأن يتم في إطار القواعد المعترف بها على الصعيد الدولي. 3 ـ أنه لا يجب الرد على كارثة إنسانية بكارثة إنسانية أخرى بل يجب أن تتركز الجهود في تغيير السلوك الإجرامي. 4 ـ أن إيران تعارض أي إجراء يمس النظام والأمن الدوليين وتشدد على ضرورة الاهتمام بحقوق الشعوب والدول في التعاطي مع هذه المسألة. أما الموقف الإيراني من أفغانستان والوضع الداخلي فيها، فهو يستند بدوره على جملة من الثوابت وهي: 1 ـ أن تضم الحكومة الأفغانية المقبلة كل الأطراف التي تعكس إرادة الشعب. 2 ـ أن يتم أي حل سياسي تحت إشراف الأمم المتحدة. وبالتالي فإن هذه المواقف الإيرانية والمستقلة نسبياً عن المواقف الأمريكية، ربما تدفعنا إلى إعادة النظر حول صحة اعتبار الأزمة الأفغانية متغيراً قد يسفر إلى إحداث تقارب بين الطرفين. المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية بالكويت: