كان من أبرز تداعيات الغزو العراقي على سياسة الكويت الخارجية ان تم تحديد توجهات تلك السياسة منذ ذلك التاريخ وفقاً لمواقف الاطراف الدولية المختلفة من الغزو وحرب التحرير. من هنا كان للتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة أولوية مطلقة على غيرها من الدول نظراً لدور الولايات المتحدة المحوري العسكري بالأساس في تحرير الأراضي الكويتية. فخلال عقد كامل اتجهت كل من الولايات المتحدة والكويت لتطوير علاقاتهما بما يتناسب وما يجمعهما من مصالح مشتركة وبما يتعدى الجوانب العسكرية والدفاعية فقام بين الطرفين نشاط ثقافي وتعليمي ملموس كان من أبرز مظاهره وجود نحو خمسة آلاف طالب كويتي بالولايات المتحدة ووجود عشرات المدارس الأمريكية بالكويت تقوم بدور حيوي في إثراء الحركة التعليمية بها، هذا فضلاً عن أفراد الجالية الأمريكية الذين يعيشون ويعملون بالكويت وهو ما أدى إلى تعميق الاتصالات على المستوى الشعبي والخروج بالعلاقات السياسية بين البلدين إلى إطار إنساني أوسع. ويلاحظ أن لكل طرف من الطرفين الأمريكي والكويتي مجموعة من الأهداف والمصالح التي تربطه بالطرف الآخر وتجعل من علاقاتهما علاقة شراكة تستمد استمراريتها وقوتها من استمرار هذه الأهداف والمصالح. فعلى الجانب الأمريكي ثمة مصلحة اساسية في الحفاظ على مصادر الطاقة وضمان استمرارية وصول النفط للأسواق الأمريكية، ففي محاضرة له بنادي دبي للصحافة في مارس 2000 أشار ريتشارد ميرفي مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية السابق إلى أن المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط تتمثل في أمرين أولهما ضمان الوصول إلى مصادر الطاقة وثانيهما ضمان أمن إسرائيل. وهنا تنبع أهمية الكويت للمصالح الأمريكية حيث تتحكم في 10% من احتياطي النفط العالمي، كما تلعب دورا مهما للغاية في منظمة أوبك النفطية يجعلها تؤثر في اتجاهات أسعار النفط العالمية. ومن خلال العلاقات السياسية الحميدة بين الدولتين تصدر الكويت نحو 250 ألف برميل نفط يوميا للولايات المتحدة الأمريكية، لذا فهي تمثل مرتكزا مهما إلى جانب السعودية للحفاظ على استقرار أسعار النفط العمود الفقري للحياة اليومية في الولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى تقدر استثمارات الكويت الخارجية المملوكة للدولة ما بين 50 ـ60مليار دولار يضاف إليها ما بين 10 ـ 15مليار دولار استثمارات خارجية لمؤسسة حكومية أو شبه حكومية مثل مؤسسة البترول الكويتية أو الصندوق الكويتي للتنمية، ينحصر الوزن الأكبر من هذه الاستثمارات في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تتمركز في مجموعة من الصناديق الاستثمارية أهمها صندوق السوق العقاري مع مجموعة سيتي بنك برأسمال 300 مليون دولار للاستثمارات في العقارات الأمريكية، هذا خلاف حركة التبادل التجاري بين البلدين التي يميل فيها الميزان التجاري إلى صالح الولايات المتحدة بفارق كبير. فكرة أمريكية والواقع أن تعاون البلدين الاقتصادي هو فكرة أمريكية بالأساس، حيث أدرك الأمريكيون في مستهل علاقتهما الدولية في القرن الماضي أن أنجح علاقات الشراكة بين الدول هي تلك التي تتجاوز الأمن إلى الاقتصاد، كما يؤكد المسئولون الأمريكيون من حين لآخر أن لديهم مصلحة مباشرة في أن يبقى الاستقرار مصانًا داخل الكويت، والاستقرار هنا استقرارا داخليا بالأساس من وجهة النظر الأمريكية يتحقق بناء على استقرار الوضع الاقتصادي وضمان الدولة لمستقبلها في هذا المجال. من هنا تأتي النصائح الأمريكية للكويت بتهيئة أجوائها لتفعيل الاستثمارات الأجنبية من خلال إقرار قوانين كقانون حماية الملكية الفكرية الذي أقره مجلس الأمة بالفعل في أواخر عام 1999، هذا بالإضافة إلى إقراره قانون الاستثمار المباشر الذي يفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية للعمل بحرية داخل مجالات النشاط الاقتصادي المختلفة داخل الكويت. إلا أن الأمر لا يزال بحاجة لتطوير آفاق التعاون بين البلدين من خلال القوانين والتشريعات التي تجعل الكويت الدولة الخليجية الأقدر على جذب الاستثمارات خاصة في المجال البترولي حيث الفرص أكثر جذبا للشركات النفطية الأمريكية الكبرى للمشاركة في تطوير حقول النفط الكويتية على أن تتوافر متابعة جدية لتنفيذ هذه القوانين والتشريعات مع اتخاذ الحكومة الإجراءات التي تضمن لها حماية مصلحتها الوطنية. يتصل بمصلحة الولايات المتحدة في استمرار التعاون النفطي والاقتصادي مع دولة الكويت هدف أشمل في الحفاظ على هذه المصالح وغيرها في منطقة الخليج والشرق الأوسط عموما فوفقا لآراء عدد كبير من المحللين تمثل الكويت رأس حربة في استراتيجية واشنطن الأمنية في منطقة الخليج، حيث تظل الحاجة قائمة لتوفير آلية معينة للتحرك السريع في ظل أي أحداث طارئة في المنطقة كما تساعد على رد أي تحركات معادية. وعلى الجانب الكويتي، فثمة قضية أساسية في التعاون مع الولايات المتحدة تتعلق بحفظ الأمن الخارجي وهي قضية أفرزتها تجربة الغزو وفعاليات حرب التحرير، صحيح أن العمليات العسكرية التي شنتها قوات التحالف آنذاك ضد العراق قضت على جزء كبير من قوته العسكرية حيث دمر له ما يزيد على 39 فرقة وفقد معظم قواته الجوية وترسانته من الصواريخ أرض ـ أرض إضافة لفقده إمكاناته في تطوير وإنتاج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، إلا أن العمليات العسكرية لم تنه وجود إرادة العمل البشري لدى العراق وهو الأمر الأكثر خطورة وأهمية، حيث ظل الاحتمال قائما بعد هزيمته أن يقوم العراق إذا ما توافرت له موارد التسليح المناسبة وهو أمر ممكن الحدوث في ظل الخبرة العراقية في الحصول على الأسلحة والمعدات بطرق وأساليب متنوعة اكتسبها خلال الحرب مع إيران، صراع أمني خطير إضافة لذلك فإن تجربة الغزو قد أنتجت صراعا أمنيا على قدر كبير من الخطورة في المنطقة بالنظر إلى عظم حجم الثروة التي تملكها الكويت وباقي دول الخليج وقلة عدد السكان والتي تجعلها مطمعا لأطراف خارجية مجاورة، هذا فضلاً عن توافر إمكانيات حصول أي أطراف لديها أهداف توسعية على الأسلحة والمعدات العسكرية الجديدة بسهولة في ضوء بدء تفكك الاتحاد السوفييتي آنذاك. من هنا عقدت دولة الكويت عقب تحريرها اتفاقيات أمنية مع الدول الأساسية في التحالف الدولي الذي قاد عملية التحرير، وعلى رأسها الولايات المتحدة، كما وقعت اتفاقية تعاون