لا شك ان الجميع يقدرون صعوبة اللعبة الدبلوماسية التي تنخرط فيها السلطة الفلسطينية، وليس هناك من يقلل من صعوبة الظروف التي تتعرض لها هذه السلطة، ومع ذلك يظل مطلوباً منها الحرص الكامل على الوحدة الوطنية الفلسطينية، واعتبارها خطاً احمر لا يسمح بأي اختراق مهما كانت الضغوط التي يمكن ان تمارس عليها، حتى لا تسييء إلى مسئولياتها الوطنية في مرحلة حاسمة من تاريخ القضية الوطنية. ويرى المراقبون، ان دعم شارون للمخطط الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، وتنامي المقاومة والكفاح للشعب الفلسطيني للدفاع عن قضيته الاولى في استرجاع الوطن وطرد المستوطنين والرد عليهم بالمثل، جعل هناك تناقضاً في موقف السلطة الفلسطينية والتزاماتها تجاه الشعب الفلسطيني من جهة وتجاه الموقف الرسمي لإسرائيل من جهة اخرى، فاسرائيل تطالب السلطة بالقيام بالدور الذي كانت تقوم به سلطات الاحتلال في مطاردة المناضلين منفذي الهجمات الانتقامية في عمليات الاغتيال او التفجيرات. ويحاول الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ان يقدم نفسه في هذا الجانب بجدارة لكن ذلك في النتيجة ربما يؤدي إلى حرقه سياسياً على الصعيد الشعبي، ذلك ان المواطن العربي مهما كان رأيه في سلطة الحكم الذاتي، معها او ضدها لا يستطيع تفكيره ان يستوعب كونه مواطناً فلسطينياً ومطارداً من قبل الفلسطينيين لانه اطلق النار على مستوطنين او هاجم مستوطنة. ان الاحتلال لا يزال قائماً، والتناقض بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم والسلطة لا يزال قائماً، فكيف يمكن الغاء الحالة النضالية التصادمية بين المواطنين والقوات الإسرائيلية اذا كانت السلطة لا تزال تقوم بمهام قوات الاحتلال، وبالعكس ان التصادم والانتقام سيزدادان في هذه الحالة بين الشعب والسلطة ايضاً، والشواهد على ذلك كثيرة، وهو أمر مرفوض من قبل الشعب الفلسطيني في ان تمارس المطاردة للمواطنين بذات طريقة الاحتلال. وفي السياق نفسه أفادت التقارير والمصادر ان رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «شين بيت»، نقل في شهر ابريل الماضي رسالة شديدة اللهجة من وزير حرب الاحتلال بنيامين بن اليعازر الى الرئيس عرفات، وذكرت صحيفة معاريف ان رئيس جهاز شين بيت، «آفي ديختر» ابلغ الرئيس الفلسطيني رسالة شديدة اللهجة من بن اليعازر تتضمن تهديداً بأنه في حالة استمرار اطلاق النار باتجاه المستعمرات اليهودية، فان إسرائيل ستضطر لممارسة اساليب رد اقوى وسيطال الرد كبار المسئولين الفلسطينيين، كذلك فان «آفي ديختر» عرض على عرفات تقارير تشير إلى ان الاعتداءات الفلسطينية تتم بالتنسيق مع مسئولين مرموقين في السلطة الفلسطينية وبالتعاون المباشر معها، والمصادر الفلسطينية ذكرت ان الرئيس الفلسطيني اعرب عن دهشته خلال اجتماعات السلطة من استمرار اطلاق القذائف باتجاه المستعمرات اليهودية، واتصل هاتفياً بأحد كبار ضباطه وعلا صوته صارخاً خلال المكالمة الهاتفية تعبيراً عن استيائه من الموقف. ولاشك ان عرفات قد يجد نفسه في دوامة المسئولية تجاه جانبين، الإسرائيلي المتشدد ملوحاً بالتهديد والتنكيل، وشعبه الفلسطيني المتعطش للانتقام والرد بعد سنين طويلة من التعسف والقهر والحرمان. شارون والأمن المفقود على الرغم من ان النتائج التي تحققها عمليات الاغتيال السياسي وتصفية الشخصيات القيادية في الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، من قلق عام وتوجس وترقب، بجانب عمليات التفجير