فشل المسئولون اللبنانيون، بعد اجتماعات مكثفة عقدت في دمشق وبيروت خلال الأيام الثلاثة الماضية، في «فك الارتباط» بين ربط الادارة الأمريكية التزام لبنان بقرار مجلس الأمن رقم (1373) المتعلق بمكافحة الارهاب وتنفيذه لطلبات طرحتها عليه واشنطن من دون الافصاح عنها علناً وبشكل رسمي. وتعتبر ادارة الرئيس جورج بوش ان لبنان ملتزم فعلاً بذلك القرار، لكن هذا غير كاف لاثبات قدراته «لا نواياه الحسنة فقط» حيال مكافحة الارهاب. وتكشف مصادر لبنانية ان لبنان هو واحد من الدول القليلة في العالم التي يطالبها المجتمع الدولي بخطوات محددة ومسبقة للوثوق بالتزامها وبتلك المكافحة، وان هذا الأمر لا ينطبق على سوريا مثلاً، والتي حاول وزير خارجية البلدين محمود حمود وفاروق الشرع صياغة مواقف مشتركة حياله، قبل أن تتلقى بيروت اشارات أمريكية «تنصح» بعدم الجدوى من دمج الموقفين، وهي كانت محور اجتماع مطول في القصر الجمهوري استمر حتى سحور فجر أمس بين الرئيسين اميل لحود ورفيق الحريري بحضور نائب رئيس مجلس الوزراء عصام فارس (المقرب من الرئيسين بوش الابن والأب)، ووزيري المال فؤاد السنيورة والاقتصاد والتجارة باسل فليحان، وحاكم «مصرف لبنان» رياض سلامة، والمدير العام للأمن العام اللواء الركن جميل السيد. وقد ناقش اللقاء، وفق المعلومات الرسمية التي وزعت فجر أمس: «مختلف الجوانب الاقتصادية والأمنية المرتبطة بتنفيذ القرار 1373، والأسئلة الواردة من مجلس الأمن، والمتعلقة به. فجرى التأكيد على ان لبنان ملتزم كلياً بتطبيق هذا القرار من ضمن الثوابت الوطنية الأساسية المعلن عنها سابقاً، لاسيما ما يتعلق منها بالنزاع العربي ـ الاسرائيلي، وتمييز المقاومة عن الارهاب. وتضيف المعلومات الرسمية «ان الأجوبة الاقتصادية والمالية والأمنية ستُضم الى اللائحة التي يتولى تنظيمها وزير الخارجية والمغتربين محمود حمود، والتي سيتم ارسالها الى مجلس الأمن خلال الأيام المقبلة، بعد عرضها بصيغتها النهائية على كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء». ولوحظ ان الوزير حمود المعني مباشرة باعداد تلك الأجوبة لم يشارك في ذلك الاجتماع، وتردد انه كان على اتصال دائم مع الوزير الشرع وبعض كبار المسئولين السوريين للتوفيق بين أجوبة البلدين التي تتباين مالياً بسبب اختلاف النظامين الماليين والمصرفيين في كل من البلدين، وكذلك لجهة القوانين التي يستطيع رئيس الجمهورية في سوريا اصدارها، بينما لا يستطيع الرئيس اللبناني القيام بذلك الآن. تسريع القوانين واصدارها هي من مهمات مجلس النواب الذي يحيل مشاريع قوانينه الى رئيس الجمهورية للموافقة عليها، أوردها اليه لإعادة درسها لا أكثر. أما في جانب المعلومات غير الرسمية حول ما دار في اجتماع لحود ـ الحريري الليلي، فقد علمت «البيان» انه تركز على لائحة الطلبات الأمريكية للبنان، والضغوط التي يتعرض لها من واشنطن، والتي تبقي على التزامه بالقرار 1373 ناقصاً أمريكياً اذا ما استمر رفضه في التجاوب مع ذلك. ويحصر مرجع رسمي كبير ل«البيان» المطالب الأمريكية من لبنان بالتالي: ـ الطلب اليه جمع الأسلحة الثقيلة والصاروخية التي يملكها «حزب الله» واعادتها الى ايران لا أن يتسلمها الجيش اللبناني ويحتفظ بها باعتبار انها هي مرسلتها. ـ يصبح الانسحاب ممكناً من مزارع شبعا في حال تنفيذ ذلك، و«لبننة» حزب الله وابعاده عن ايران، وتجميد أرصدته المالية. ويكشف ذلك المرجع ان الحريري تلقى اشارات أمريكية يصفها بأنها «مزحة سمجة وثقيلة»، ومفادها: اما تجميد تلك الأرصدة، أو تجميد أموال رئيس الوزراء اللبناني في الخارج. ويدخل المرجع ذلك في اطار الضغوط ليقبل لبنان باللوائح والمطالب الأمريكية مع القرار 1373 في الوقت نفسه. ومنها ما تلقته الخارجية في بيروت أمس من ان عدداً من اللبنانيين المقيمين في ولاية ميشجن الأمريكية تلقوا رسائل من المدعي العام في ديترويت تدعوهم: «للحضور اختيارياً» إلى مقابلة مسئولين أمنيين هناك. وأفيد ان هذه الرسائل وجهت إلى لبنانيين وعرب تتراوح أعمارهم ما بين 18 و35 عاماً يقطنون في تلك الولاية التي تضم حوالي 300 ألف لبناني وعربي. وجاء في رسالة منها: «لقد لفتنا اسمك، لأنك بين أمور كثيرة، جئت إلى ميشجن بتأشيرة من بلد يحوي مجمعات تؤيد الارهاب الدولي وتدعمه وتموله، ومع انه ليس لدينا أي سبب للاعتقاد ان لك علاقة بنشاطات ارهابية، إلا انك قد تعرف شيئاً ربما أفادنا في جهودنا. ويعتبر المرجع اللبناني نفسه ان مثل تلك الضغوط تهدف لتركيع لبنان للطلبات الأمريكية، لا لمكافحة الارهاب. ـ خاصة، كما يضيف، فإن الحكومة اللبنانية ملتزمة بوضوح بهذه المكافحة، وتعتبر ان القرار 1373 جاء متأخراً جداً لأن لبنان ينفذ مضمونه منذ فترة طويلة قبل صدوره عن مجلس الأمن. وهذا ما يعبر عنه وزير الدولة الحالي، الوزير السابق للعدل، بهيج طباره الذي يقول ان لبنان يرى ان «القرار (1373) يفتقد إلى توحيد واحد للارهاب رغم المحاولات لذلك. فقد جاء خالياً من أي تحديد. ولذلك فإن لكل دولة الآن مفهوماً معيناً للارهاب، وهناك قرارات صدرت عن الأمم المتحدة تنسجم مع موقفنا الذي يميز بين المقاومة المشروعة وبين الارهاب. ويضيف طباره: «ليس هناك سبب لكي يكون لبنان غير جاهز في أجوبته لمجلس الأمن، هناك أسئلة الآن مطلوب من ادارات الدولة (المال، الخارجية، ومصرف لبنان) الاجابة عنها، وكلها سوف تشكل محور الردود اللبنانية، لا أعتقد اطلاقاً ان هناك أخطاراً أمنية وعسكرية على لبنان، فمجلس الأمن وضع خطوطاً عامة لتصوره لمكافحة الارهاب بكل أنواعه. ولا أعتقد اننا في وضع تصادمي مع مجلس الأمن، وحتى اليوم (أمس) لسنا في تصادم مع الولايات المتحدة، خاصة وانه لم يصدر عن مجلس الأمن تعريف محدد للارهاب، فلكل دولة مفهومها له، ومن هذه الناحية ليس هناك فروقات كبيرة بين تعريف لبنان والاتفاقات الدولية. لدينا خصوصية لاقرار حق الشعوب في مقاومة الاحتلال وتقرير مصيرها والعمليات الارهابية، ولا نعتقد في لبنان ان القرار 1373 يقول عكس ذلك». بيروت ـ وليد زهر الدين: