وسط تزايد الانتقادات للاجراءات التي تتخذها إدارته للقبض على الارهابيين، أصر الرئيس جورج بوش على استخدام سلطاته الرئاسية في تشكيل محاكم عسكرية لمحاكمة الاجانب المشتبه في ارتكابهم أعمال «قتل جماعي». وقال بوش مخاطبا جمع من ممثلي الادعاء العام في اجتماع سنوي يوم الخميس الماضي «إذا قررت أنه من مصلحة الامن القومي لارضنا العظيمة العمل على محاكمة هؤلاء الذين يشنون حربا على أمريكا أمام محاكم عسكرية، فإننا سنفعل ذلك». ووضعت تصريحات الرئيس الامريكي إدارته في مسار تصادمي آخر مع الكونجرس والجماعات المدافعة عن الحريات والحقوق المدنية حول سياسات جديدة أقسى تهدف إلى تعقب المسئولين عن هجمات 11سبتمبر ضد نيويورك وواشنطن والتي أسفرت عن مقتل حوالي أربعة آلاف أمريكي آنذاك. وكان الكونجرس قد وافق بالفعل على قانون لمكافحة الارهاب يسمح لوكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (سي.أي.أيه) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (إف.بي.أي) لتبادل نتائج التحقيقات وتحديث قوانين وقواعد التنصت التي يسمح بها القضاء على أجهزة الهاتف والانترنت. لكن الامر الذي أثار أكبر قدر من القلق هو احتجاز أكثر من ألف أجنبي، أغلبهم من أصل عربي أو مسلم، لاسباب لا تتعدى انتهاكات قانون الهجرة، وكذلك قرار وزارة العدل بالسماح بمراقبة أي اتصال بين المحامين وموكليهم، رغم أن ذلك لا يتم استخدامه رسميا كدليل خلال المحاكمة. والجدير بالملاحظة، هو ما أعلنه بوش قبل بضعة أسابيع بأن المشتبه في أنهم إرهابيون من غير المواطنين الامريكيين يمكن محاكمتهم أمام محاكم عسكرية، وفي بعض الحالات يتم إجراء هذه المحاكمات سرا. وتعقيبا على ذلك، كتب الكاتب الصحفي وليام سافير، وهو محافظ بارز خدم في إدارة الرئيس الامريكي الراحل ريتشارد نيكسون، في عموده بصحيفة نيويورك تايمز يقول إن المحاكم العسكرية يمكن أن تصبح «محاكم الكنجرية»، أي محاكم لا تلتزم بمناويء القانون والعدالة. وكان الكونجرس قد قام يوم الاربعاء الماضي باستجواب مسئول قضائي أمريكي بارز على نحو قاس حول السياسات الجديدة، حيث أعرب بعض النواب عن حنقهم من تصرف بوش بشكل منفرد بشأن تشكيل المحاكم العسكرية دون إخطار قادة الكونجرس أو التشاور معهم. ومع ذلك، أشار استطلاع للرأي نشرت نتائجه يوم الخميس الماضي في صحيفة واشنطن بوست إلى أن بوش يحظى بتأييد أغلبية الامريكيين حيث أعرب 60 في المئة ممن شملهم الاستطلاع عن تأييدهم لتشكيل محاكم عسكرية خاصة. وبرر بوش الذي عززت نتائج الاستطلاع موقفه، تشكيل محاكم عسكرية كرد على مجرمي الحرب الذين ليس من حقهم المثول أمام النظام القضائي المدني. وقال الرئيس الامريكي يوم الخميس الماضي «غير الامريكيين الذين يخططون و/أو يرتكبون عمليات القتل الجماعي ليسوا فقط مجرد مجرمين مشتبه فيهم. إنهم مقاتلون خارجون على القانون يسعون إلى تدمير وطننا وأسلوب حياتنا». وعلى الجانب الاخر، يشير المدافعون عن إجراءات إدارة بوش إلى التاريخ الحديث في بريطانيا وألمانيا، حيث اتخذت حكومتا البلدين إجراءات صارمة لمكافحة الارهاب. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، حظر على إرهابيين يساريين متهمين في السبعينات الاجتماع مع المحامين الموكلين للدفاع عنهم لفترات طويلة من الوقت، وذلك بهدف الحيلولة دون الاتصال بأي متآمرين من أعوانهم خارج السجن. الجدير بالذكر أن حالة عدم اليقين حول مصير المشتبه في أنهم إرهابيون ممن تم اعتقالهم من قبل حكومات خارج الولايات المتحدة منذ هجمات 11 سبتمبر الماضي وعددهم حوالي 350 معتقلا دفعت أحد المدافعين عن العدالة الدولية، وهو القاضي ريتشارد جولدستون، إلى الدعوة إلى تشكيل محكمة دولية تحت إشراف الامم المتحدة. ويشارك جولدستون، وهو من جنوب إفريقيا أصلا، في محاكمات المتهمين بارتكاب جرائم حرب في كل من البلقان ورواندا. وقال جولدستون إن تشكيل محكمة جنائية دولية ستوفر مكانا محايدا يمكن لدول أخرى أن تسلم لها أي مشتبه في تورطه في هجمات 11 سبتمبر ضد أمريكا. لكن الولايات المتحدة ترددت في تشكيل محكمة جرائم دولية دائمة، ويرجع ذلك في بعض منه إلى ضغوط من جانب الجيش الامريكي الذي يخشى من أن يجري اتهام جنوده بارتكاب جرائم ضد مدنيين في أرض أجنبية. من جانبه، وبهدف الاسهام في إعداد الاجانب للاستجواب من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي، أصدر الاتحاد الامريكي للحريات المدنية كتيبا يقدم توجيهات وإرشادات بسبع لغات، منها العربية والهندوسية والاسبانية، حول ما يتعين على أي أجنبي القيام به عند اعتقاله من جانب سلطات تنفيذ القانون. وانتقد الاتحاد الامريكي للحريات المدنية برنامجا جديدا أعلن عنه يوم الخميس الماضي تحت اسم «برنامج المتعاونين المسئولين». وقال وزير العدل الامريكي جون أشكروفت أنه بموجب هذا البرنامج، فإن المهاجرين والاجانب المقيمين بصورة غير قانونية والذين يساهمون في الادلاء بأي معلومات عن إرهابيين محتملين سيلقون معاملة تفضيلية من جانب الحكومة الامريكية توفر لهم فرصا أفضل للحصول على تأشيرات للهجرة إلى الولايات المتحدة بصورة قانونية. ونفى مسئولو وزارة العدل في واشنطن إن يكون هذا العرض مجرد طعم لاصطياد منتهكي قانون الهجرة الامريكي.د.ب.أ