داخل الكيان الصهيوني سواء عن بعد او بواسطة استشهاديين، فان الخوف قد غزا قيادات الكيان فضلاً عن سكانه، فقد وصف الجنرال «ميكي ليفي» قائد شرطة الاحتلال في القدس، تلك العمليات بانها قفزة نوعية مقلقة في جرأة الفلسطينيين مشيراً إلى ان معالم الخطورة في العمليات تكمن في نجاح منفذيها، وهم على بعد قريب من الأهداف المنتقاة، واعرب ليفي عن استهجانه لقدرة الفلسطيني على التسلل إلى قلب القدس، على الرغم من الاحتياطات الامنية التي تفرضها القوات الإسرائيلية، الا ان الواقع يبدو انه بات في حكم المستحيل ان تنجح إسرائيل في منع عمليات التسلل. وما يؤكد ذلك ايضاً، ان الوزير الإسرائيلي السابق رحبعام زئيفي، كان قد شن هجوماً على من اسماهم بالجبناء الفارين في اشارة إلى «الإسرائيليين» الذين يتوجهون الى قضاء عطل الاعياد في الخارج، بما يقارب 300 الف من الإسرائيليين، في الوقت الذي تعاني فيه المرافق السياحية الإسرائيلية من حالة كساد كبير، وانه منذ اندلاع انتفاضة الاقصى تم اغلاق اكثر من 60% من المرافق السياحية، كما تم الاستغناء عن خدمات المئات من الإسرائيليين العاملين في قطاع السياحة اثر ذلك، وفي رأي زئيفي فان عدم اتجاه هؤلاء لقضاء العطل والمناسبات في الفنادق الإسرائيلية والمناطق السياحية هو «الهروب الكبير». وقد وعد شارون الإسرائيليين، منذ انتخابه في شهر فبراير الماضي، بانه يمتلك وسائل سرية لقمع الانتفاضة الفلسطينية التي بدأت رحاها ضد الاحتلال الإسرائيلي منذ عام، وتمثلت ردة فعل شارون على العمليات الاستشهادية في تدمير المنازل الفلسطينية ومطاردة الفلسطينيين واللجوء إلى تصفية قيادات في الصف الاول من المنظمات والحركات الوطنية، وكان لديه من بين افراد حكومته امثال وزير السياحة السابق الذي تعرض هو لما نادى به من المزيد من القمع واللجوء لاسلوب الاغتيال والطرد.. ولكن ماذا تحقق لشارون من وراء ذلك، اعتقد الاسرائيليون ان اتفاق اوسلو سيمنحهم دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة مقابل الاعتراف الكامل بدولة إسرائيل، وتخلى الفلسطينيون عن العمليات الاستشهادية، ولكن الاسرائيليين صعدوا من وتيرة بناء المستوطنات من دون ان يكون هناك ما يدل على تجسيد الدولة الفلسطينية. واليوم تغيرت الامور، في ظل الشعور الفلسطيني بالغضب والبؤس واليأس الذي لم يكن على هذا الشكل منذ 20 عاماً، ورغم التصعيد الإسرائيلي للموقف فقد فشل في تركيع الفلسطينيين، وادى ذلك إلى تداعي الحالة الامنية داخل إسرائيل، وشارون سيظل في ورطة خطرة كما هو حال سابقيه، فاذا تراجع، فان الفلسطينيين سيعلنون فرحتهم بالنصر مثلما حدث لدى انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان، واذا زاد من تصعيده، فستجد اسرائيل نفسها منبوذة تماماً كما حصل للصليبيين بعد ارتكابهم مذبحة القدس عام 1099، الامر الذي يحول دون الحصول على اي حليف يعول عليه في المنطقة، بالاضافة لذلك فان ادارة الرئيس بوش ترغب في تأمين الدعم العربي لسياستها المتشددة ضد العراق وتفضل سياسة نفطية قوية لن تسمح لإسرائيل بتجاوز الخط الاحمر وقد اوضح ذلك «كولن باول» وزير الخارجية الامريكي في ابريل الماضي عندما اجبر القوات الإسرائيلية على الانسحاب من مناطق عدة في غزة. وربما يكرر شارون الاخطاء التي ارتكبها في لبنان، والتي حاولت اسرائيل التخلص من نتائجها عام 2000، فالتعويض الذي حصل عليه عام 1982، كان بهدف معاقبة منظمة التحرير الفلسطينية لقيامها بهجمات ضد المستوطنات الإسرائيلية، ولكنه اندفع بجيشه حتى بيروت وبعكس الاوامر التي صدرت اليه، وغاص الجيش الإسرائيلي في مستنقع الرعب لمدة 18 عاماً، وتلطخت سمعة شارون بصورة متزايدة في اسرائيل عندما اكدت لجنة كشف الحقائق الاسرائيلية انه مسئول عن المذابح التي ارتكبها المارونيون بحق الاف الفلسطينيين سكان مخيمي «صبرا وشاتيلا» في بيروت، وعندما انسحبت إسرائيل صار بامكان الصحفيين التجول في «معتقل الخيام» المثير للاشمئزاز في جنوب لبنان والذي اشرف عليه الاسرائيليون وادارة حلفائهم من اتباع العميل لحود. ورغم ذلك، فقد كان الاعتقاد السائد لدى الفلسطينيين والعرب ان شارون قادر على تنفيذ سلام الشجعان، فالعرب فقدوا الثقة بباراك الذي حاول في اعتقاده ان يقدم للفلسطينيين أفضل ما يمكن من التنازلات الاسرائيلية فيما يتعلق باتفاقات كامب ديفيد في شهر يوليو من العام المنصرم. واليوم، فان فلسطين باتت مشبعة بالمستوطنات اليهودية لدرجة انه لم يعد ممكناً التوصل إلى حل يقضي بوجود دولتين، او يرتكز على نظام الفصل، فالجدار الحديدي الذي يدافع عنه المتطرفون الاسرائيليون زيف ووهم، فلا تستطيع اسرائيل ان تبقى إلى الابد معتمدة على العضلات العسكرية، فحسب، باعتبارها دولة يهودية فريدة من نوعها بسكانها البالغ عددهم 5 ملايين نسمة وسط اكثر من مليار مسلم. لذا فان شارون، من هذا المنطلق مازال يبحث عن «الأمن المفقود» والجدل مازال قائماً فيما يتعلق بخطة الفصل المثيرة للجدل بشأن عزل الضفة الغربية عن إسرائيل من جانب واحد، واقامة منطقة عازلة على طول الخط الاخضر تتضمن اقامة معسكرات انتقال ومحاكم ميدانية. وجاءت الاراء متباينة، فقد اعرب فريق اسرائيلي عن اعتقاده بأن خطة الفصل الإسرائيلية التي تم تنفيذها في قطاع غزة نتيجة اشتداد المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي وممارساته الوحشية اثبتت نجاحاتها، وان تطبيق خطة مماثلة في الضفة الغربية سيؤدي إلى تحسين الاوضاع الامنية لسكان المنطقة في اشارة إلى المستوطنين اليهود في المستعمرات القائمة على جانبي الخط الاخضر الذي يشكل حداً وهمياً يفصل الضفة الغربية عن إسرائيل، ولفت فريق اسرائيلي اخر إلى ان الجيش لا يملك الطاقة البشرية الكافية لتطبيق خطة الانفصال عن الفلسطينيين في الضفة الغربية، وان مواصلة تطبيق الاجراءات الامنية التي شرع الجيش باتخاذها على امتداد خط التماس في الضفة الغربية سيكون هدراً للأموال العامة. وتمت مناقشة خطة بديلة تنص على اعلان الشريط الواقع الى الشرق من الخط الاخضر الذي يشكل حدود الرابع من يونيو 1967، بين «إسرائيل والضفة الغربية» منطقة عسكرية مغلقة يحظر على الفلسطينيين دخولها باستثناء القرى الواقعة داخل هذا الشريط على ان يتم وضع حواجز واقامة معسكرات للحيلولة دون مرور المركبات الفلسطينية لداخلها. وتأتي خطة منطقة التماس بديلاً لمشروع الفصل احادي الجانب الذي يعارضه اليمين واليسار على حد سواء، فاليمين برئاسة شارون يخشى من تفسير اقامة سياج على امتداد الخط الاخضر على انه الحدود النهائية المستقبلية بين إسرائيل ودولة فلسطين، اما اليسار، فانه يخشى من اعتبار ذلك بمثابة فصل عنصري وتكريس لاحتلال الضفة الغربية. كما ان الخطة البديلة المتمثلة باقامة منطقة عازلة ستكون مخاطرها اكبر من مزاياها، لذلك فانه من الافضل القيام بجهود مبتكرة لايجاد حلول اساسية من خلال التحرك السياسي وليس من خلال وضع حلول تكتيكية كعلاج للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني المحتدم.