عسكري مشترك مع الأخيرة في وقت متزامن، وعليه تنشر واشنطن حوالي 4500 جندي في الكويت في إطار 25 ألف جندي ينتشرون في منطقة الخليج وفقا لاتفاقيات مماثلة، كما قامت الكويت بشراء عدة منظومات دفاعية ودبابات وطائرات حربية في إطار اتفاقية التعاون المشترك مع الولايات المتحدة. ومنذ توقيع تلك الاتفاقيات وواشنطن ملتزمة بحماية أمن الكويت من أي أخطار خارجية وهو التزام تحرص الإدارات الأمريكية المتعاقبة على تجديده من حين لآخر، ففي فبراير الماضي، أكدت الإدارة الأمريكية الجديدة على لسان وزير خارجيتها كولن باول خلال لقائه بالمسئولين الكويتيين «الالتزام الأمريكي بضمان أمن الكويت وحمايتها من أي عدوان تتعرض له في هذه المنطقة من العالم». وفي إطار التزامها ذاك تحرص واشنطن على مراقبة التحركات العراقية في منطقتي الحظر الجوي شمال وجنوب العراق بهدف التأكد من عدم إقدام العراق على خطوة عسكرية سواء ضد الأكراد أو الدول المجاورة. مناورات كثيرة كما تشترك كل من الكويت وواشنطن في مناورات عسكرية كثيرة لتطوير القدرات الدفاعية الكويتية وتحقيق تجانس القوات، هذا فضلاً عما ترسله تلك المناورات من إشارات تقوم بعملية ردع لأي اتجاهات عدائية، ففي السابع عشر من نوفمبر الجاري بدأ الطرفان مناورات مشتركة تحت اسم «ربيع الصحراء» ستجرى على مستوى القوات الثلاثة البحرية والجوية والبرية، كما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أن قوة أمريكية قوامها ألف جندي من لواء المدرعات بدأت في الانتشار بالكويت لإجراء مناورات عسكرية مشتركة. وقد سبق تلك المناورات في فبراير الماضي وأثناء الاحتفالات بالذكرى العاشرة للتحرير مناورات أخرى بمشاركة بريطانية على الحدود مع العراق تمنى الرئيس الأمريكية السابق بوش الأب أثناء مشاركته في احتفالات الكويت آنذاك أن يراها صدام حسين حيث صرح قائلاً «من المحتمل أنها (المناورات) لم تكن لتؤدي إلى التخفيف من حدة تصريحاته، ولكن لو كانت لديه أي نية للقتال مرة أخرى والخوض في رمال الكويت.. فإنه كان سيغير رأيه». وعلى الرغم من ذلك شهدت الساحة الكويتية على مدار العام الماضي 2000 جدلاً شارك فيه مختلف الفعاليات السياسية حول مسألة تجديد الاتفاقيات الأمنية التي ينتهي العمل بها هذا العام، ما بين مؤيد ومعارض لاستمرارها، فمن ناحية يرى بعض أعضاء مجلس الأمة أن التواجد الأجنبي قد يعرقل من إمكانات تطوير قدرات ذاتية للأمن والدفاع الكويتي، ويقلل من درجة استقلالية القرارات السياسية للدولة. وعن استيراد الأسلحة في إطار اتفاقيات التعاون العسكري يرى البعض أن اعتياد الكويت على ذلك من شأنه جعلها عرضة للضغوط والتدخلات السياسية من قِبَل الدول المصدرة سواء عن طريق إرسالها خبراء متخصصين لتشغيل الأسلحة التكنولوجية المتطورة أو التأثير على القرارات السياسية للدولة من خلال الشروط التي تضعها الدول المصدرة غالبا حول كيفية استخدام السلاح. يضاف إلى ذلك ما يثيره التعاون العسكري الأمريكي ـ الكويتي من جدل داخل أروقة مجلس الأمة من حين لآخر خاصة حول صفقات السلاح، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما أثير من جدل بداية عام 2000 حول صفقة المدفع الأمريكي «بلادين» التي رفضتها لجنة حماية الأموال العامة في مجلس الأمة على أساس أن التعديلات المطلوبة على المدفع لم تستكمل بعد، فضلاً عن عدم إتمام التجارب الميدانية عليه، وذلك على الرغم من تأكيدات عدد من خبراء التسلح آنذاك تميز المدفع بكثير من الخصائص الفنية المتطورة التي تعهدت الإدارة الأمريكية ممثلة بوزارة الدفاع بضمانها، هذا إضافة لما يوفره المدفع من حماية ضد الحروب النووية والكيماوية والجرثومية. وعلى الرغم من تلك الملاحظات قامت الحكومة الكويتية في فبراير 2001 بتجديد الاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية حتى عام 2011، يوافقها في ذلك الفئة الأكبر من الشعب الكويتي الأمر الذي كشف عنه استبيان أجرته صحيفة الوطن على عينة مكونة من مئة شخص من مختلف شرائح المجتمع الكويتي حيث أيد 92% من العينة استمرار الاتفاقات الأمنية، وهو موقف يستمد صحته بالنظر إلى الاعتبارات التالية: تأجيل طموحات ـ وفقا لرئيس المركز الكويتي للدراسات الاستراتيجية فإن الكويت والدول الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي ستظل بحاجة إلى مساعدة القوات الأجنبية ما لم تتغير العقلية العراقية، فكما سبق القول لم تؤد هزيمة العراق العسكرية إلى نتائج سياسية حاسمة على صعيد تغيير النظام الحاكم ومن حين لاخر يحدث تصعيد عراقي تجاه الكويت والسعودية يضاف إلى ذلك تصريحات بعض المسئولين العراقيين التي تحمل ذات المضمون الذي حملته طوال فترة تصريحات الغزو بأن الكويت جزء لايتجزأ من العراق فمنذ شهور جدد عدي النجل الأكبر لصدام حسين والنائب في المجلس الوطني المطالبة التي اعتبرها نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان تعبر عن رأي 99% من الشعب العراقي، ومنذ أيام قليلة كرر طارق عزيز الإدعاء بحق العراق في الكويت في حديث لإحدى الصحف اللبنانية، الأهم من ذلك أن العراق لا يزال على رفضه منذ ثلاثة سنوات استقبال لجان التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل الأمر الذي يخلق حالة من التخوف والحذر من امتلاكه لهذه الأسلحة، وكلها أمور تدفع الكويت للاستمرار في الاتفاقيات الأمنية. ـ إن الأجواء الدولية التي وقعت أثناءها الكويت على الاتفاقيات الأمنية لا تزال كما هي، فإلى الآن لم تتوفر القوة الدولية القادرة على فرض السلام وحفظ الأمن في العالم، ولا يزال الأمن الخارجي لأي دولة يتطلب تحالفات إقليمية ودولية وهذا ما تفعله دولة الكويت خلال العقد الأخير، خاصة وأن قلة عدد سكانها وموقعها المتميز وثرواتها النفطية لا تمكنها من الاستمرار دون تحالفها مع قوى كبرى. ـ لا يمكن أن يؤدي ارتباط الكويت والولايات المتحدة بالاتفاقيات الأمنية إلى تبعية الأولى أو إخضاع قراراتها لسياسة الإدارة الأمريكية، فهناك مبادئ للتعامل تحكم علاقات الدول وفق المصالح المشتركة وفي إطار سيادة كل دولة على قراراتها. ـ إن استمرار الاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة لا يعني الا تبحث الكويت عن بدائل أخرى سواء على المستوى الخليجي أو المستوى العربي، فمن ناحية تهتم الكويت بتفعيل التعاون العسكري بينها وبين دول الخليج داخل إطار مجلس التعاون من خلال اتفاقية الدفاع المشترك وقوات درع الجزيرة، ومن ناحية أخرى وعلى الرغم من كافة الآثار السلبية التي أفرزتها أزمة الخليج على النظام العربي برمته فلايزال ينظر إلى أمن الكويت كجزء من الأمن القومي العربي الشامل ذلك على اعتبار أن مشكلة الأمن ليست مطروحة بالنسبة للكويت فقط وإنما يواجهها الوطن العربي عامة. يضاف إلى نقاط الالتقاء السابقة بين الجانبين الكويتي والأمريكي قضية جديدة فرضتها الأحداث الإرهابية الأخيرة في الولايات المتحدة وما اقتضته من تعاون كويتي ـ أمريكي في إطار الحرب ضد الإرهاب. فقد كانت الكويت من أوائل الدول العربية التي قدمت تعازيها إلى الشعب الأمريكي من خلال رسالة المواساة التي بعث بها أمير البلاد الشيخ جابر الصباح إلى الرئيس الأمريكي عقب الهجمات الإرهابية، كما كانت الأولى في الإعلان عن استعدادها تقديم أي دعم للجهود الأمريكية في محاربة الإرهاب. وفي السادس من أكتوبر الماضي قام وكيل وزارة الدفاع الأمريكية دوجلاس فيث بزيارة إلى الكويت بحث خلالها إمكانات التعاون في إطار الحرب على الإرهاب الذي اقتصر على مجال الاستخبارات وتبادل المعلومات، حيث لم تطلب الولايات المتحدة من الكويت مساعدات عسكرية وهو أمر كان متوقعا بالنظر إلى كون القواعد الكويتية تبتعد نحو 2300 كيلو متر عن أفغانستان، وهو أيضا ما أكدته تصريحات الشيخ صباح الأحمد نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية حيث شدد على أن واشنطن «لم تطلب منها اتخاذ أي إجراءات محددة أو تقديم تسهيلات معينة للمساهمة في هذه الحرب». تعاون أمني استخباراتي وعلى ذلك بدأ الطرفان تعاوناً أمنياً واستخباراتياً من خلال تقديم المعلومات عن المتورطين في الحادث الإرهابي الذين قد تكون لدى السلطات الأمنية الكويتية معلومات عنهم، حيث أرسلت الولايات المتحدة قائمة بأسماء المشتبه بهم والذين لديهم صلات مع أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة وعلى أثر ذلك قامت السلطات الكويتية بتشديد الإجراءات الأمنية فيما يخص دخول الرعايا غير الكويتيين إلى الأراضي الكويتية من خلال التدقيق بالجوازات والهويات الرسمية وإرسال نسخة منها إلى سفارة هؤلاء الرعايا التي تقوم بدورها بإرسالها إلى وزارة الخارجية في الدول المعنية للتأكد مما بها من بيانات. وقد انطلق موقف الكويت الداعم بشكل أساسي لنظيره الأمريكي في محاربة الإرهاب من الاعتبارات التالية: ـ علاقات الشراكة مع الولايات المتحدة والتي تجسدها كما سبق القول الاتفاقيات الأمنية فيما بينها والتي تتطلب مساعدة كل طرف من الأطراف في حماية أمنه القومي، وهو ما أكده الشيخ صباح الأحمد حين صرح قائلاً بشأن مطالب الولايات المتحدة في مجال محاربة الإرهاب «إن الولايات المتحدة ليست في حاجة إلى تقديم مثل هذا الطلب لوجود اتفاقية أمنية تقضي بحماية الكويت تم توقيعها إثر تحرير الكويت من براثن العدوان العراقي». يضاف إلى ذلك قول الشيخ صباح عقب الهجمات بأسبوع «إن الكويت تدعم أي جهد دولي ضد الإرهاب فنحن في حلف استراتيجي مع الولايات المتحدة وكما دعمتنا وحررت بلادنا وتدعمنا ندعمها ». ـ إن للكويت مصلحة أكيدة في محاربة الإرهاب فهي تدرك جيدا مخاطره على أمن واستقرار الدولة حيث سبق وعانت من العديد من العمليات الإرهابية التي أسقطت عشرات الضحايا في المقاهي العشبية ومصافي النفط وطائرة «الجابرية»، بل وصل الأمر إلى محاولة اغتيال أمير البلاد الشيخ جابر الصباح حين تعرض إرهابيون لموكبه. فكما صرح الشيخ صباح فإن «الكويت تعرضت للإرهاب وربما الكويت أكثر دولة خليجية تضررت من الإرهاب ومن هذا المنطلق فإن الكويت تقف ضد الإرهاب». ـ إن الكويت دولة إسلامية وعربية والدين الإسلامي والقيم العربية ترفض الإرهاب وتجرمه، هذا فضلاً عن كون الكويت دولة دستورية ديمقراطية تناهض الإرهاب وتعاديه منهجا وأسلوبا. إضافة للاعتبارات السابقة رتبت الأحداث التي تعرضت لها الولايات المتحدة تداعيات أخرى مباشرة على الكويت كان أهمها في الجوانب الثلاث التالية: أولاً: انعكاس الأوضاع المتوترة دوليا على الأمريكيين الموجودين في الكويت والكويتيين الموجودين في الولايات المتحدة، فمن ناحية تعرض الكثير من المسلمين والعرب للاعتداء من قِبَل متطرفين أمريكيين داخل الولايات المتحدة على خلفية التفجيرات في نيويورك وواشنطن مما أثار القلق على أوضاع الطلبة الكويتيين وسائر الجاليات الكويتية هناك وهو ما جعل وزارة التربية والتعليم في الكويت تفتح خطا ساخنا لمدة 24 ساعة لاستقبال أي اتصال أو شكوى من هؤلاء حول وضعهم الأمني في الولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى فإن وجود جالية أمريكية كبيرة تضم مدنيين وعسكريين بالكويت تطلب من السلطات الكويتية تكثيف الإجراءات الأمنية لحمايتهم رغم عدم وجود أي مؤشرات تهدد أمنهم إلا أن المخاوف تساورهم كغيرهم من الأمريكيين في مختلف دول العالم. ثانيا: ما أثير من انجراف بعض الجمعيات الخيرية بالكويت عن مسار نشاطها التقليدي وقيامها بتمويل بعض الجماعات الإرهابية وهو أمر حرصت الحكومة الكويتية على نفيه وتأكيد نزاهة العمل الخيري بالكويت من خلال فرض رقابة مباشرة على أموال الجمعيات الخيرية بواسطة البنك المركزي ووزارة المالية منعا لأي اتهامات بهذا الشأن مستقبلاً. ثالثًا: كان أكثر ما أثار الرأي العام الكويتي في أحداث واشنطن ونيويورك ما أشيع عن تورط أشخاص يحملون الجنسية الكويتية مثل (سليمان أبو غيث) الناطق باسم تنظيم القاعدة و(نبيل المرابح) الذي أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي بدء التحقيقات معه حول معلومات تشير إلى علاقته بأحد أعوان أسامة بن لادن. في إطار هذا التعاون وبهدف تأكيد موقف الكويت المبدئي الرافض للإرهاب والداعم لجهود الولايات المتحدة قام النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الأحمد بزيارة إلى واشنطن في الثامن من شهر نوفمبر الجاري في أول اتصال على هذا المستوى بين الحكومتين منذ 11 سبتمبر حيث أجرى الشيخ صباح مباحثات مع الرئيس الأمريكي جورج بوش ونائبه ديك تشيني ووزير الخارجية كولن باول إضافة إلى مباحثاته ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس. ويلاحظ هنا أن زيارة الشيخ صباح قد ألقت الضوء على جانب شديد الأهمية في علاقة الكويت والولايات المتحدة يتعلق بموقف الأولى من الهجمات التي قد تشنها واشنطن على العراق في إطار حملتها ضد الإرهاب . فعلى الرغم من التصريحات الأمريكية التي تشير إلى إمكانية استهداف العراق عسكريا وما يقابلها من آراء تستبعد ذلك نجد أن الكويت قد حرصت طوال الفترة الماضية عن النأي بنفسها عن هذا الجدل وعلى نفي أي دور قد تلعبه مستقبلاً في توجيه طائراتها نحو العراق حيث تستخدم قاعدة أنجرليك التركية في فرض منطقتي الحظر الجوي شمال وجنوب العراق. ومن ناحية أخرى نفى المسئولون الكويتيون أي صلة بتحريض أو دفع للإدارة الأمريكية لاستهداف العراق رغم تصريحات طارق عزيز الأخيرة، وبالنظر إلى تصريحات الشيخ صباح الأحمد أثناء زيارته لواشنطن منذ أيام نجده شدد في رده على سؤال عما يشاع من احتمال ضرب العراق «أن ما يحدث للعراق ليس بيدي وأود أن أتحاشى ما سيحدث من العراق عليّ» على الكويت وليس ما سيحدث من الولايات المتحدة على العراق «حيث أضاف موضحا أن ما تطلبه الكويت من العراق هو ببساطة» أن يطبق قرارات مجلس الأمن الدولي وخاصة تلك المتعلقة بالأسرى الكويتيين. نقاط الخلاف بعد العرض السابق لنقاط المصالح الأمريكية والكويتية حول النفط والاقتصاد وضمان أمن الكويت ومنطقة الخليج وأخيرا مصلحة الجانبين في مواجهة الإرهاب، يجدر مناقشة نقاط الاختلاف التي ترتب في بعض الأحيان حالة من التوتر الذي لا يصل إلى أزمة على العلاقات الكويتية ـ الأمريكية. أولاً: بالنظر إلى الأهمية السابقة لنفط الكويت بالنسبة للولايات المتحدة تثار في بعض الأحيان نقاط خلاف بين الجانبين حول أسعاره وكميات إنتاجه وهو ما يخلق نوعًا من التوتر في علاقتهما، ففي بداية العام الماضي وحين ارتفعت أسعار النفط وصعدت إلى ثلاثين دولارا للبرميل كثفت الصحف الأمريكية انتقاداتها لمنظمة أوبك كما سميت الكويت أكثر من مرة بصورة سلبية لدرجة أن قام الكونجرس الأمريكي بربط الالتزام الأمني تجاه دول أوبك وخاصة الكويت بالموقف من قضية أسعار النفط والتعامل معها. ثانيًا: يقوم الإعلام الأمريكي في بعض الأحايين بالتركيز على قضايا داخل الكويت بصورة يجدها البعض تدخلاً في شئون الكويت الداخلية من ذلك الاهتمام الأمريكي المبالغ فيه بقضية الحقوق السياسية للمرأة حيث شنت الصحف الأمريكية هجوما حادا على التجربة الديمقراطية بالكويت عقب رفض مجلس الأمة المرسوم الأميري بمنح المرأة هذه الحقوق بداية العام الماضي، هذا فضلاً عن أسلوب وسائل الإعلام الأمريكية في تناول بعض الحوادث الداخلية كحادثة فتاة التجاري بشكل يوحي بأن العنف ظاهرة عامة في الكويت الأمر الذي يحمل تشويها واضحا لصورتها الخارجية. ثالثا: على الجانب الآخر تبدو من حين لآخر بعض الممارسات التي مثلت في مجموعها تعبيرا عن موقف كويتي شعبي رافض للسياسة الأمريكية في عدد من القضايا وهو ما أظهره تبني مجلس الأمة للمؤتمر الشعبي لمقاومة التطبيع مع إسرائيل الذي عقد اجتماعين بالكويت على مدار العامين الماضيين بحضور فعاليات عربية وإسلامية نددت بالسياسة الأمريكية فيما يخص عملية التسوية السلمية وطالبت بوقف أي نشاطات تطبيعية مع إسرائيل. الموقف الشعبي إلا أن الأهم من ذلك هو الموقف الشعبي الكويتي من الحرب الأمريكية الدائرة حاليا ضد أفغانستان حيث يشعر الكويتيون