نشأ أسلوب الاغتيالات السياسية في إسرائيل في رحم ظاهرة العنف التي صاحبت الترتيب لقيام الدولة والذي كان منهجاً يمثل خطى ثابتة في كل عملياتها مستفيدة من كوادر تفوق في تعصبها وتطرفها اولئك القادة الذين خططوا لقيام الدولة ومستعينة بصلاحيات تفوق أي حد متعارف عليه. والحقيقة الثابتة، ان رئيس الوزراء الإسرائيلي وبصفته الرئيس الأعلى للموساد، هو الذي يوجه تنفيذ عمليات الاغتيال في هذا المجال، وقد أكدت عشرات عمليات الاغتيال التي نفذتها الأجهزة الإسرائيلية بناء على تصديق رئيس الحكومة مدى سيطرة فكرة العنف على الايديولوجية الإسرائيلية وضمن سياستها الاستراتيجية الأمر الذي يمكن ارجاعه إلى عدة عوامل يتمثل أهمها في الآتي: 1 ـ ارتكاز الثقافة السياسية الموجهة لصانع القرار السياسي الإسرائيلي على مفهوم العنف والقتل والتصفيات الجسدية والرغبة في تحقيق الهدف بأية وسيلة وبأي ثمن، مما يحصر البدائل المطروحة في اضيق مساحة ممكنة ويقدم أسلوب «الاغتيال» بوصفه اقصر الطرق واكثرها فعالية. 2 ـ حجم النفوذ الذي يتمتع به قادة الأجهزة الأمنية لدى القيادة السياسية وتفاعل الادوار لتلك الاطراف سواء على مستوى الدولة أو الأجهزة الاخرى والذي قد يسمح لهم بفرض آرائهم الخاصة على رئيس الحكومة وتأمين موافقته بعيداً عن تأثير القوى الفاعلة في الدولة. 3 ـ نوعية التهديدات التي تتعرض لها الدولة الإسرائيلية وأسلوب رئيس الوزراء ورئيس الموساد في صياغة هذه التهديدات في مواجهة المؤسسات الاخرى والرأي العام، كما في اصرار «نتانياهو» تقديم المشكلة الامنية على اية قضايا اخرى، مما يدفع اللجوء للأساليب العنيفة والمواجهات الحادة في معالجة مواقف طارئة. 4 ـ تقدير ردود فعل الخصم، وما يمكن ان يقدم عليه من عمليات انتقامية وغالباً ما يكون هذا العامل في صالح اللجوء إلى مزيد من الاغتيالات المتبادلة توقعاً لمحدودية تحمل إسرائيل دفع ثمن باهظ مقابل اختياراتها. من جهة اخرى يلاحظ ان تبني إسرائيل لأسلوب العنف والاغتيال كاستراتيجية سياسية لتعدد مستويات ذلك العنف واتجاهاته سواء في الاراضي المحتلة ام في الوطن العربي أم على مستوى العالم ويتضح ذلك فيما يلي: 1 ـ اتجاه يستهدف الخصوم بصورة مباشرة وهو الذي ظهر منذ اللحظة الأولى بقيام الدولة بانتهاج سياسة تستهدف اخراج السكان الفلسطينيين من قراهم ومحاولة تعديل التوازن السكاني لصالح اليهود، ثم توالت بعد ذلك اعمال القمع تجاه الصف الأول للزعامات الفلسطينية في العديد من الدول العربية. 2 ـ اتجاه يستهدف المحافظة على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل وحرمان الدول العربية من اية فرصة لموازنة هذا التفوق ويندرج تحت هذا الاتجاه عملية مطاردة العلماء العاملين في المؤسسات العسكرية أو النووية مع وقف البرامج النووية لبعض من يحاول امتلاكها كما في التدمير المباشر للمفاعل العراقي عام 1981. 3 ـ اتجاه يستهدف الانتقام لأحداث سابقة كما في مطاردة إسرائيل وأجهزتها لكل القيادات التي عملت في حكومة هتلر بهدف محاكمتها والتخلص منها أو اغتيالها في مواقع تواجدها دون اعلان، ومن اشهر تلك العمليات عملية «ادولف ايخمان» في احد شوارع العاصمة الأرجنتينية بيونس ايرس. 4 ـ استخدام قدرات الموساد وخبرته لصالح بعض الاصدقاء، وهنا يؤكد «هاريل» رئيس الموساد الاسبق ان الجنرال «اوفقير» مستشار الملك الحسن الذي انتحر على اثر فشل محاولته الانقلابية ضد الملك عام 1973 وقد حصل على معونة مباشرة من اصدقائه في الموساد لتنفيذ اغتيال المهدي بن بركة. اضافة لذلك، فقد بلغ استخدام الأجهزة الإسرائيلية لاسلوب العنف والاغتيال، حد الاستعانة بقاتل اجير لم تتمكن الشرطة الإسرائيلية من الامساك بأي دليل ضده رغم تعدد جرائمه مما دعا المخابرات العسكرية للاستعانة به كما في تنفيذ عملية محاولة اغتيال ضد الرئيس عبدالناصر، حين بدأت بالفعل في اعداد القاتل «موردخاي كيدار» وقد اشار يوري دان في عرضه لتفصيلات هذه القضية انها انتهت باقدام المذكور على اغتيال مليونير يهودي كان يعيش في الارجنتين ويتعاون مع الأجهزة الإسرائيلية وكلف باستضافة كيدار والمساعدة في بناء الساتر المناسب له قبل دفعه إلى مصر أو بلاد عربية اخرى. حليل لدلالات عمليات الاغتيال التي تقوم بها إسرائيل ومدى تحقيقها للأهداف المرجوة، فقد ورد ان بين تلك العمليات ما تعتبر فاشلة ولم تتحقق فيها الاسانيد المطلوبة، واللافت للنظر في متابعة ردود فعل المحاولات الفاشلة «كما في محاولة اغتيال خالد مشعل» هو ان الجميع في إسرائيل قد انشغلوا بتحليل اسباب فشل العملية، ولم يسأل واحد منهم عن جدواها، وكان ذلك سبباً في تساؤل احدى الصحف الأمريكية لماذا يطرح الإسرائيليون عشرات الاسئلة في موضوع الفشل، ولم يطرح واحد منهم التساؤل الأول والبارز للغاية: هل هناك ضرورة في الأساس لان تنشغل دولة بالقتل أو ان يكون القتل والاغتيال هدفاً سياسياً ومحدداً في استراتيجيتها..؟ لاشك ان كانت إسرائيل تلجأ لأسلوب الاغتيال والقتل كحل للتخلص من الزعامات الفلسطينية فانها تتصرف كالمافيا، وبدعوى باطلة منها كوسيلة لمقاومة الإرهاب، رغم انه يمكن تحقيق النصر على ما تزعم عليه بمقارعة الإرهاب بوسائل سياسية اخرى، حيث ان استخدام هذا الأسلوب ما هو الا هروب من التفكير السياسي الجدي، الذي يؤدي إلى تخفيف الأزمة والعودة لايجاد تسوية عن طريق الحوار والتفاوض. كما ان «فشل عمليات الاغتيال» في إسرائيل قوبل بالكثير من التحليلات والاهتمام لدى المسئولين الإسرائيليين والأجهزة الامنية، ويرتبط ذلك عملياً بالثقة لدى الموساد وبالصراعات الوظيفية الداخلية وبمحاولات التسيس التي تأتي في دوائر خارجية، ففي فشل محاولة اغتيال خالد مشعل فان ذلك قد يعزى إلى جوانب قصور قد تنسحب على محاولات فاشلة اخرى ويمكن توضيحها بما يلي: 1 ـ ان احتمال فشل العملية لم يخطر على بال الذين خططوا ووقعوا في الموساد على تنفيذها ووجد لديهم اعتقاد راسخ بانهم يملكون من الوسائل ما يضمن تنفيذ عملية هادئة تخلو تماماً من الاخطاء بمعنى ان الثقة بالنفس بلغت حداً غاية في الخطورة. 2 ـ ان التنسيق بين افرع المخابرات بشأن هذه العملية كان مفتقداً ومعيباً مما دفع اللجنة المشكلة في 6 أكتوبر عام 1997 للتحقيق في اسباب الفشل إلى طرح سلسلة من التوصيات في هذا الشأن، واقترحت تعيين مساعد خاص لرئيس الوزراء لشئون المخابرات والأمن يكون حلقة اتصال بينهم وبين أجهزة المخابرات ويشارك بصورة مستديمة في الجلسات المشتركة لرؤساء أفرع المخابرات. 3 ـ ان كلا من رئيس الموساد ورئيس شعبة التنفيذ يتحملان مسئولية أكبر من تلك التي يتحملها المنفذون، فمن المؤكد ان هناك عيوباً كثيرة شابت التخطيط وان كبار المسئولين الذين اشتركوا في التصديق على العملية كانوا من بين العناصر الأساسية لفشل العملية. كان ذلك عن الجوانب الفنية، أما عن الجوانب والابعاد السياسية، فان اخطر المشكلات التي تواجه أي جهاز أمني هي تورطه في تبني مواقف سياسية تؤثر على موضوعية استنتاجاته وتقديراته، وانه يبدو من الثابت أيضاً ان جهاز الموساد المكلف بتلك العمليات قد وقع في مطب التسيس والانتماء لاتجاهات حزبية تؤثر على تجرده الايديولوجي. وعلى المستوى السياسي يظهر أيضاً اتجاهان يتجاذبان التخطيط والتنفيذ لعملية الاغتيالات في إسرائيل، يتمثل الاتجاه الأول في النقلات النوعية الكبيرة التي احدثتها «العملية السلمية» وخاصة فيما يتعلق بقيام تعاون مباشر بين عناصر من الموساد وجهاز الأمن في السلطة الفلسطينية الذي يلعب دوراً مهماً في وقف تصعيد العنف ومن ثم لابد ان يحدث اثره في البنية الثقافية لأعضاء الموساد، أما بمزيد من الشعور بالتفوق والاستهانة بالخصم، أو الميل إلى تعديل الاتجاه السياسي وكلا الاحتمالين وارد بنفس القدر. وتأكيداً لذلك نشير إلى تزامن عملية اغتيال خالد مشعل مع ارسال الملك حسين رسالة لرئيس حكومة إسرائيل يعرض فيها وساطته بين إسرائيل وحركة حماس، لكن الرسالة ووفقاً لما نشرته صحيفة معاريف في 13 أكتوبر 1997 وصلت متأخرة 24 ساعة من محاولة الاغتيال، رغم ان توقيت ارسالها كان سابقاً للتنفيذ، ولكن تأخر عرضها باعتبار انها لا تتضمن جديداً وان الموساد هو الذي قدر ذلك. فهل كان التأخير متعمداً لاتاحة الفرصة لتنفيذ العملية..؟ والاتجاه الثاني ينبع من طبيعة التوجه السياسي للقيادة الحاكمة في إسرائيل، ذلك ان التطرف قد يترابط من وقت لآخر في السلوك السياسي أو في ادارة شئون الدولة، ويبدو فساد السلوك السياسي من عدم الالتزام بأية تعهدات يقدمها لقادة الدول الأخرى واللجوء لاستخدام أساليب لا تتفق وانضباط رجل الدولة كالاحتيال والرشوة وخيانة الثقة. وعليه فان ما يؤكد ان اتجاهات إسرائيل في الاقدام على عمليات الاغتيال والتي اضحت تشكل «منهجاً سياسياً» ان لجنة التحقيق الخاصة بعملية فشل اغتيال خالد مشعل لم تناقش بأي قدر جدوى العملية، بل ودافعت بحرارة عن ضرورة استمرار هذا الخط أي الاغتيالات والعنف في سلوكيات إسرائيل. وطبيعي أيضاً ان يواجه أعضاء الموساد المسئولون عن تلك العمليات قدراً متزايداً من البلبلة الفكرية والسياسية طالما انشغلوا بما يجري خارج منظمتهم بعيداً عن الالتزام المهني، فهم اولاً واخيراً مواطنون إسرائيليون يتعرضون لما يتعرض له مجتمعهم من اختلالات وصراعات، وقد يكون من نتيجة ذلك كله ان يقع الجهاز في أي مجموعة من المتطرفين الذين يدركون تماماً ما يريدون ويضعون انفسهم في خدمة قيادة مثل نتانياهو بكل ما يحمله من تطرف ورغبة في السلطة. تبادل الاغتيالات والمواقف السياسية تغيرات كثيرة طرأت على مستوى العالم وفي منطقة الشرق الأوسط وفي جسد الصراع نفسه، وفي تصورات الحل لابد من ان تؤخذ في الحسبان عند محاولة البحث عن تصور لدور السلاح في المستقبل. واذا عدنا إلى الوراء فان منظومة الأجهزة الإسرائيلية ما فتئت تعمل جاهدة في ترسيخ الرعب والدمار والقتل والاغتيال في المنطقة العربية من خلال انشائها لأجهزة أمنية واستخبارية تعتبر اليوم متطورة لفرض سيطرتها لتنفيذ مخطط احتلالها الكامل للأراضي الفلسطينية بالحرب المعلنة احياناً أو باغتيال للشخصيات المؤثرة في دعم القضية الفلسطينية، واستطاعت ان تقدم رسائل تحذيرية في المؤامرات الصامتة للقيادة الفلسطينية وتتزايد وتيرة الرد وحشد الطاقات ليلجأ الطرفان لمزيد من الخوض في مسرح عمليات الاغتيال والانتقام المستمر. وفي إسرائيل فان الآلة المدبرة لتلك العمليات تولدت منذ بداية تأسيس جهاز الأمن العام «الشين بيت ـ شاباك»، عام 1949ومهمته كانت منذ بدايته احباط الجهود التجسسية للدول العربية داخل إسرائيل، كما اقيمت داخل السجون الإسرائيلية اقسام تحت اشراف الشاباك لاعتقال الفلسطينيين والتحقيق معهم، وبعد اغتيال رئيس الوزراء الصهيوني اسحاق رابين عام 1995 استحدث جهاز الشاباك قسم «القلم اليهودي» متخصص في رصد ومتابعة نشاطات الجماعات السرية اليهودية المتطرفة أيضاً، وقد قام الجهاز عبر تاريخه بتنظيم عمليات تجسسية واسعة استهدفت اغتيال شخصيات فلسطينية وعربية واسعة، ففي عام 1971 قام جهاز شاباك بأكبر واضخم عملية معقدة اسفرت عن اعتقال 90 عنصراً في المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة كما انه تمكن من تنفيذ عدة عمليات اغتيال في التسعينيات أودت بحياة قادة حركتي حماس والجهاد الإسلامي. أما جهاز «الموساد» فبدأ تنظيمه في مايو 1948 تقليداً للنموذج البريطاني وبدعم من بن جوريون لرصد الشخصيات المهمة وتنفيذ الخطط المحمومة بالقتل والابادة من اشهرها اغتيال العقيد مصطفى حافظ أحد ضباط الجيش المصري الذين خاضوا حرب عصابات مع الصهاينة خلال الخمسينيات. واستطاع الفلسطينيون وبدماء الشهداء لأول مرة في تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي اجبار إسرائيل تعطيل المذهب القتالي القائم على نظرية الحرب الخاطفة والانقضاض السريع وسرعة الخرق في العمق لمواجهة الفلسطينيين في حرب استنزاف طويلة في معركة «بيروت» عام 1982 لضرب رأس المقاومة الفلسطينية وتصفية جسمها وتحطيم ارادتها والتصق ذلك باغتيال البارزين في صفوف المقاومة الفلسطينية بشكل لم يسبق له مثيل، ولم يكن حصار بيروت في حينها مسألة تخص اللبنانيين والفلسطينيين فقط وانما كانت تخص بالاساس امن دول الطوق والامن العربي كله، ولم تكن مسألة ذلك الهجوم مفاجأة، حيث كانت المعلومات تتسرب للمنظمات الفلسطينية عن حجم القوات الإسرائيلية، ولكن المفاجأة الحقيقية كانت صمود المقاتلين من الشعبين اللبناني والفلسطيني في مواجهة الجيش الإسرائيلي الذي استخدم أسلحة لم تستخدم من قبل في أي معركة اخرى، وتركت بيروت تسقط تحت الحصار بينما اوقف المقاتلون التقدم الإسرائيلي على أبوابها، وكان يمكن اعتبار معركة بيروت نقطة تحول وبداية عصر جديد من النهوض العربي الإسلامي لو ان الدول العربية والإسلامية اتخذت مواقف متقدمة وأكثر صلابة من إسرائيل، ولكن تم اجهاض ذلك الوضع بسبب اتفاق وقف اطلاق النار الذي رتبه المبعوث الأمريكي «فيليب حبيب» بين سوريا وإسرائيل في 10/6/1982 أي بعد أربعة أيام فقط، ومن أهم ما في هذه المعركة التي امتدت 88 يوماً كاملة هو فشل إسرائيل في ان تفرض شروطاً كالتي ترتبت على الحروب العربية ـ الإسرائيلية السابقة، بل على العكس يمكن ان يكون خروجها من بيروت بداية لمرحلة الهجوم المعاكس والحرب لم تتوقف لا في اليوم الثاني ولا الخامس ولا حتى بعد الـ 88 واستمرت بعدها لأكثر من 1200 يوم، حرب استنزاف حتى تاريخ الانسحاب الإسرائيلي إلى منطقة الشريط الحدودي في جنوب لبنان، وتعرضت لبنان فيها لوقوع العديد من الشهداء وعمليات القتل والابادة مما يؤكد ان ذلك في صميم الاستراتيجية الإسرائيلية وليس حالة رد فعل كما تدعي إسرائيل لانتفاضة شعبية. ودخل الصراع في منطق مرير اختلطت فيه الاساطير اليهودية والتاريخ بحقائق القوة وتحولت في ظله هذه المنطقة المهمة من العالم إلى ميدان دائم للقتال وجرائم الاغتيال ومسرح للعنف وموطن للكراهية. ولعل من اشهر عمليات الاغتيال التي ارتكبتها إسرائيل أيضاً اغتيال الشهيد خليل الوزير «ابو جهاد» في تونس، ففي بداية شهر مارس عام 1988، أعلن رئيس وزراء إسرائيل اسحاق شامير في تصريحات متفرقة ان قوات جيش إسرائيل ستصعد وبكل الوسائل من عملياتها لاعادة الهدوء إلى البلاد قبل ان تبدأ احتفالاتها بالذكرى الأربعين لقيام إسرائيل والتي كانت ستبدأ في 15 ابريل وعلى مدى شهر، مشيراً إلى ان إسرائيل ستقوم باغتيال قيادات المقاومة الفلسطينية في الداخل والخارج، وذلك بعد ان عجزت عن اجهاضها بالأساليب البوليسية القمعية والوسائل الأخرى. وان شامير أعلن صراحة عن مخططه الاجرامي ضد القادة الفلسطينيين والذي بلغ به الجنون مداه اثر نجاح مجموعة فلسطينية مسلحة في اختراق «الأمن النووي الإسرائيلي»، بعد ان نجحت في تحطيم جميع التدابير الأمنية ووصلت إلى منطقة النقب على مقربة من «ديمونة» حيث المفاعل النووي الإسرائيلي، وكان شامير يعرف تماماً الشخصية القيادية ذات التخطيط المحكم والتي تؤرقه منذ عقد ونصف من الزمن، والتي ارتبطت منذ ذلك الحين عضوياً بالارض المحتلة فكان طبيعياً ان يضعها ضمن أولويات أهدافه في القضاء عليها، كما وعبر عن عجزه عندما اصدر امراً إلى مجموعة من جهاز الموساد لاغتيال ثلاثة كوادر فلسطينية يتبعون ابو جهاد في قبرص في فبراير 1988، وكان استشهاد المناضلين الثلاثة الرسالة الاكثر مباشرة في ان ابو جهاد هو الهدف المرشح المقبل. والمعروف ان الشهيد ابو جهاد ومنذ عام 1981 يتولى مسئولية الجهاز التنظيمي والعسكري في الاراضي المحتلة وظل يقود هذا الجهاز بمفرده اثر اغتيال اثنين من رفاقه هما «ماجد ابو شرارة» وسعد صايل «ابو الوليد»، وعملياً فانه يتولى قيادة العمليات في الاراضي المحتلة منذ استشهاد كمال عدوان «في ابريل 1973» حيث نجح في تنفيذ عدد من العمليات التي هزت الكيان الصهيوني أبرزها عملية «كمال عدوان» التي قادتها الشهيدة «دلال المغربي»، وعملية فندق سافوي في تل أبيب وعملية القدس فضلاً عن العديد من العمليات التي اظهرت قدرة خارقة على ممارسة العمل السياسي الدقيق في الاراضي المحتلة. وباغتيال ابو جهاد تكون إسرائيل قد دشنت بالتاريخ المحدد احتفالاتها بالذكرى الاربعين لاغتصاب فلسطين على طريقتها الخاصة الا انه وفق المعطيات فان حساباتها خاسرة اذ افاقت الاراضي المحتلة على سماع نبأ اغتيال ابو جهاد وجرت اعنف مواجهة مع سلطات الاحتلال في اشارة إلى ان استشهاده هو بداية لانتفاضة جديدة. وكانت خطورة ابو جهاد بالنسبة لاطراف إسرائيلية عديدة لا تمثل فقط قدرته على الاعداد والتحضير لمقاومة الإسرائيليين وانما قدرته على تنظيم المقاومة الفلسطينية وتعبيد الطريق أمام الفلسطينيين لاستكمال اقامة وتركيز البنية التحتية القادرة على الصمود وتحمل اعباء مواجهة الاحتلال وامكانية تحويل الانتفاضات إلى استراتيجيات الاستنزاف الطويل ويرفض حصرها في الاطار التكتيكي «للضغط والمساومة»، وكان ابوجهاد يستعد لطرح مهام مرحلة جديدة للعمل السياسي الفلسطيني فهو لم تسجل عليه مواقف سياسية متناقضة، كان مستقيماً في كل شيء بدءاً من سلوكه في الحياة وصولاً إلى مواقفه السياسية. ثم عمدت إسرائيل لاغتيال شخصية في الصفوف الأولى من المنظمات الفلسطينية، زعيم الجبهة الشعبية «ابو علي مصطفى» في أغسطس الماضي بقصف مكتبه بالضفة من قبل طائرات إسرائيلية، وكان أبو علي قد أكد قبل انتخابه زعيماً للجبهة الشعبية التزام الجبهة بمقاومة إسرائيل بغض النظر عن جهود السلام، مؤكداً آنذاك ان مقاومة إسرائيل مبدأ استراتيجي لا يخضع لاي اعتبار. وخلال شهر يونيو عام 1999 سمحت حكومة إسرائيل بعودة «ابو علي مصطفى» للاراضي الفلسطينية بعد سنوات عديدة قضاها في المنفى، وذلك بتعهد السلطة الفلسطينية بكبح نشاط الجبهة، وانتخب أبو علي الذي كان نائباً للأمين العام للجبهة أميناً عاماً لها خلال عام من عودته، ولدى المصادر الإسرائيلية قناعة ان نشاط أبو علي مصطفى ظل مستمراً فشكل خلايا متشددة في الضفة الغربية ودرب المشاركين فيها على تنفيذ هجمات على إسرائيل التي تتهمه بخلق مجموعة ممن تصفهم بالمتآمرين من أعضاء الجبهة الشعبية وبثهم بين السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية. وفي حين ضاعفت معطيات ميدانية فلسطينية من تصاعد مؤشرات الانتفاضة والمقاومة المسلحة فان المواجهة الإسرائيلية أكدت من خلال تصريحات جديدة لشارون باتجاه تزايد وتيرة الرد وحشد الطاقات بشكل متزايد مما يسمح بتزايد حدة الموقف لدى الجانب الفلسطيني، ويلجأ الطرفان لتبادل عمليات الاغتيال والقتل، ففي شهر أكتوبر المنصرم أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مسئوليتها عن عملية اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي المستقيل رحبعام زئيفي رئيس حزب الاتحاد الوطني الإسرائيلي، وحامل لواء الايديولوجية الاكثر يمينية على الساحة السياسية الإسرائيلية، ويعتبر رمز اليمين في ائتلاف شارون، وقد ترك الجيش عام اربعة وسبعين منخرطاً في الشأن السياسي بصفة مستشار في شئون مكافحة الإرهاب لدى رئيس الوزراء الاسبق اسحاق رابين ومؤسساً لنفسه حزبه الحالي، وفي ابريل 1988 وبعد انشاء حزب «موليديت» اطلق فكرة «الترحيل» في ان يذهب الفلسطينيون للعيش برضاهم في الدول العربية التي لم يكن عليهم مغادرتها أبداً «حسب ادعائه». وباعلان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مسئوليتها عن عملية الاغتيال فيتوقع ان ترص صفوف الائتلاف الحكومي لغرض القيام بمزيد من الاجراءات الصارمة تجاه الشعب الفلسطيني في مسعى جديد للانتقام. ومع تزايد الخسائر الإسرائيلية، اثبتت الانتفاضة بشكل لا يدع مجالاً للشك بطلان فرضيات كانت تحكم المؤسسة الامنية في تعاطيها مع المقاومة الفلسطينية وفشل تقديراتها فيما يتعلق بقدرة إسرائيل على انهاء الانتفاضة في الوقت الذي يكثر فيه شارون ووزراؤه من القول انه بالامكان انهاء الانتفاضة في وقت قصير نسبياً وان الأمر يتطلب تكثيف العمل الإسرائيلي الميداني سواء عن طريق توسيع الاغتيالات وغيرها من وسائل القمع، الا ان هذا يتعارض بشكل حاد مع تقييمات جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وكذلك مراكز الابحاث الخاصة بالمخابرات والشاباك والتي تؤكد ان الانتفاضة قد تستمر حتى العام 2006، وقد اشار العديد من المراقبين الصهاينة إلى استنتاج مفاده ان كل مسئول «إسرائيلي» يتحدث عن امكانية القضاء على الانتفاضة بواسطة العمل المسلح والاغتيال انما يضلل الجمهور «الإسرائيلي». توقيت غير مناسب وفي الواقع لم يكن هناك من لم يتحمس لمقتل الوزير الإسرائيلي زئيفي، وان لم يكن كذلك، فليس شفقة عليه، وانما قلقاً لما قد يواجهه الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهم الذين اوقدوا نار الانتفاضة لأكثر من عام كامل ولم تضعف عزيمتهم حتى اليوم، ان ذلك ما يتردد في الاوساط العامة.. الا ان قولاً كهذا يوحي وكأن الحكومة الإسرائيلية لم تفعل شيئاً قبل اغتيال زئيفي وانها ستبدأ جرائمها بسببه، وهو أمر لا يمت إلى الحقيقة. فما الذي لم تفعله حكومة شارون ومن قبلها الحكومات الإسرائيلية التي سبقتها، حتى تأتي الخشية الآن.. وهو ما يؤكده المسئولون الاسرائيليون، يذكر شلومو بن عامي: رغم ضرورات الرد، ينبغي على الجميع ان يعرفوا انه ليس هناك ما لم يتم تجريبه مع الفلسطينيين الا الاعتراف بحقوقهم الوطنية. وحقيقة الأمر، لم يظهر على الصعيد الفلسطيني، وفي كل الاحوال ما يمكن وصفه بأنه «اعتراض من حيث المبدأ» على قتل زئيفي، ولكن كان هناك لدى اوساط السلطة الفلسطينية على وجه التحديد اعتراض على العملية من حيث «التوقيت»، الذي تمت فيه، حيث اعتبرت هذه الاوساط انه توقيت «غير مناسب» بسبب ما جرى الترويج له في الفترة الأخيرة من «تحول» في الموقف الأمريكي وبدء اعادة طرح المسألة الفلسطينية من خلال التصريحات التي أدلى بها الرئيس جورج بوش ثم لحقه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير حول موضوع «الدولة الفلسطينية». لذا، فقد ادانت السلطة الفلسطينية على لسان رئيسها عملية اغتيال الوزير الإسرائيلي معززاً الموقف ببرقيتي تعزية لوزير الخارجية الإسرائيلي «شيمون بيريز» وذوي القتيل، واقدمت السلطة على حملة اعتقالات في صفوف الجبهة الشعبية شملت عدداً من قيادات الصف الأول فيها، ومازالت الحكومة الإسرائيلية تطالب بتسليم منفذي العملية. وهناك من المسئولين الفلسطينيين من وصف توقيت العملية الفدائية بأنه «بائس»، مشيراً في الوقت نفسه إلى ان شارون وحكومته يتحملان المسئولية كاملة عن مقتل الوزير الإسرائيلي، وقد أكد هذا الموقف أكثر من مسئول فلسطيني. ولكن، وفي خضم هذا الموقف هل ادت العملية الفدائية حقاً إلى «التحول» في الموقف الأمريكي والدولي المزعوم بشأن القضية الفلسطينية.. ثم الا يمكن ان تكون عاملاً مساعدا لتسريع هذا التحول وان تضفي عليه قدراً في الجدية مازال الكثير يشكون في وجودها..؟ لابد اذن من التدقيق في دعوى ما يقال عن التحول في الموقف الأمريكي، فالتصريحات التي ادلى بها الرئيس جورج بوش وتوني بلير لم تكن جديدة تماماً، فلقد صدرت تصريحات كثيرة في السنوات المنصرمة في نفس الاتجاه مع وقف التنفيذ.