في مطلع شهر يوليو كانت جيرتروود قد انتهت من وضع جدول مفصل حول العشائر الموجودة في شمال بغداد والشمال الشرقي منها، وقد أعدت الجدول هذا وفق التسلسل الأبجدي أجرت طباعته بإتقان وبعدة نسخ، وكانت في الحين ذاته منهمكة بما أسمته الفوضى الكبيرة المتعلقة بعشائر الفرات. وفي السادس من الشهر نفسه كتبت قائلة: «إن الجنرال كب ممتن جداً، كما أني سعيدة لتمكني من مساعدة دائرة الاستخبارات بهذه الطريقة. أبرمنا معاهدة مع صديقي الحميم فهد بك بن هذال شيخ قبيلة عنزة، وما أن يتم الحصول على طاقم أسنان صناعية حتى ينصرف إلى تنفيذ المهمة التي أخذها على عاتقه وهي حراسة الصحراء الغربية بالنيابة عنا. يا لها من نقلة رائعة، إنها تمثل في الواقع أحد أهم ما حققناه من إنجازات وهو ما جعل الأتراك والألمان يحرقون الارم غيظاً، ففي الوقت الذي كان الشيخ فهد بك منهمكاً معنا في استكمال التفاصيل المتعلقة بالمعاهدة آنفة الذكر، عمد الأتراك والألمان إلى إرسال مجموعتين من الضباط تحمل كل منهما أكياساً مليئة بالذهب استهدفوا من خلالها شراء ذمم رجاله أثناء غيابه. ولكن الحظ كان حليفنا عندما تمكنا من رد كيدهم إلى نحرهم، لقد أفلح فهد بك في إيقاف قافلة سورية في الأسبوع الماضي من خلال قيامه بالإيعاز إلى ابنه باتخاذ ما يلزم بشأن احتجازها، ومنع حركتها. وهكذا فقد أمسينا في وضع يمكننا من بسط نفوذنا على امتداد الخط الحدودي». فساتين الموسلين راحت شدة حرارة الجو تتواصل وتأبى بإصرار الانخفاض إلى أقل من 116 درجة فهرنهيتية أثناء النهار «متسببة بإصابات لا تقل عدداً وخطورة عن تلك التي تتسببها الحرب». إلا أنها بدأت تنخفض قليلاً في نهاية شهر يوليو. وفي السابع والعشرين من الشهر نفسه كتبت جيرتروود إلى أبيها تخبره عن توقف الإجراءات والترتيبات في المستشفى:«كان من شأن عدم تهيئة ما يكفي من الترتيبات المتعلقة بالإقامة أن يؤدي إلى كل ما يترتب على ذلك من مشكلات. فضلاً عن ذلك كان هناك نقص في كميات الثلج التي يتعين توفرها بالإضافة إلى نقص في عدد العاملين. وفي وسط ذلك الحر القاتل صدرت الأوامر إلى القطعات المعنية بمهاجمة موقع تركي صغير يقع على نهر الفرات، كانت النتيجة وبالاً بكل ما تنطوي عليه العبارة من معنى، كان عدد الإصابات التي سببها العدو لمقاتلينا بحدود ستين حالة بينما بلغت تلك التي تسببتها الشمس المحرقة أربعمائة وخمسين حالة ! ثم عادت قواتنا من حيث انطلقت من غير أن تحرز أي تقدم. بيد أنك قد تتصور نتيجة الاطلاع على البلاغات الرسمية أننا قد أحرزنا نصراً مبيناً. لطالما كرهت الكذب، وبعد مثل هذه الممارسات راح كرهي يتنامى بشكل مطرد. استلمت رسالة طويلة من (بياتريس ليدي براونرج) فأرجو منك إبلاغها جزيل شكري. لا أستطيع الإجابة عليها لعجزي عن كتابة الرسائل التي لا تحتوي سوى الثرثرة واللمز والتكلم في سير الناس. إنني أهوى الكتابة إليك، كما أهوى مراسلة الأشخاص المهتمين بتفاصيل عملي، وبذلك فأنتم الأناس الوحيدون الذين يمكنني تبادل الرسائل معهم. أجدني أزداد وعياً بما أعاني من عزلة نتيجة بقائي خلف جدار تجربتي الماضية المريرة التي يخفق الزمن في تجاوزها. إن الأخبار المروعة المتعلقة بما تشهده الجبهة الروسية من أحداث (هزائم نكراء ، وتراجع، وتمرد) لا تترك أي مجال للتفاؤل وتجعل من احتمال إحراز أي تقدم أمراً مستحيلاً. لم يبق أمام كرنسكي إلا زمن قصير يمكن له من خلاله أن يثبت ما إذا كان باستطاعته أن يلم شمل الوطن والوقوف في وجه الخطر بغية منع قوات قيصرها من فرض شروط وقف إطلاق النار على الروس في قلب عاصمتهم بيتروجراد. كلما ازداد الفرد منا معرفة بالشرق تعين عليه بشكل متزايد أن يتعلم كيف يغفر ويتسامح وذلك انطلاقاً من المبدأ القائل إن زيادة الإدراك بواقع الأمور تؤدي بالنتيجة إلى زيادة القدرة على التسامح والغفران. إن نصف أصدقائي وأصدقاء بريطانيا هنا كانوا يجاهرون بالعداء ضدنا ويكتبون المقالات التي تندد بنا عندما كانوا في قبضة الأتراك. إن ما يكتبونه الآن من كلام مناهض للأتراك ومعاد لحكمهم وممارساتهم التعسفية، وإن كان لا يأتي مدفوعاً من قبلنا، فإنه لا يريحنا أو يجلب السرور إلى قلوبنا. فالكلمات في الشرق هي مجرد كلمات لا أكثر، كأنها لا تعني شيئاً بالمرة. إنك في هذا الجزء من العالم تبطن أمراً معينا ثم تقول ما بدا لك، فمن ذا الذي يمكنه أن يعرف ما في سرك؟ من يستطيع معرفة ما تبطن؟ وهذا جانب مألوف في أطر الممارسات الدينية والتعامل الاجتماعي، كما هو كذلك في الأمور الصغيرة والكبيرة على حد سواء. إنهم يقولون شيئاً في يوم معين وما أن يصيح الديك فجر اليوم التالي حتى تجدهم يقولون شيئاً مغايراً تماماً. إنه لأمر غريب جداً، بيد أنه لا يجب أن يغيب عن بالك أمر تقبلك هذه الممارسة الشائعة في الشرق لسببين أساسيين أولهما قدرتك على إدراك هذا الجانب وتفهمه كما ينبغي، وثانيهما التغاضي عنه والتسامح معه. إن العديد من الشرقيين يفضلون الموت على نبذ إيمانهم العميق بالكلمات والكفر بها وهو جانب نتمنى مخلصين أن يتوفر لنا ما يكفي من الشجاعة للقيام به. لقد انتهيت لتوي من كتابة مقالي الأخير عن تركيا وهو حلقة من سلسلة مقالات كتبتها لوزارة الحرب. فإذا ما قدر لها أن تكون مجدية، وهي كذلك على ما أظن، وإذا ما ثبت على أقل تقدير إنها مجدية فيما يتعلق بما لديهم من مقاصد وأهداف، فإن أمر استخدامها يصبح منوطاً بوزارة الحرب. أما بقدر تعلق الأمر بي شخصياً، فقد قمت بما يتعين علي إجراؤه بهذا الصدد». شعرت جيرتروود بسعادة عارمة إثر وصول فستانين آخرين من الموسلين ليرتفع عدد ما بات بحوزتها من هذه الأثواب إلى سبعة. وعلى الرغم من قدرتها على «النجاة» من ذلك الحر الخانق، فإنها سرعان ما أصيبت برشح عنيف صبيحة أول يوم من الأيام التي لفحتها فيها نسمة باردة، وقد قدر لهذا الرشح أن يقعدها عن العمل حيث اضطرت إلى ملازمة الدار والتمتع بإجازة مرضية لبضعة أيام. هوة التعاسة والشقاء بعد عطلة قصيرة راحت جيرتروود تغوص وسط كم هائل من العمل المتراكم معترفة بأن لجوءها إلى العمل كان بمثابة مخدر لا يمكنها الاستغناء عنه لأية فترة طويلة من الزمن. وفي السابع من ديسمبر كتبت تقول: «شعرت وكأنني أنزلق إلى هوة التعاسة والشقاء حتى قبل انتهاء فترة الاثني عشر يوماً التي قمت فيها بزيارة مدينة سامراء. أحمد الله على نهايتها. إنني منهمكة في العمل إلى الحد الذي يعيق حتى التفاتي للعناية بأبسط أموري الخاصة، بل دأبت كذلك على جلب العمل معي إلى الدار والانشغال به بعد وجبة العشاء. أحمد المولى على كثرة ما يتوفر منه. إنى أعاني من واقع عدم وجود من يمكنني اعتباره صديقاً. إني أُحب كل الموجودين هنا على حد سواء ودونما تفضيل ، ومع ذلك أجدني أفضل السيد بولارد، أحد مسئولي الدائرة المالية، الذي أميل إليه أكثر من ميلي إلى أي شخص آخر. لقد جاء لتناول طعام العشاء معي في إحدى الأمسيات من هذا الأسبوع. إن عملي لا يتيح لي فرصة استضافة أحد آخر».كان من بين مهام جيرتروود الليلية انصرافها إلى التفكير والنظر في التفاصيل الخاصة بالمناطق التي يمر فيها نهر الفرات بهدف الخروج برسم تخطيطي لها. وكانت تجد راحة نفسية تدفعها إلى الانهماك بالعمل بفضل اعتدال الجو وما يترتب عليه من أمر إتاحة الفرصة أمامها لممارسة هوايتها المفضلة وهي ركوب الخيل لا سيما بوجود الفرس التي «خصصت» لها. كما كان من شأن انشغالها بتصليح نصوص بعض الأدبيات التي كانت تتواتر عليها ـ والتي كانت «مكتوبة بلغة إنجليزية شائنة» على حد تعبيرها ـ أن يزج بها في خضم ممارسات لا تخلو من متعة وحيوية. وفي الحادي والعشرين من شهر ديسمبر كتبت قائلة: «عمدت إلى جر السير برسي كوكس إلى مصاحبتي في نزهة على ظهر الخيل عصر يوم الأحد المنصرم (إذ أن النظام الجديد قد قرر اعتبار فترة ما بعد الظهر من أيام الآحاد عطلة رسمية). إن الأرض الصحراوية التي تمتد إلى الشرق من بغداد كانت في زمن ما تسقى بمياه النهروان الكبير، القناة الملوية التي امتدت بموازاة نهر دجلة وعلى بعد عشرة أميال منه. إن الصحراء مخددة بآثار روافد هذا النهر، وهي آثار تكاد تمتلئ بالطمى أو التراب الذي تنثره الرياح. وفيها يجد السائر نفسه من وقت إلى آخر على قمة ركام، أو هضبة صغيرة، تغطيهما شقف من الفخار. وبينما كنت أقود السير برسي إلى إحدى هذه الهضاب شاء حسن الطالع أن نجد أمامنا قطعة زخرفية غير مزججة يدرك من يراها على الفور إنها تعود إلى الفترة القروسطية. وهكذا راح شبح ريف غني وعامر بالآثار يصاحبنا في نزهتنا هذه.في يوم الاثنين تناولت طعام الغداء على مائدة القائد العام الجديد الفريق السير وليام مارشال. عندما يدعى أحدنا لحضور مأدبة عشاء فإن الاهتمام لا ينصب على نوعية المدعوين وعلى ما يقدم من أصناف الطعام، بل على واقع ما إذا كان مكان إقامة الدعوة، داراً كانت أم محلاً عاماً، قد تم تدفئته كما ينبغي. وفي هذه المناسبة كان المكان دافئاً للغاية، وكان المدعوون مجموعة لطيفة ومهذبة من الأفراد ضمت عدداً من الضباط والمرافقين العسكريين بالإضافة إلى السير برسي كوكس وإليّ شخصيا. الجنرال مارشال إنسان في غاية اللطف والكياسة. وبعد حديث مسهب حول السجاد بصورة عامة قضينا بقية الأمسية في ممارسة لعبة البرديج. كنت توقفت عن ممارسة هذه اللعبة منذ قدومي إلى العراق، وقد ارتبكت بعض الشيء عندما شاء الحظ أن يكون شريكي في هذه اللعبة القائد العام نفسه. الأمر الذي دفعني إلى التضرع في سري إلى المولى القدير كي يجنبني التعرض إلى مواقف محرجة. وقد استجيبت دعواتي على ما يبدو إذ حالفني الحظ وقدر لي الكسب.لدينا مدير جديد للإمداد والتجهيز. إنه ليس صديقاً شخصياً لي فحسب بل رجل ذو كفاءة واقتدار فضلاً عما يتمتع به من حنكة وذكاء. أنا معجبة بالنظام الجديد وبكل ذوي الشأن فيه. إننا سنعمل معهم بتعاون وانسجام تامين على ما أعتقد. مازلت منهمكة في الجوانب الجغرافية المتعلقة بمناطق نهر الفرات، وهي مناطق لم ترسم لها خرائط لحد الآن، كما أعمل في الحين ذاته على وضع المعلومات المتعلقة بالعشائر هناك بصيغة جدول منظم، ولابد من قيامي بزيارة موقعية لهذه المناطق للتأكد من صحة المعلومات التي بحوزتنا ودقتها». وفي التاسع والعشرين من ديسمبر كتبت إلى أبيها قائلة:«أبتاه الحبيب، في يوم عيد الميلاد انطلقت مع السير برسي كوكس لحضور حفلة شاي في المستشفى العسكري. وفي اليوم التالي عمدت إلى زيارة المستشفى المدني التي قد تم ترميمها وإعادة فتحها للجمهور، وهي الآن تدار من قبل مجموعة من الأطباء يرأسهم الطبيب الرائد كاري ايفانز زوج بنت رئيس الوزراء لويد جورج. إنه طبيب كفؤ. وقد التقيت هناك عدداً من المرضى من عرب ويهود وأرمن كما التقيت صديقتي القديمة زوجة مصطفى باشا. إنهما من الأكراد (أي مصطفى باشا وزوجته). وجدت هذه السيدة تجلس فوق سريرها وقد لفت رأسها بعصابة سوداء مزركشة من النوع الشائع بين السيدات الكرديات. كانت منهمكة في الكلام حول مواضيع لا حصر لها وهي تنفث رماد سجائرها التي كادت تدخنها بغير انقطاع. وفي طريق عودتي إلى الدار اخترت العبور إلى الجانب الآخر من النهر، وسلكت طريق الأسواق القديمة ـ وهي طريق موحلة وبائسة ولكنها ممتعة برغم ذلك لأنها تمثل بغداد القديمة التي تكاد تخلو تماماً من السيارات والجنود وكل ما له علاقة بالاحتلال. سرت متهادية على شاطئ النهر وتبادلت أطراف الحديث مع رجال انهمكوا بسد ما في هياكل قواربهم الصغيرة من شقوق وحزوز بالزفت ـ لقد شعرت براحة واستئناس كبيرين، بل وبألفة من يجد نفسه بين أهله وذويه. إن نفحات من الشرق الذي عرفت وألفت سابقاً تكاد تكون جوانب نادرة وسط عالمي الذي ينوء تحت وطأة الأضابير والكراسي المكتبية. ولابد أن أخبرك عن هدايا العيد التي استلمت: سلال مليئة بالبرتقال وحزم من ورد النرجس والبنفسج. إن امتزاج القديم بالجديد لأمر يثير الاهتمام والضحك في آن واحد ـ شيوخ عشائر عربية يترأسون لجان تعمل على جمع التبرعات لصندوق ذكرى الجنرال مود إنهم يعملون معاً من أجل هذا الهدف على الرغم مما يعتمل في صدور البعض منهم من مشاعر العداء ضد البعض الآخر وما يترتب على هذا الشعور من اندفاع إلى الصراعات والانغماس في عمليات أخذ الثأر وإلى غير ذلك من الممارسات قليلة الشأن». المشكلات الأكثر عمقاً كانت آخر رسالة كتبتها جيرتروود بيل في عام 1917 هي تلك الموجهة إلى السير فالنتاين شيرول:«إنني في أتم صحة وعافية بفضل استمتاعي بالطقس البارد. سأتوجه في الأسبوع المقبل إلى كربلاء والنجف للحصول على ما يمكنني الحصول عليه من المعلومات. لقد تم لنا أخيرًا السيطرة على منطقة الفرات الأسفل، وها نحن ننعم بالراحة التي من المحتمل جداً تواصلها باعتبارها حالة دائمة، بينما لا تزال المعارك تتواصل في سوريا. لابد لنا من تنشيط العمل الزراعي في تلك المنطقة (أي في كربلاء والنجف) بهدف الحصول على ما ينبغي من المحاصيل وضمان فرض سيطرتنا عليها. إنه لأمر مثير للاهتمام جداً أن نرى انفتاح ذلك الجزء من العالم الذي كان مجهولا بالنسبة لنا. إن الأوضاع الزراعية تشهد تحولاً سريعاً إذ أن الأهوار الكبيرة تمتلئ بالغرين وإن سد الهندية سيسهم في تسريع العملية. قامت العشائر في فصل الشتاء هذا وبفضل مساعدة من قبلنا بحفر قنوات كان قد مضى على جفاف مياهها فترة تزيد على خمسة وعشرين عاماً. كما تم أخيراً استحداث دائرة للري آمل أن تأخذ على عاتقها دراسة مثل هذه الجوانب. إننا في هذا المجال نهدف هنا إلى إنتاج المواد الغذائية والأطعمة بأسرع ما يسمح به الوقت، وبأكثر كم ممكن. إن العشائر تعمل جادة على حرث الأرض وزراعتها مع تواصل انصرافها من وقت إلى آخر إلى مختلف الجوانب المتعلقة بالحزازات والثأر والشحناء وإلى غير ذلك من الممارسات المحلية. إن مناطق الأهوار تزخر بعناصر تهوى ممارسة أعمال العنف والخروج على القانون بيد أنها لا تشكل في الواقع خطراً جاداً على الإدارة. إن كبار المشايخ ورؤساء العشائر يميلون إلى الاستجابة إلى نداءاتنا والتعاون معنا وقد راحوا بالفعل يتملقون إلينا في محاولة لنيل الحظوة عندنا. ولابد لنا أن ندرك أن عملية تفسخ وانحلال المجتمع العشائري، التي عمد العثمانيون على تشجيعها وتغذيتها (انطلاقاً من إيمانهم بأن ذلك يعود بالنفع على إمبراطوريتهم بينما الواقع هو خلاف ذلك تماماً إذ أن هذا الانحلال يؤدي إلى الفوضى) قد نجحت في جعل الشيوخ والرؤساء أقل هيبة وسيطرة مما كانوا عليه في السابق. لقد تم لنا احتلال مدينة خانقين أيضاً، وبذلك فإن من المحتمل على ما أظن أن نكون مقبلين على أيام لا تخلو من إثارة وحيوية بوجود أكراد عابثين وماكرين في المنطقة الحدودية ممن بإمكانهم الدخول إلى إيران بكل سهولة متى ما شاءوا ذلك، ولكنني واثقة من قدرتنا عاجلا على تدجين الأشد بأساً من بينهم وتشويه سمعتهم وسلبهم ما قد يتمتعون به من سمعة وما لديهم من مصداقية. إن السير برسي يشعر بقلق إزاء الانهيار الروسي في إيران حيث تعم الفتنة والقلاقل وسط محيط يعتبر مرتعاً خصباً لمثل هذه الجوانب. وأجدني أتساءل (على الرغم من أن تساؤلي هذا لا يرقى إلى ما من شأنه ان يؤدي إلى حل عملي إذ لا يمكننا عمل أي شيء أو تقديم أية صيغة من صيغ المساعدة) حول ما الذي ستؤول إليه الأوضاع في منطقة بحيرة فان عندما ينسحب منها الروس ـ وهو ما سيقومون به على ما أفترض ـ ليجد الأرمن المساكين أنفسهم مرة أخرى تحت رحمة الأتراك والألمان. إن أفراد القبائل الآتين من الشمال يجلبون معهم أعداداً من الفتيات الأرمنيات اللواتي قد تم وشمهن كالبدويات ـ لقد شاهدت عدداً منهن في بغداد! عزيزي دمنول إنها حالة مروعة، سيول من الدموع المنهمرة، وصور محزنة للتعاسة والمعاناة ـ هذا ما يعكسه لسان حال تلك البائسات اللاتي تم العثور عليهن بطريق الصدفة. قد يبدو المرء منا قاسي القلب إذا ما انصرف إلى اعتبار مثل هذه المعاناة البشرية أموراً اعتيادية، شأنها بذلك شأن الوضع في الخنادق المنتشرة في فرنسا وخطوط التماس مع العدو في الجبهة الإيطالية. إننا نواجه مشكلات عربية اعمق أثراً واشد خطورة وهي تلك المتمثلة بالمواجهة بين الشريف وابن سعود. آمل أن يتمكن الساسة في الوطن من تسوية الأمور بطريقة منصفة تشمل مراعاة الخير لكلا الطرفين.