بأن عمليات امريكا في افغانستان مشروعة ويتخوفون من الافرازات اذا طالت العمليات. وقد صدرت ملاحظات من النواب الإسلاميين حيث عبر أكثر من سياسي ينتمي إلى التيار الليبرالي عن رفضه للحرب الأمريكية كان من أبرزهم النائب المعتدل ناصر الصانع الذي شدد بالقول «لا نريد قصف الأبرياء ومنازلهم في أفغانستان»، يضاف إلى ذلك موقف وزير النفط السابق والناشط الليبرالي علي البغلي الذي كتب منتقدا «إن الدولة الأكثر قوة في العالم تستعرض جبروتها ضد أضعف دولة في العالم». وكان اللافت هو امتداد الموقف النيابي السلبي تجاه قضية أفغانستان ليصل إلى الموقف الأمريكي تجاه النظام العراقي هذه المواقف الشعبية كانت مثار تعليق أحد الدبلوماسيين الغربيين الذي اعتبر أن دول الخليج مجتمعة «أصبح من الصعب عليها أن تصبح صديقة للولايات المتحدة». معتبراً أن الموقف داخل الكويت ما هو إلا مرآة للموقف داخل باقي دول الخليج بالنظر إلى أن الأولى هي الدولة الوحيدة التي يسمح فيها بتداول مثل هذه الآراء بصورة علنية حيث أضاف قائلاً الكويت هي الدولة الوحيدة في منطقة الخليج التي تشهد نقاشا عاماً وما يقال هنا يمثل بدرجة كبيرة وجهات النظر في الأجزاء الأخرى من المنطقة التي ليس من الشائع فيها إعلان وجهات نظر على هذا النحو. مواقف عابرة والواقع أن النقاط السابقة وإن أثارت بعض التوتر فهي تعد مواقف عابرة في علاقة الطرفين، فالموقف الشعبي من الحرب ضد أفغانستان يؤخذ في إطار الرفض العربي والإسلامي لاستهداف ضحايا مسلمين من الضربات، وهو موقف يعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش تفهمه إياه في أكثر من مناسبة، يضاف إلى ذلك أنه وعلى المستوى الشعبي تحديداً لا تزال العلاقات قوية مع الولايات المتحدة بالنظر إلى مشاعر الامتنان والعرفان التي يحملها الكويتيون لواشنطن جراء مساعدتها ودعمها حتى تم تحرير بلادهم، وهي مشاعر مستمرة حتى الآن وما حدث ليس انعزالاً أو ابتعادا شعبيا عن الولايات المتحدة بقدر ما هو انفتاحا جديدا على العالمين العربي والإسلامي بعد فترة فتور عقب الغزو العراقي. وفي النهاية يرى المحللون أهمية اتجاه الحكومتين الكويتية والأمريكية نحو تطوير تحالفهما السياسي بما يعود على الموقف الشعبي الكويتي بانطباعات مختلفة عن الشريك الأمريكي خاصة فيما يتعلق بقضية الأسرى محل اهتمام مختلف قطاعات المجتمع الكويتي، حيث تظل هناك حاجة ملحة لتطوير الدور الأمريكي في الضغط على العراق للكشف عن مصيرهم، فرغم مشاركة واشنطن في اللجنة الثلاثية المختصة ببحث هذه القضية، إلا أنها لم تبد رد فعل مؤثر على امتناع العراق حضور اجتماعات اللجنة منذ عام 1999، كما لم تقدم أي مبادرات داخل الأمم المتحدة لتفعيل تلك القضية. وعلى الجانب الآخر يصبح من الأهمية بمكان أن تتحرك الكويت من خلال مكتبها الإعلامي بواشنطن لاحياء العلاقة مع الكونجرس والرأي العام الأمريكي لإيضاح الصورة الحقيقية لمواقف الكويت عن مختلف القضايا وخاصة فيما يتعلق بالحقوق السياسية للمرأة التي رفضها مجلس الأمة من خلال الأدوات الديمقراطية التي كفلها له الدستور الكويتي. المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية بالكويت: